العنوان المجتمع الثقافي (العدد 1409)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-يوليو-2000
مشاهدات 68
نشر في العدد 1409
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 18-يوليو-2000
في اليمن أيضًا مواجهة ساخنة بسبب رواية مسيئة للذات الإلهية
قبل أن تهدأ الضجة التي أحدثتها أزمة رواية «وليمة لأعشاب البحر» سيئة السمعة، كان اليمن على موعد مع ضجة مماثلة -وإن كانت أقل حدة- تسبب فيها قيام صحيفة أدبية رسمية بإعادة نشر رواية يمنية تضمنت الحلقة الأخيرة منها نصًا يصف بطل الرواية فيه ذات الله تعالى بأوصاف لا تليق بقدسيته ولا بصفاته الحسنى.
ولعله من المستحسن في البداية أن نشير إلى أن ظاهرة الإساءة للمقدسات الإسلامية تحت مبرر حرية التعبير والفكر تعود بجذورها إلى عقود طويلة برزت فيها أسماء من الأدباء والمفكرين استخدموا الرموز والمقدسات الإسلامية بصورة مزرية تشكل إهانة بالغة للمؤمنين بها، كما خاض بعض المفكرين في قضايا فكرية مست قدسية المولى الخالق أو رسوله أو القرآن والإسلام.
وفي تلك الحالات كان هناك من يتصدى للإساءات ومحاولات استفزاز المشاعر المسلمة، ولعل المعركة التي أثارتها قضية «الشعر الجاهلي» في العشرينيات هي الأبرز والأكثر حضورًا في الذاكرة، وحينها تصدى عدد من المفكرين والعلماء لطه حسين الذي خاض بمنطق متهافت في قدسية القرآن عن طريق التشكيك بقصة إبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- وبنائهما للكعبة، ووصف ذلك بأنه أسطورة ظهرت قبيل الإسلام واستغلتها قريش للسيطرة على العرب، كما استغلها الإسلام بسبب ديني أيضًا.
ومنذ ظهور كتاب «طه حسين» ثم كتاب «الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق، وهذه الظاهرة تبرز بين الحين والآخر، مرة في رواية وثانية في قصيدة، وأخرى في كتاب يتظاهر بالعلمية والدراسة الجادة (!)، مثل «نقد الفكر الديني» لصادق جلال العظم.
اليمن.. رغم الانطباع الشائع عن محافظة مجتمعه وتقليديته، لم يستثن هو -أيضًا- من هذه الظاهرة، وخاصة في فترة المد اليساري أثناء السبعينيات التي شهدت ظهور عدد من الأعمال الأدبية تحت منحى حداثي يستهدف المقدسات والرموز الإسلامية على الطريقة المتبعة في الآداب الغربية.. والتي قلَّدها بعض المدارس الأدبية المنحرفة في العالم العربي.
في اليمن وليمة أيضًا
ومثلما حدث مع وليمة «حيدر حيدر» في القاهرة، فإن الرواية التي كانت محل الخلاف في اليمن هي من الروايات القديمة نسبيًّا، ومؤلفها ماركسي يمني لقي حتفه في حادثة انفجار طائرة الدبلوماسيين الشهيرة في الجنوب اليمني عام ۱۹۷۲م والتي تتوجه أصابع الاتهام فيها إلى التيار المتطرف في النظام الماركسي الذي كان يحكم عدن آنذاك، إذ كان ضحايا الطائرة مجموعة من الدبلوماسيين الذين يشاع أنهم كانوا متحفظين على الإجراءات الثورية المتطرفة في عدن.
رواية «صنعاء.. مدينة مفتوحة» تتحدث عن فترة نهاية الأربعينيات في فترة الثورة ضد الإمام السابق «يحيى» ثم سقوط الثورة واستباحة صنعاء أمام القبائل المهاجمة، وفي الرواية ترد عبارات على لسان أحد أبطالها في أعقاب وصول نبأ وفاة زوجته الشابة.. تتحدث عن الله -تعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا- بأنه «ظالم» وعديم الحكمة في قضائه على الناس بالموت وهم شباب لم يشبعوا من الدنيا بعد!
وكما حدث في مصر، فإن أحدًا لم ينتبه لما في الرواية من تحريف، إلا بعد نشرها في صحيفة رسمية تعودت خلال السنتين الأخيرتين على تقليد مجلات وصحف عربية في نشر مقالات غير لائقة عن الجنس والشذوذ والتراث والتيارات الإسلامية، مما لفت إليها الأنظار في الوسط الشعبي، وبالضرورة فقد كان ذلك يثير ردود أفعال لدى الإسلاميين، لكنه اقتصر على الردود المكتوبة أو التجاهل التام، لكن ما ينشر في الصحيفة كان لافتًا للنظر حتى جاءت حادثة نشر الرواية المذكورة، وفيها ذلك «النص» الذي يقدح في ذات الله بصورة غير لائقة.. فلم يعد مقبولًا عندها أن يصل الأمر إلى مس الذات الإلهية بحجة الإبداع في بلد لدى صحافته الرسمية خطوط حمراء عديدة، بل إنها تمتد -أي هذه الممنوعات- إلى مسائل كثيرة في السياسة الدولية، ناهيكم عن العربية والمحلية.
ولمواجهة هذا التطاول ضد الذات الإلهية تحركت مجموعة من الإسلاميين نحو القضاء لرفع دعوى حسبة لدى نيابة الصحافة باعتبار ما حدث واقعة نشر مخالفة للقانون الذي يمنع الإساءة للعقيدة الإسلامية، وفي الإطار نفسه طلب عدد من الشخصيات الإسلامية من الرئيس علي عبد الله صالح التدخل والتحقيق في الأمر.. لكن الذي فجر الموقف إعلاميًّا قيام الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح -أكبر أحزاب المعارضة شعبية- بالاتصال هاتفيًّا برئيس تحرير الصحيفة لإبلاغه احتجاجًا على ما نشر.
أدى هذا الاتصال التليفوني إلى إخراج المشكلة إلى العلنية، فرئيس التحرير بدأ فور انتهاء المكالمة بالاتصال بالصحافة المحلية ومراسلي الصحف الخارجية، وتصوير مكالمة الاحتجاج بأنها عملية تهديد وتكفير تلقاها من أحد قيادات الإصلاح البارزة.
وكما هو متوقع، التقطت الصحافة المعادية لتيار الإصلاح الإسلامي الحادثة لبدء حملة صحفية ضد الظلاميين أعداء حرية الإبداع والتفكير. وفي المقابل شن خطباء المساجد في عدد من المحافظات حملة انتقادات ضد نشر الرواية، وطالبوا الحكومة -التي تشرف على الصحيفة- بالتحقيق في الأمر ومحاسبة المسؤولين عن النشر، وأدى ذلك -أيضًا- إلى ازدياد الحملة الصحفية بين الطرفين.
مضمون الحملة الصحفية بين الطرفين عكس موقفًا مبدئيًّا لهما من قضية استخدام «المقدس» في الأعمال الأدبية، فالإسلاميون بنوا موقفهم على أن الخلاف يتركز -أصلًا- حول نص محدد مس الذات الإلهية بما لا يليق بها، وهو أمر لا يجوز السكوت عنه بحجة حرية الإبداع والرأي، لأن المقدسات الإسلامية ينبغي ألا تكون محلًا للإساءة أو الاستهزاء تحت مبرر حرية الأدب والفن أو الإبداع أو حرية التعبير.. وعلى أساس ذلك فإن اللجوء للقضاء يعد أسلوبًا حضاريًّا طالما أن هذا النشر يخالف القوانين.
وفي الجانب الآخر، فإن حملة التأييد لحرية الإبداع شنت انتقادات عنيفة لما وصفته بأنه عودة لعهود محاكم التفتيش وتكفير المواطنين وقتل الإبداع، واتهمت المعارضين للرواية بأنهم أصحاب أغراض سياسية، وأن معارضتهم ليست لها حجة لأن الرواية منشورة منذ زمن طويل، كما اتهموا المنتقدين بأنهم يحاكمون نصًّا أدبيًّا بطريقة غير مقبولة، على اعتبار أن الأعمال الإبداعية لها مقاييس خاصة لا يفقهون فيها شيئًا.
وفي محاولة للملمة الأمور، سعت وزارة الإعلام إلى محاولة حل المشكلة، وخاصة أنها تتحمل مسؤولية الإشراف على الصحيفة ودعمت موقف رئيس تحريرها في الأزمة، فأشاعت الوزارة أن اتفاقًا تم على تقديم اعتذار في الصحيفة مقابل إغلاق ملف القضية وسحب الشكوى من النيابة وعدم إحالتها إلى القضاء، وعلى الرغم من أن الاعتذار قد تم نشره بالفعل، وكان اعتذارًا خجولًا غير صريح.. إلا أنه اتضح ألا صحة لذلك، كما بادرت النيابة العامة لإرسال نفي للصحف التي نشرت خبر التسوية بل وفي الأسبوع التالي بدأت محكمة ابتدائية النظر في القضية وقضت بحبس رئيس تحرير «الثقافية» على ذمة القضية.
وماذا بعد...
من المتوقع أن يكون إحالة القضية للقضاء سببًا في ازدياد الخلاف إعلاميًّا، ولكن الراجح أن إجراءات المحكمة سوف تسير لتأكيد مصداقية السلطة في حماية المقدسات الإسلامية، ومراعاة للخواطر الشعبية المستاءة.
ومهما يكن موقف القضاء فإن الأهم من ذلك أن تتفق الأطراف على ميثاق شرف ينص على المحافظة على قدسية الرموز الإسلامية التي يؤمن بها الجميع فلا تكون عرضة للإهانة ولا للإساءة ما دام أنه بمقدور الأديب أو الشاعر التعبير عما يريد دون المساس بمشاعر المسلمين واستفزازهم بعبارات وكلمات تعكس حالة شاذة أكثر مما تقدم أدبًا أو فنًا.
وعسى أن تكون وليمتا مصر واليمن فرصة لمراجعة صادقة تضع النقاط على الحروف وتحفظ لهذه الأمة عقيدتها وأخلاقها بعيدًا عن الإسفاف.
واحة الشعر
مِلَّتي الغراء.. لا تعتبي
شعر: أحمد ماهر
لا تعتبي يا أنت عرشك سامق *** فالعتب يضني والمعاتب عاشق
ما غاب حبك عن فؤادي لحظة *** لكن دربي غيبته طرائق
ضل المتيم في هواك فاقبلي *** واروي الظمئ فإن وردك رائق
يا ملتي الغراء نورك ساطع *** والهدي في القرآن حي ناطق
لما أتى المختار أشرق فجره *** وسمت بنصر الله فيك بيارق
فعبير دعوته يسابق خطوه *** والسيف ينطق إن تجبر فاسق
ربي بشرع الحق أفضل فتية *** ميثاقهم في الله حب صادق
أحكام دين الله عاشت بينهم *** ما كان فيهم قاتل أو سارق
عاشوه عصرًا ساده نور التقى *** فتفتقت بالعلم فيه حقائق
ولسان حالهم يقول لجيلنا *** أفلا يعود اليوم عصر سابق
كنا نقيم بكل أرض مسجدًا *** واليوم تُنصب للعباد مشانق
كنا إذا سمعت لأم صرخة *** ثار الأمير فتستثار فيالقُ
واليوم هذا الدين صار مكبلًا *** فأصاب صدر الحق سهم مارق
أو ما ترى في الأرض شر مذابح *** أو ليس بين الناس قلب خافق
طفل يُصلي، تشتويه قذائف *** وذووه قتلى والديار حرائق
ودموعه الحرى تمزق خده *** تبكي لهن مغارب ومشارق
والشيخ أدمعه تدفق سيلها *** تهمي وحزن في الجوانح ساحق
متهالك فوق الطريق وفوقه *** نذر الدمار صواعق ونواعق
والمسلمون على الأرائك صاغها *** متمرس ذهبا عليه نمارق
يأيها المقهور خاطب واحدًا *** فوق السماء جنوده تتلاحق
لا تنتظر مددًا فاهلك جهدهم *** ألفاظ شجب حيث قام سرادق
يتحدثون عن الحروب وهمهم *** بطن مليء أو لسان لاعق
يا من فهمتم جوهر الدين الذي *** من عرفه طيب الهداية عابق
أصفوا العقيدة واستعيدوا عزها *** هل للنجاة مراكب وزوارق؟!
فإذا تمادى الغي لن يبقى سوى *** مَنْ أمرنا بيديه: رب خالق
الإحباط.. خطأ شائع
يستعمل كثير من الكتاب والمؤلفين كلمة الإحباط عند التعبير عن حالة اليأس والقنوط التي تعتري الإنسان، وهو خطأ لا صلة له باللغة العربية الصحيحة الفصيحة ولا نسب.
ذلك لأن «الإحباط» مصدر الفعل «أحبط» بمعنى أبطل، وهو من باب الإفعال متعد، واللازم منه حيط: بمعنى بطل، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (سورة الحجرات: 2)، ويقول صاحب القاموس المحيط ... وحبط عمله. كسمع وضرب. حبطاً وحبوطاً بطل. فالإحباط بمعنى الإبطال فعل فاعل قاصد، فلا يجوز أن نطلقه على الحالة النفسية التي تعتري الإنسان نتيجة المؤثرات النفسية والمادية المبثوثة من حوله، وليس له يد في التأثر بها.
إبراهيم القادري