العنوان في المنهج واختلاف الرأي
الكاتب ماجد عبدالعزيز التركي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
مشاهدات 57
نشر في العدد 1023
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 03-نوفمبر-1992
كثيرًا ما نسمع عن كلمة «المنهج».. وكثيرًا ما نتحدث بهذا المصطلح وخاصة
عندما نوجه نقدًا إلى رأي معلن يعبر عن موقف.. وكثيرًا ما يأتي الخطأ عندما نكرر
بأن فلانًا أخطأ لأنه بلا منهج! فهل كل منهج حتمًا يقودنا إلى الصواب أو على أقل
تقدير للسعي إلى الصواب؟! هذا خطأ مرتبط بآخر وهو ناشئ عن سوء الفهم للمنهج وطبيعته..
نحن للأسف نسمع ونقرأ عن أشياء كثيرة سواء مصطلحات أو مفاهيم.. ولكن هذه المعرفة
إنما هي فقط معرفة نظرية غير مدروسة وعمليًّا للتحقق من أمور، أهمها:
الاستيعاب لذات المصطلح.. والاستيعاب لقدرة التعامل معه وتطبيقه على السلوك..
ومدى مناسبته للظرف الزماني والمكاني الذي سيستخدم فيه.
في تصوري أن لمصطلح «المنهج» مفهومًا آخر غير المشاع والمرتبط بمعناه اللغوي
«الطريق أو الطريقة» وهذا المفهوم قد يزداد عند أناس ويقصر عند آخرين، لكنه لن
يخرج عن هذا الإطار.. أما المفهوم أو المعنى الآخر الذي أشير إليه هنا يمثل الطرف
الآخر -في تصوري- لمعنى مصطلح «المنهج»، وطبعًا ليس طرفًا نقيضًا، وإنما مكمل
للسابق، وهذا المفهوم يعني جملة من مفاهيم محددة ناضجة ومتخمرة نتيجة لقناعات
نابعة من قراءات أو حوارات بحيث تنعكس هذه المفاهيم على الطبيعة السلوكية للفرد
وتكون جزءًا من شخصيته، وتؤدي للثبات في الرأي عن كل ما يصدر عن الفرد.. وبقدر
سعته العلمية وطول خبرته العملية بقدر ما تتكشف هذه المفاهيم زيادة كمية وكيفية..
وتصبح طرقًا ومناهج في سلوكه وتعامله وآرائه.. وكل منها يعمل في مجاله المرتبط به،
سواء كان ثقافيًّا أو اجتماعيًّا أو غير ذلك.
مفهوم "تلازم التضاد"
ومن المفاهيم المرتبطة بهذا المصطلح وشائعة بصورة عملية أكثر منها ذهنية
مفهوم «تلازم التضاد» أو بمعنى أن نفي أحد النقيضين إثبات للآخر.
فمثلًا عند نفي «الحب» يتبادر النقيض إلى الذهن مباشرة وهو «الكره أو البغض»
وهذا المفهوم من الإشكالات الشائعة في الساحة الثقافية والاجتماعية في عالمنا
العربي وللأسف.. ويجب أن ندرك أن «عدم الحب» شيء، وأن «الكره والبغض» شيء آخر
مطلقًا، وكذا «عدم الاتفاق في الرأي» و«الاختلاف فيه» فيحسن أن ندرك أن هذه
المصطلحات ليست وحدات فقط وغير قابلة للتجزئة في الفهم والتعامل.. فمثلًا تكون
«وحدة مستقلة» عندما يقول أحدنا: «لا أحب فلانًا من الناس» يرى أنه لا يحبه مطلقًا
«شخصًا وسلوكًا وفكرًا» وهذا المفهوم يخضع للظرف الذي شاع فيه.. وتكون أجزاء عندما
نخصص ونقول وشخص ما يتحدث: «أنا لا أحب حديث فلان» بمعنى أن هناك أشياء أخرى قد
أحبها فيه كـ«خلقه ومعاملته»، وكذا بقية المصطلحات والمفاهيم.
|
* إن من جميل السلوك وحلاوة الطبع في
التعامل مع الآخرين أن نخصص الحكم ونخرج به من الإطار العام إلى الحد الخاص به |
لذا فإن من جميل السلوك وحلاوة الطبع في التعامل مع الآخرين والحكم على ما
يصدر عنهم أن نخصص الحكم ونخرج به من الإطار العام إلى الحد الخاص به.. وإذا كان
من فوائد هذا المنهج إنصاف الآخرين، فإن أقل ما فيه أنك تبقي لك بابًا آخر مفتوحًا
تخرج منه برأيك الآخر عند تبدله نتيجة لقناعتك مستقبلًا، أو لتغير رأي أو موقف
الشخص ذاته.
لهذه القضية (تلازم التضاد) واقع تعامليّ سيئ في مجتمعنا، فهذا التلازم
كثيرًا ما أحدث الشقة والخلاف بين المثقفين والأدباء، ولم تنج منه العامة أيضًا..
فأنا لا أحب شخصًا بعينه، فهل يعني حتمًا أنني أبغضه؟! وقد لا أتفق مع شخص ما في
رأيه أو موقفه، فهل يعني ضرورة أنني أختلف معه طول الطريق؟! أحد الاحتمالين لا شك
وارد، والأصل عدم تحقق النقيض عند إطلاق الأول.. ومن أجل أن يكون مراد الحكم
بالنفي تحقق النقيض لابد له من توافر مبررات إضافية تتبع هذا الحكم.. وكذا عندما
أقول: «أنا لا أكره فلانًا» فليس من المؤكد أنني أحبه خاصة عندما أقف دون تعقيب
بنفي أو تأكيد النفي: «أنا لا أحب فلانًا بالعكس». ويطّرد هذا المعنى على قضايا
اختلاف الرأي واتفاقه.. ولو استطاع مثقفونا- بالذات- التعامل بهذه الروح، فإننا لم
نصل إلى الالتقاء التام في الرأي فحتمًا سوف نصل إلى تحديد نقاط الخلاف وحصرها،
وهذا الحصر أولى الخطوات في طريق حل خلافاتنا ومواجهتها.. قد لا نعتب على العامة
إذا طال بهم طريق الخلاف الاجتماعي، ولكن نأسف للمثقفين إذا عجزوا عن الوصول إلى
محطات الالتقاء واحتواء اختلاف الرأي؛ لأن على المثقف أن يدرك خطوات الطريق الذي
يسلكه ويدرك أيضًا كافة متعلقاته، كما أن عليه أن يعمل باستمرار في تطوير فكره
وثقافته وسلوكه الثقافي على وجه التحديد.. هذا القول بهذا العموم يسير في مجتمع
ثقافي يحكمه إطار عقدي موحد.. أما الخارجون عن هذا الإطار فلهم سلوك آخر في الحوار
معهم له ضوابطه المنهجية الشرعية.
اختلاف التنوع
وخلاصة القول إننا إذا استطعنا سلوك هذا المنهج في الحوار ومناقشة اختلاف الرأي نستطيع أن نحتوي خلافنا، وكذلك نستطيع إخراج كل نتوء ثقافي يأبى إلا الرفض
والهوى والتعصب والتضليل، وبه نحصد ثمرة تلاقح الفكر وتكامل الثقافة بين كافة
الأطراف.. وبهذا أيضًا يمكن أن نحدث صيغة جديدة لمحاور اختلاف الآراء، وهو اختلاف
التنوع الذي يقف نقيضًا لاختلاف التضاد.. وهذا لا شك أنه من أهم روافد ومناهج بناء
الفكر الثقافي للمجتمع.. ولو كانت ثقافتنا على وتيرة واحدة لعجزت عن مواجهة
الثقافات الأخرى المتنوعة.. ويجب أن ندرك أيضًا أن هذا التنوع لا يمكن أن ينضبط
ويحقق الهدف الأسمى في جو من الهوى والفوضى الفكرية.. فهو يحتاج إلى عناية فائقة
يوفرها جو من الطرح الهادف والحوار الرصين.. وأن يكون ضمن دائرة ثقافية متمكنة
تسعى للحق وتبحث عن الصواب والحكمة بعيدًا عن مسالك التهويل والتهريج ومحاولات
التجديد العشوائي غير المنضبط والواعي..
وأولى درجات هذا الوعي الإدراك التام للقاعدة الفكرية التي ينطلق منها
المثقف وحدود هذه القاعدة والمجالات التي يمكن أن يتحرك فيها.. بهذا يستطيع المثقف
أن يسلم من خدوش احتكاكه بالثقافات الأخرى.. بل يقوده وعيه هذا لأن يصل إلى مستوى
رفيع من فهم تلك الثقافات وتقويمها مما لم يصل إليه أهلها أنفسهم، ونذكر هنا ما
كان من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما كان يحاور زعماء المذاهب والفرق
ومؤسسيها، حتى قال أحدهم: كنا نستفيد منه وهو يحاورنا عندما يقول: لو قلتم كذا،
لقلنا كذا وكذا، معاني لم ندركها من قبل عن آرائنا ومذاهبنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل