; في المنتدى الفكري: الأدب الإسلامي والصحوة | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري: الأدب الإسلامي والصحوة

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988

مشاهدات 62

نشر في العدد 852

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-يناير-1988

ما هو تأثير الصحوة الإسلامية على الأدب في الساحة العربية؟ وما مدى هذا التأثير على الأديب الإسلامي بشكل خاص؟ وما هي الآثار التي شملتها الصحوة في فنون الأدب العربي الحديث؟ وكيف تفاعل الأدباء في عصرنا هذا مع مؤثرات الصحوة المباركة؟ وإلى أي مدى استطاع الأدب الإسلامي أن يساهم في حمل الصحوة ونقلها إلى الوجدان الإنساني؟ هذه أسئلة طرحها المجتمع في منتداها لهذا الأسبوع، حيث شارك فيه كل من:

1.     الدكتور محمد عادل الهاشمي الأديب الإسلامي المعروف.

2.     الدكتور عدنان علي رضا النحوي، أستاذ الأدب في جامعة الرياض.

هذا وقد طرحت المجتمع قضايا هذا المنتدى وفق الأسئلة الآتية:

•       هل للصحوة الإسلامية تأثير واضح في فنون وأدب العرب وآداب المسلمين؟ أين بلغ هذا التأثير؟

•       إلى أي مدى يتفاعل الأدباء في العالم العربي والإسلامي مع الصحوة المباركة؟

•       د. الهاشمي: لقد كان للصحوة الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي دور الباعث للمناشط الإنسانية الراقية لدى الأديب المسلم. لقد هب الأدباء الذين تربوا في حجر الفكر الإسلامي لمزاولة محاولات أدبية على هدي الإسلام منذ فجر الصحوة، مهتدين بالكتب الأدبية المرشدة في الموضوع. ولكن إن تأخرت آثار الصحوة الأدبية عن آثار الصحوة الفكرية فذلك من طبائع الأشياء؛ لأن إرساء قواعد الصحوة الأدبية يتأخر زمنًا عن الصحوة الفكرية، فللأديب طبيعته وخصوصيته تناوله بما يقتضي موهبة واستعدادًا. والأدب الإسلامي بخاصة يمتاز بآفاق عليا، لذا يقتضي فهمًا خاصًا وتذوقًا خاصًا من الجماهير المتلقية، كما يقتضي ثقافة خاصة ومستوى خاصًا من الأدباء الإسلاميين. وهذا ما يستهلك وقتًا أطول، وجهدًا أوفر في التأصيل والإبداع والتقويم ليتجلى نتاج الأدب الإسلامي في الوسط الأدبي ممثلًا للصحوة المباركة، ولعل الشعر والقصة والمقالة كانت أكثر اقترابًا وأسرع نضجًا في تمثل قواعد الأدب الإسلامي في تناول أدبائنا الإسلاميين، ولعلها شرعت تكسب ثقة جيل الصحوة الإسلامية وتغذي مشاعره.

•       د. النحوي: نعم، التأثير واضح على فنون الأدب، ولا عجب في ذلك فقد ظل الإسلام يترك تأثيره الواضح في عطاء المسلمين وخاصة الأدب، في لحظات الشدة والابتلاء كما هو في لحظات الصحوة أو القوة. وإنا لنجد هذا التأثير على الأدب ممتدًا في مراحل التاريخ الإسلامي، فنجد روائع الأدب المؤمن في تاريخ الأندلس والحروب الصليبية والخلافة العثمانية وغيرها، كما نجده في واقعنا المعاصر. وقد بلغ هذا التأثير اليوم مختلف الميادين في الحياة الإسلامية، ومختلف فنون الأدب، كما ظهر في مختلف ديار المسلمين، فبالإضافة إلى العالم العربي نجده في الهند، وباكستان، وتركيا وغيرها.

•       إلى أي مدى يتفاعل الأدباء في العالم العربي والإسلامي مع الصحوة المباركة؟

•       د. الهاشمي: إني لألمح - بفضل الله - ومع تباشير الصحوة المباركة أن جمهرة من الأدباء اعتدل سيرها، واتجهت إلى طريق الأصالة، فحيوية الإسلام ذات طاقات عجيبة في الجذب والتأثير، ولعل أدباءنا في العالم العربي والإسلامي سيزدادون قربًا من الصحوة المباركة حيث يعرض لهم الأدب الإسلامي المعاصر تجارب أدبية إسلامية شامخة مبدعة، تصرفهم عن طريق الشرق والغرب.

•       د. النحوي: إن تفاعل الأدباء يمتد بقدر تفاعل الأديب المؤمن مع عقيدته وواقعه، إيمانًا وعلمًا ووعيًا. ولا شك أن عددًا غير قليل من الأدباء قدم إنتاجًا يبرز بعض سمات اليقظة والوعي، مما يبشر بخير مرتقب إن شاء الله، ولكننا نحتاج في واقعنا اليوم إلى تفاعل أعمق، وأشد وعيًا، وأكثر بذلًا وعطاء، ولا بد من أن يظل عطاء المؤمن وتفاعله ناميًا.

•       الصحوة الإسلامية أبرزت عمالقة في الفكر السياسي والاجتماعي والتربوي، فهل تعتقدون أن بين الأدباء الإسلاميين من وصل إلى هذا المستوى الرفيع؟ وكيف؟

•       د. الهاشمي: إن الصحوة الإسلامية قد أخرجت على المستوى الأدبي عمالقة في الأدب الإسلامي أيضًا، ففي زمن مبكر قليلًا شدا محمد إقبال شعرًا يرتقي إلى مستوى العالمية، يجلو فيه حيوية الإسلام في عوالمه السابقة ودوره في الوجود، مبتعثًا في المسلمين روحًا جديدة، وهو مبدع فكرة وطن الهند الإسلامي (باكستان). وفي العالم العربي قدم الرائد الشهيد سيد قطب فيما كتب وأخص "في ظلال القرآن" مبادئ صحوة إسلامية مباركة في معارض أدبية ملهمة رقراقة، وقدم الأستاذ الكبير محمد قطب في كتابه "منهج الفن الإسلامي" مبادئ مرشدة للأدب الإسلامي هي موضع الاستمداد والإفادة من أدباء الإسلام المعاصرين، ولا تزال الصحوة الإسلامية تبشر بالمزيد.

•       د. النحوي: أعتقد أن بين الأدباء المسلمين رجالًا بلغوا المستوى الرفيع، وقد يختلف الناس في تقدير ذلك، ومثل هذا المستوى الرفيع يقوم على الأسس التالية: أولًا: نقاء الإنتاج من هبوط في الموقف والتصور الإيماني. ثانيًا: صدوره من ميدان البذل والجهاد لا أرائك الراحة والاسترخاء. ثالثًا: وفاؤه للمستوى الفني الجيد ولعناصر الجمال الفني. ونضيف إلى ذلك أن من الأدباء من أضاف إلى هذا الإنتاج الأدبي إنتاجًا فكريًا في الدعوة الإسلامية، فأضاف عنصرًا كريمًا من عناصر المستوى الرفيع، وبذلك يظل الإنتاج يعيش مع قضايا الأمة وهمومها وامتداد عقيدتها، ويمضي في علوه إلى المستوى الرفيع الذي نطمع فيه.

•       ما هي الميادين التي خدم بها الأدب الإسلامي صحوة الأمة في هذا الزمن؟

•       د. الهاشمي: إن الأدب الإسلامي ليمثل المرتقى الوجداني للصحوة المباركة المعاصرة، يستمدها ويعطيها، يستمدها تصورًا وآفاقًا وميادين، ويعطيها كل ما يملك من طاقات التعبير والتأثير، فمن ميادين عطائه:

1.     خط الأدب الإسلامي للشباب طريق الوجدان المؤمن في مضامين جميلة ملهمة تبعث في القلوب مبادئ الإسلام وقيمه، وتحدو طريقهم على منهج الإسلام في سائر مناشط الحياة.

2.     أيقظ في نفوس أبناء الأمة الاعتزاز بشخصية المسلم الحضارية، وذلك باعتداد بالأصالة دون تقليد أو تبعية لشرق أو غرب.

3.     ارتقى بالكلمة المتأدبة المؤمنة لتكون صنو التصور الإسلامي رفعة وقيمة، وأحل في نفوس أبناء الصحوة ملكة ذوقية أصيلة، يميزون بها بين الأصيل والدخيل، ويعتصمون بحبل الله والسير على منهجه في ارتقاء وجداني رفيع، يجنب الشباب مزالق التغريب الأوروبي ومباذله. لقد وجد جيل الصحوة في الأدب الإسلامي ذاته وتصوره، وتطلعاته، وقيمه، وخط سيره.

•       د. النحوي: لقد طرق الأدب الإسلامي في عصرنا الحالي معظم ميادين الأمة المسلمة فقد طرق قضاياها السياسية مثل قضية فلسطين وتاريخها الطويل وأحداثها الجسام، وقضية لبنان، وقضية أفغانستان التي بعثت الملاحم وحركت القرائح وأطلقت المواهب، وغيرها من قضايا العالم الإسلامي. كما طرق الأدب ميادين الحياة الاجتماعية كالمرأة وغيرها، وعالج قضايا الإنسان وحاجاته وحقوقه، وطرق كذلك بعض جوانب الحياة الاقتصادية، ودرس وحلل في الفكر والنهج، وتأمل وتدبر في أجواء العقيدة والإيمان، وآيات الله في الكون. ولا بد من أن أشير هنا إلى أن الأدب الإسلامي سلاح من أسلحة الدعوة الإسلامية، هكذا ابتدأ وانطلق مع الرسالة وهكذا سيمضي مع الزمن. فإذا تخلى عن هذا الدور فقدت الدعوة سلاحًا من أسلحتها، وفقد الأدب إشراقته ونوره.

•       إلى أي مدى يمكن للأدباء المسلمين في هذا الزمن الانطلاق من نظرية خاصة بالأدب الإسلامي؟

•       د. الهاشمي: إن جل نتاج الأدباء الإسلاميين المعاصر صادر عن استعداداتهم الذاتية، ومواهبهم التي اكتسبت في جو الصحوة المباركة الروح الإسلامية ووجهات النظر الإسلامية في قضايا الحياة والوجود، ولم يحرزوا صفة الانتماء إلى الأدب الإسلامي إلا من خلال تمثلهم للروح الإسلامية والتصور الإسلامي، وتلك خطوة نحو الانطلاق من نظرية خاصة بالأدب الإسلامي.

•       د. النحوي: يستطيع الأدباء المسلمون أن ينطلقوا من نظرية خاصة للأدب الإسلامي بل يجب أن يفعلوا ذلك. فالأدب الإسلامي يقوم على قاعدتين أساسيتين: العقيدة الإسلامية - قرآنًا وسنة - في النهج والفكر والميادين، والقواعد الفنية التي ترفع الإنتاج إلى مستوى أدبي مقبول. والقواعد الفنية ذاتها يرسمها المنهاج الرباني واللغة، وتنميها الموهبة التي يضعها الله في من يشاء من خلقه. ولما كان الإسلام عقيدة متميزة فلا بد من أن يكون للأدب الإسلامي نظريته المتميزة في النهج والأسلوب والنقد وفي قطاع غير قليل من القواعد الفنية وأسس الجمال الفني.

•       هل لديكم ملاحظات أو توصيات من أجل ترشيد مسيرة الأدب الإسلامي؟

•       د. الهاشمي: إني لأرى أن الأدب الإسلامي في خصائصه وعوالمه هو الذي يرشد الأدباء الإسلاميين ويرودهم إلى طريق النتاج الأصيل، ولكن مسيرة الأدباء الإسلاميين هي التي تحتاج إلى ترشيد ليفيدوا من رفيع آفاق الأدب الإسلامي، ويقطفوا من ثماره وجناه، وذلك حين يهضمون طبيعته، ويسبرون طرق تناوله، ولا يتعجلون النتاج بغية الشهرة، وإنما يجودون نتاجهم في الأدب الإسلامي، وينوعون في تناولهم الفني، ويبدعون وفاءً لرسالته وارتقاءً إلى عوالمه وآفاقه. وأتمنى على الذين لم يستوعبوا بعد آفاق الأدب الإسلامي فأطلقوا فيه الأحكام - دون علم - وأدخلوا فيه كل ما ذكر عليه اسم الإسلام أو لم يرق إلى المستوى الفني أن يكفوا عن عمليتهم غير الاختصاصية، ولعلهم لا يعلمون أن الاستكثار من النتاج الذي لا يرقى إلى مستوى آفاق الأدب الإسلامي يؤدي إلى تعويق مسيرة الأدب الإسلامي، وتكون النتيجة أن يعد البعض الأدب الإسلامي المعاصر منخفضًا في مستواه الفني، ساذج التصور، وليس الأمر كذلك، وإنما هناك من أدخل في الأدب الإسلامي ما ليس منه. إن الأدب الإسلامي بآفاقه الرفيعة وعوالمه المتميزة يقدر له أن يحتل مكانة مرموقة في الأدب العالمي، لذا يجدر بالمخلصين له ألا ينسبوا إليه إلا ما علا وارتقى من النتاج الأدبي الذي تتحقق فيه مواصفات الأدب الإسلامي، ولا بأس أن يسألوا أهل الاختصاص في تقويم الآثار الأدبية ونسبتها الصحيحة إلى الأدب الإسلامي. والله الموفق.

•       د. النحوي: نعم! هنالك بعض الملاحظات والتوصيات التي أشعر بأهميتها وأحاول الإيجاز مع خطورة الموضوع ومع أن الحديث ذو شجون. أولًا: أوصي الأدباء المسلمين بضرورة مصاحبة كتاب الله وسنة نبيه مصاحبة عمر وحياة، إيمانًا وعلمًا وعملًا، مصاحبة لا تقهر ولا تضعف. ثانيًا: أوصي الدعاة ورجال الإعلام أن يوفروا للأديب المسلم حقه من الرعاية والحدب والحنان حتى تنمو المواهب المؤمنة قبل أن تدفن مع أصحابها، وحتى تستطيع أداء دورها، وحتى تعود ثمارها بالخير على الأمة. ثالثًا: أنصح - كما أمر الله ورسوله - للقادة ورجال المسؤولية أن يرعوا الكلمة المؤمنة ويوفروا لها الهواء والماء والغذاء، حتى تنطلق كلمة مؤمنة مباركة طيبة: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا...﴾ (سورة إبراهيم:24-25)

المجتمع: جزاكم الله خيرًا... ونحيطكم علمًا بأننا سوف نتابع هذا الموضوع لأهميته في أعداد قادمة قريبة إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد