; في السُودان: دعاوى محمود محمد طه التي قادته إلى المشنقة | مجلة المجتمع

العنوان في السُودان: دعاوى محمود محمد طه التي قادته إلى المشنقة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1985

مشاهدات 93

نشر في العدد 705

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 19-فبراير-1985

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيرِ عِلمٖ وَلَا هُدى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ثَانِيَ عِطفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّه لَهُۥ فِي ٱلدُّنيَا خِزي وَنُذِيقُهُۥ يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلحَرِيقِ﴾ (الحج: 9).

أي خزي أكبر من أن يقتل الإنسان بسبب الكفر والجحود فيحكم عليه بالانسلاخ من عقيدة الإسلام ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين..

حتى اللحظة الأخيرة التي كان يلتف فيها حبل المشنقة حول عنق محمود محمد طه كان أنصاره من الفرقة الجمهورية ينتظرون خارقة تنجي زعيمهم وتثبت للناس أجمعين أنه على الصراط المستقيم.

شيء من ذلك لم يحدث

وببساطة تدلى جسد ذلك الشيخ السبعيني من عود المشنقة الذي انتصب في ساحة العدالة الناجزة بالخرطوم.

ثم كانت لحظات أخرى، وهبطت طائرة لتحمل الجثمان إلى قبر لا يعرف له مكان. منذ عهد بعيد لم يقتل أحد في ديار المسلمين بسبب الكفر والارتداد. لذا كان الحدث فريدًا من نوعه ومثيرًا للجدل و يا ليت صوت السودان كان جهيرًا ليسمع الناس قصة هذا المرتد، ففي الوقت الذي خرج نبأ صغير من وكالة الأنباء السودانية نشأت ردود فعل عاصفة وواسعة المدى. 

 ومن عجب أن نسمع صوت روسيا عبر إذاعتها الموجهة ليقول إن قتل محمود محمد طه «ردة» كبرى إلى الرجعية والدين بعد أن ناضلت البشرية وقطعت أشواطًا في التقدم والرقي.

وقالت هيئة الإذاعة البريطانية في الخبر الذي بثته من إذاعتها الإنجليزية والعربية إن محمودًا قتل بسبب اعتراضه على أساليب تطبيق الشريعة الإسلامية.

وتباكى الإعلام الغربي على الحريات وعلى الديمقراطية، وذلك دأبه في صيانة الحرية التي تبيح المجاهرة بالزندقة بذات السهولة التي ينتقد بها فستان راقصة.

وقال الإعلام العربي مثل قولهم إلا من رحم ربك.

ووسط الضجيج كانت الحقيقة أن تضيع، وكاد الإعلام أن يطمس المفهومات الصحيحة ويفرغ الحدث من محتواه العقدي. 

هذا وكانت المجتمع قبل شهر نشرت حيثيات الحكم في هذه القضية.

ثلاثون عامًا في الضلال

ليس الغرض من رواية هذه السيرة أن نستروح بقصص مسلية ولا إذاعة أشياء من الحكمة كبتها، إنما الغرض تبيان الحقيقة ورد الباطل.

وما كان ينبغي لنا أن ننشغل بها لولا أن خبره شاع بين الناس حتى بدأوا يتساءلون عنه.

ومن خبر الرجل أنه أسس حزبه في آخر شهر أكتوبر ١٩٤٥م وسماء الحزب الجمهوري الاشتراكي. وكان تجاه الحزب بادئ الأمر علمانيًا ينزع إلى اعتماد الفكر الحر.

وحاول محمود أن يصبغ حزبه بصبغة إسلامية حتى يمنحه سندًا شعبيًا، إلا أن الحزب بدأ يتحول إلى فرقة ذات تجاه باطني بعد إعلان زعيمه أنه قد استقام له أمر نفسه وأصبح من «الواصلين».

كان هذا في عام 1951م وقبل ذلك مرت على حياة الرجل حادثة رمت ظلها على مستقبله وتوجهه فيما بعد، تلك هي الحادثة المشهورة بقضية «فتاة رفاعة» فعندما أصدر الإنجليز قانونًا يمنعون به إجهاض البنات طفق محمود يعارضه بشدة فاعتقل شهرين ثم أخرج من السجن ليقود مظاهرة ضد السُلطات في أثر احتجاز إحدى القابلات بمدينة رفاعة. 

وقدم محمود بسبب ذلك إلى المحاكمة وصدر حكم بالسجن عليه لمدة عامين.

كانت فترة العامين مرحلة تحول جذري في تفكير الرجل وبداية اتصاله بدعاوى الباطنيين وكتابات الصوفية الفلاسفة. 

بعد خروجه من السجن في أغسطس ١٩٤٨م اعتكف محمود بغار في «ديم موسى» لمدة ثلاث سنوات زاعمًا أنه قطع نصف الطريق إلى الله وهو في السجن وما عليه إلا أن يقطع النصف الباقي ليصل إلى الذات الإلهية. 

وخرج محمود من عزلته أشبه بالمعتوه، وواصل نشاطه بعد أن أعلن في الناس أنه أصبح من «الواصلين».

وتروى عن الرجل في هذه الفترة حكايات موثوقة تدل على أن مسًا من جنون قد أصابه. يحكي الأستاذ عبد الجبار المبارك عن الشيخ محمد الأمين القرشي قاضي محكمة الحصاحيصا الشرعية آنذاك، أن محمودًا جاء يطلب منه تبرعًا لمدرسة حديثة يريد بناءها في رفاعة، وكان سمته ولهجته يوحيان بأنه مخلول فأعطاه القاضي خمسين قرشًا فقال له محمود بعد أن نظر إلى المبلغ: 

إن نفيسة عوض الكريم خير منك لأنها تبرعت بثلاثة جنيهات، وأردف قائلًا: خمسة ريالات أحسن من ذقنك. 

انحسر نشاط الجمهوريين إبان الحكم العسكري وتخلوا في هذه الفترة من التسمية الحزبية وسموا فرقتهم بالدعوة الإسلامية الجديدة، وفي هذه الفترة أصدر محمود محمد طه أخطر كُتبه وهو الكتاب الموسوم زورا بـ «الإسلام». 

وبعد ثورة أكتوبر ١٩٦٤م شارك الجمهوريون في العمل السياسي، وقد تفرغ محمود للعمل الحزبي الخالص منذ ١٩٦٥م وترك عمله حيث كان مهندسًا في القطاع الخاص ومن قبل في مصلحة سكك حديد السودان. 

وفي عام ١٩٦٨م رفع الدكتور الأمين داود والأستاذ حسين محمد زكي دعوى إلى المحكمة الشرعية بالخرطوم يطالبان بإنفاذ حكم الردة على محمود محمد طه.

وقد حكمت محكمة الخرطوم الشرعية العُليا في يوم الاثنين 18/11/1968م بردته عن الدين الإسلامي وأمرته بالتوبة عن جميع الأقوال والأفعال التي أدت إلى ردته. وامتنع محمود عن المثول أمام المحكمة بحجة أنه لا يعترف بها. وأثار هذا الحكم أصداء واسعة في المجتمع حيث تقبله الناس بارتياح شديد بينما هب اليساريون والعلمانيون والجمهوريون للدفاع عن محمود محمد طه.

ولم ينفذ الحكم لأن القانون الجنائي السائد لم يكن فيه نَص يجيز قتل المرتد ولم تكن المحكمة الشرعية ذات اختصاص بتنفيذ هذا الحُكم.

فالحُكم كان تقريريًا حتى يكون المسلمون على علم بأمر الفكر الجمهوري وكان مثل هذا القرار هو أقصى ما يمكن الوصول إليه في ذلك الوقت لحماية عقيدة الأمة.

وأيد هذا الحكم المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته السادسة عشرة، كما طالبت لجنة الفتوى بالأزهر وزارة الشئون الدينية في السودان بمصادرة الفكر الجمهوري الهدام.

في الفترة ما بين أكتوبر ١٩٦٤ ومايو 1969م انصب نشاط الفرقة الجمهورية في مناهضة الدعوة النشطة آنذاك للدستور الإسلامي.

وبعد حل الأحزاب السياسية عقب قيام حكومة مايو عاد الجمهوريون إلى تسميتهم القديمة «الدعوة الإسلامية الجديدة» ثم اختاروا من بعد اسم «الإخوان الجمهوريين» وأغلقوا دورهم في أم درمان ومدني.

وظل منزل محمود في حي المهدية بأم درمان «مزارًا ومقامًا» فيه يعقدون اجتماعا يوميًا لمناقشة سير الحركة الجمهورية كما يستمعون إلى قراءة كتيب أو يستمعون إلى شريط من أشرطة شيخهم أو قد يستمعون إلى أحاديثه «كفاحًا» وعادة ما كانوا يختمون اجتماعهم بالنشيد العرفاني، يشترك فيه الرجال والنساء.

ومما لوحظ في خلواتهم هذه أنهم كانوا لا يهتمون بأداء الصلاة في وقتها لأنه ما دامت الصلاة صلة بين العبد والرب فهم في صلاة ما داموا في صلة مع محمود. لذا كانوا يؤخرون الصلوات عن مواقيتها، وهذا بالطبع للاتباع أما محمود نفسه فلم يكن يؤدي الصلاة قَط، وفي هذا كلام سيأتي لاحقًا.

ومن نشاط الجمهوريين الذي كان يندهش لمنظره زوار مدينة الخرطوم تلك الحلقات التي كانوا يعقدونها في الأماكن المختلفة للجدل والمناقشة.

وكانوا يخرجون في مجموعات رجالًا ونساء يبيعون الكتب في الأسواق ويسمونها بالحملات. كما أنهم كانوا يقومون بزيارات خاطفة للمسئولين، ورجال العلم والسياسة في بيوتهم يقدمون لهم الفكر الجمهوري ويدعونهم للرسالة الثانية من الإسلام. 

وقبيل تطبيق الشريعة ضيقت السُلطات عليهم فمنعت كتيباتهم من التداول ومنعتهم من إقامة المحاضرات العامة وسجنت زعيمهم وبعض أتباعهم. 

وقد أخرجوا من السجن في أواخر شهر ربيع الأول الماضي في عفو أصدره رئيس الجمهورية على بعض السجناء، وفي الأيام الأولى عقب الإفراج عنهم بدأ الجمهوريون في ممارسة نشاطهم وأصدروا منشورًا عنوانه «هذا أو الطوفان» يعارضون فيه تطبيق الشريعة ويطالبون بإلغاء قوانين سبتمبر ۱۹۸۲م. 

وصدر لهم كُتيب عن الاستقلال في ذكرى استقلال السودان، وبهذا نيفت كتيباتهم ورسائلهم على المئة بعضها طبع أكثر من مرة، وكتاب «طريق محمد» وحده طبع عشر مرات.

وحين صدر الحكم بالإعدام على محمود محمد طه وقف أحد قادة حزبه في جامعة الخرطوم يعلن أن محمودًا لن يموت قبل أن يستكمل تبليغ رسالته، وتكلم عن الطوفان الذي سيغشى السودان إذا «غاب» محمود، وكانت تلك الصيحة دعوة للناس كي يركبوا في سفينة محمود قبل أن يعم الطوفان ولا يكون ثم جبل يعصم من الماء.

● الجمهوريون في السودان يرون أن محمود محمد طه أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مفصل الرسالة الثانية وهي بزعمهم أعلى مرتبة من الرسالة  الأولى.

   كيف كان يفكر؟

إن الفرقة الجمهورية خلاصة مكثفة للقاديانية والبهائية فقد دعت إلى إبطال الجهاد وإماتة الشعائر، ودلت آثار مؤسس هذه الفرقة وأفكاره في السياسة والاقتصاد عن زيغ واضح في الاعتقاد.

ورغم أن هذه الجولة السريعة لا تفي للإحاطة بكل أفكار الرجل إلا أننا نكتفي بالإشارة الخاطفة لمجمل دعاويه ومفترياته.

دعوى الرسالة الثانية

برى الجمهوريون أن محمودًا أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية أنه مفصل الرسالة الثانية -الرسالة الأحمدية- التي هي أعلى مرتبة من الرسالة المحمدية. 

والفرقة الجمهورية -في زعم هؤلاء- هي الفرقة الوحيدة التي هي على الحق في هذا العصر.

ويرى محمود في أصحابه أنهم أفضل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن قرنه أفضل من القرن الذي عاش فيه الصحابة، وأن جاهلية القرن العشرين أفضل من جاهلية القرن السابع.

وأمة الأصحاب -والمقصود بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- أفرادها أكثر غلظة وجفوة وبلادة في الحس من أفراد فرقة الجمهوريين التي هي أكثر إنسانية ولطفًا وتطورًا.

وردت هذه الآراء في كتابين هما «الإسلام» و«الإسلام برسالته الأولى لا يصلح لإنسانية القرن العشرين».

وهذا قول شنيع يرفضه العقل السليم وتنفر من سماعه الفطر السليمة، وهو قول سبق محمودًا إليه غلاة الشيعة والباطنية، ومنهم في العصر الحديث القاديانيون الذين زعموا أن الغلام القادياني أفضل من كثير من الأنبياء فضلًا عن الصحابة وأولياء الأمة ويرون أنهم رجال البعثة الثانية. 

وفريق من البابية يزعمون أن من قوانين الحكمة الإلهية أن يكون الظهور اللاحق أعظم وأعم من سابقه فعلى هذا الأساس يكون حضرة الباب أعظم مقامًا وآثارًا من جميع الأنبياء الذين خلوا. 

وهذا ما يذهب إليه الفكر الهيجيلى والماركسي وبنى محمود جزءًا من عقيدته هذه على ما قرأ لابن عربي في «خصوص الحكم».

وحدة الوجود عند الجمهوريين

مذهب وحدة الوجود هو المحور الرئيسي الذي صاغ محمود محمد طه مذهبه حوله، وهو يعتبر وحدة الوجود أصلًا من أصول الدين.

وهناك نصوص كثيرة تنبث في كتبه تؤكد التزامه بهذا المذهب «انظر تعقيبه على محمد محمد علي في كتابه رسائل ومقالات»، وقوله إن العالم المادي إنما هو بمثابة الظلال للعالم الروحي، فالاختلاف على ذلك بين عالم المادة وعالم الروح هو اختلاف مقدار، وليس اختلاف نوع، وهذا يفتح الباب على الوحدة، وحدة جميع العوالم. 

وقال محمود إن مقتضى التوحيد هو أنه ليس في الوجود إلا الله أما المخلوقات فهي من مظاهر قدرته.

ولا يحتاج تبيان خطل هذا المعتقد إلى وقفة طويلة فقد تصدى العلماء الثقات من قبل على معتنقي هذا الفكر، ومن الراجح أن وحدة الوجود عند الجمهوريين هي خليط من مذاهب شتى عند بعض السابقين.

● مذهب وحدة الوجود هو المحور الرئيسي الذي صاغ محمود محمد طه مذهبه حوله. ووحدة الوجود عنده أصل من أصول الدين.

التقليد والأصالة

الإنسان الواصل في رأي محمود يمر في طورين، طور التقليد وطور الأصالة.

والناس في طور التقليد يحافظون على العبادة ويجودونها طمعًا في الوصول إلى الطور الذي يليه والذي يصبح فيه الإنسان «وارثًا محمديًا ذاتي المقام»، ومن ثم يصبح من الواصلين، وبلوغ هذا الطور هو بلوغ الإنسان سدرة منتهاه حيث يأخذ شريعته من الله كفاحًا، ويترك الشريعة التي أوصلته لأنها وسيلة وليست غاية.

وفي طور الأصالة تسقط عن الإنسان جميع التكاليف الشرعية. وقد اضطر محمود أخيرًا إلى تعديل هذا الطور.

و دعاوى محمود المتصلة بهذا المذهب أشد تطرفًا من اعتقاد ابن عربي وابن سبعين، إذ أن آراءه سبقت بطريقة يصعب على أصحابه الاعتذار عنها. 

وحين قوبل بأن دعاويه هذه غريبة أذعن بغرابتها موهمًا بأنها فيوضات لدنية وأنها صحيحة لا يقدر على استيعابها إلا من أوتي حظًا من العلم والفهم. وعمدة مذهبهم في المعرفة وتحصيل العلم الإلهي تحديث «من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم» مع أن هذا الحديث موضوع أورده الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة تحت رقم (٤٢٢).

تعطيل الشعائر

لمحمود رأي خاص في كل ركن من أركان الإسلام ابتداء من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.

فالشهادة عنده بداية السير إلى الله وهي الباب الذي يلج منه الإنسان إلى الحضرة. ولا يحتاج إلى أن يقولها أكثر من مرة واحدة، بل إن قولها أكثر من مرة يدل على أن قائلها خرج من الحضرة أكثر من مرة ثم عاد ودخل فيها.. وفي هذه المسألة كلام كثير وفلسفة ماكرة وقع الجمهوريون بها في الإخلال هي الصلاة الشرعية التي يسمونها الصلاة ذات الحركات وهي بزعمهم وسيلة أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم باتباعها لنرفع حجاب الغفلة المانع للاطلاع على حقائق الأمور المركوزة وراء الظواهر.

أما صلاة الأصالة فهي صلاة من يصل إلى المقام المشهود، وهي صلاة تسامت إلى القمة وأغنت عن الكدح، وفي هذا المقام لا يكلف الإنسان نفسه مشقة الركوع والسجود فهو قد ارتفع عن الصلاة.

وعن الزكاة قال الجمهوريون إن العمل بالزكاة ذات المقادير قد انتهى وقته، وجاء وقت إنفاق ما زاد عن الحاجة من غير ادخار ولا كنز.

وقال محمود محمد طه في كتابه الرسالة الثانية ما نصه «ولقد عاش المعصوم الشيوعية في قمتها حين كانت شريعته في مستوى آية الزكاة الكبرى» ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219). ولقد فسر العفو بما يزيد على الحاجة وبحديثه عن الأشعريين بعضهم في مستوى الشيوعية وذلك حين قال: «كان الأشعريون إذا أملقوا أو كانوا على سفر فرشوا ثوبًا فوضعوا عليه ما عندهم من زاد فاقتسموه بالسوية أولئك قوم أنا منهم وهم مني، وهذا فهم الأمة المسلمة التي لما تجيء» 

هذا هو رأيهم في الزكاة التي قرنت بالصلاة في اثنين وثمانين موضعًا من القرآن الكريم. وهي ركن من الأركان الخمسة التعبدية وقولهم بأن الزكاة ذات المقادير ليست أصلًا من الدين قول واضح البطلان.

وما حارب أبو بكر الصديق رضي الله عنه المرتدين إلا لأنهم رفضوا الزكاة ذات المقادير «وتفصيل هذه المسألة في كتاب ابن رجب الحنبلي: كلمة الإخلاص، ص 18».

ذلك قولهم في الزكاة فماذا قالوا عن الصيام؟ قالوا إن علة الصيام اليوم قد انتفت، وقد شرع الصوم في رأيهم ليساير تجاه العُرف الأول الذي تواضع عليه المجتمع، العُرف الذي جاء لينظم الملكية الفردية والعلاقات الجنسية.

وقالوا في كتاب لهم عنوانه «الصوم بين الكبت وفض الكبت» إن هذا الكبت كان ضروريًا في مرحلة من مراحل البشرية أما وقد تطور الإنسان فلا داعي للكبت مصدر الخوف والقلق والانفصام.

وتحدثوا عن صيام المواصلة وذكروا أنهم يتبعون سُنة الرسول في خاصة نفسه ثم ذكروا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد فداهم الفدية وصام عنهم.

وقد أخطأ الجمهوريون حيث قرنوا بين الصوم والكبت فالإمساك عن شهوات الفرج والبطن يدرب الإنسان على قيادة النفس وضبط زمامها، وهدف هؤلاء هو تعطيل هذا الركن الشرعي غير أنهم لم يصرحوا بإسقاطه وإن كانوا قد لمحوا بذلك في ثنايا كتبهم.

ولم يستطع محمود أن يصرح برأيه في الحج، ولكنه يشير إلى ذلك لأنه لا يريد أن يعرف المسلمون عقيدته في هذه المسألة. 

والمعروف عن محمود وأتباعه أنهم لم يؤدوا فريضة الحج، وقد قال البعض عنهم إن محمودا يطوف حول قلبه، وإن أتباعه يطوفون حوله ولكن المسألة الأخيرة غير ثابتة عنهم. 

وإن كان الجمهوريون يؤمنون بمذهب شيخهم القائل بأن الإنسان الكامل هو الله اعتمادا على القول «القلب بيت الرب» أو أن شيخه يطوف حول قلبه بدعوى الأصالة فهذا الأمر ليس فيه أصالة أبدًا فقد سبقه الحلاج إلى هذا الكفر وقتله الحسين بن منصور في عام 309هـ.

والجهاد أصل في الإسلام، وليس أمرًا مرحليًا اقتضته ظروف الدعوة الأولى كما يقول محمود محمد طه الذي حاول أن يثبت أن عهده هو عهد النور المفاض وأن عهد الصحابة رضوان الله عليهم هو عهد الدم المسفوح الذي تسبب في دخول عدد من المنافقين إلى ساحة الإسلام.

إن الإسلام في رسالته الأولى -كما ذكروا- إنما قام على الجهاد، وبذلك نسخت كل آيات الإسماح التي كان عليها العمل في مكة، وهذا النسخ ليس سرمديًا وتقتضي المرحلة أن يرجع الناس إلى آيات الإسماح ذلك لأن العالم يحتاج إلى الرسالة الثانية لتحقيق السلام.

انطلاقا من هذا الادعاء نادى الجمهوريون بالاعتراف بإسرائيل والاتجاه إلى مفاوضات مباشرة بلا وسطاء ولا أوصياء، وكان صوتهم هو أول صوت في العالم العربي ينادي بهذه الدعوة.

ومكتوب على هذا الكوكب -كما زعم محمود- أن يتوحد فكريًا وأن تسوده حكومة عالمية واحدة. 

ولنا أن نتأمل في هذا الزعم، وقد تشابهت في هذا قلوب أناس شاقوا الله ورسوله واتبعوا غير سبيل المؤمنين.

إن محمودًا لم يكن أول من قال بمرحلية الجهاد، فهذه الدعوة امتداد فكري لتيار ظهر في شبه الجزيرة في القرن التاسع عشر الميلادي ليمالئ الاستعمار ويخدم أغراضه.

وقد خدم القاديانيون المبشرون بزمان التسامح والإنسانية، جنود الاحتلال الإنجليزي و يا ترى من هذا الذي أراد أن يخدمه محمود بدعوته؟

وبعد

كان هذا عرضًا موجزًا لأبرز آراء محمود محمد طه، ولم نتعرض لآرائه حول المرأة ولا في نظرته إلى الشريعة ولا إلى فلسفة القرآن المكي والمدني.

وما سبقت من البيانات تكفي للحكم على الرجل.. فلم يكن غريبًا إذن أن نسمع بخبر مرتد يقتلونه، فمن قبل ادعى الحلاج أن روح الله حلت فيه ولقي جزاءه العاجل في الدنيا بالقتل مرتدًا.

ومن القصص الشواهد قصة الجعد بن درهم الذي قتله أحد ولاة المسلمين يوم عيد الأضحى بعد أن قال عبارته المشهورة «ضحوا ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم». وكان سبب قتله ادعاؤه بأن الله تعالى لم يكلم موسى تكليمًا فرد نصًا صريحًا محكمًا.

الردة، هذه اللفظة المشحونة بالتاريخ لا ينبغي أن تنطمس دلالاتها في نفوسنا من جراء الصراع الإعلامي أو الثقافي، فهي فتنة فكرية لا تخفى آثارها على المجتمع المسلم. 

وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (البقرة: 191).

مسيرة المسلمين في السودان ما زالت مستمرة في المطالب الإسلامية.

● الردة التي يعلنها بعض الناس فتنة متعددة الجوانب يجب استئصال آثارها من هذا المجتمع المسلم.

استفادت هذه الدراسة من رسالة دكتوراه أعدها الباحث شوقي بشير عبد المجيد وقدمها لجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وعنوان الرسالة «فرقة الجمهوريين بالسودان وموقف الإسلام منها».

مصادر أخرى

● الأستاذ زين العابدين الركابي: محاضرة في الإعلام الإسلامي.

● الدكتور عبد الله حسن زروق: بحث مخطوط حول «التصوف».

● صحيفة اليوم السعودية: العددان 4297 / 4298

● صحيفة الأيام السودانية.

الرابط المختصر :