العنوان في بديهيات المقاومة
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2013
مشاهدات 89
نشر في العدد 2040
نشر في الصفحة 66
السبت 16-فبراير-2013
يضطر الإنسان أحياناً، وفي ضوء المعطيات المعكوسة للحديث عن البداهات.. فالولايات المتحدة نفسها ما كانت لتقوم لولا مقاومة جماهيرها للاستعمار البريطاني.. ودول أمريكا اللاتينية كافة ما كانت لتتشكل لولا مقاومة شعوبها للاستعمار الإسباني - البرتغالي.. بل إن فيتنام ما كانت لتتحرر لولا مقاومتها للاستعمار الأمريكي وإرغامه على التسليم بمطالبها.
إن المقاومة الشعبية حق مشروع في كل زمن ومكان، وهي من الأمور المتفق عليها بداهة.. وحيثما كان هنالك احتلال لبلد ما، كان هنالك في المقابل جهد موصول لمقاومة هذا الاحتلال وإخراجه من الأرض.. وهذه مسألة محسومة على المستويين الديني والمدني على السواء، وقد أصبحت عرفا دوليا، أو بداهة من بداهات السياسة.
والآن ومن خلال المعطيات الأكثر حداثة، عبر العقود الأخيرة وبخاصة النظام الدولي الجديد، ومقاومة الإرهاب والعولمة، والتنظيرات المساندة من مثل نهاية التاريخ لـ «فوكوياما»، و «صراع الحضارات» لـــــ «هنتنكتن» يراد للقاموس المتفق عليه عالميا أن يلغى، وأن يحل محله قاموس جديد لا يملك أي عمق تاريخي أو عرف دولي، مما اتفق عليه على مدى قرون متطاولة.. قاموس ينطوي على كل المفردات التي تتيح للقطب الأحادي المتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية، أن يمسك برقبة العالم، وأن يمضي كلمته التي لا راد لها على جل شعوب الأرض، وأن يعتبر كل، مقاومة مشروعة عملا إرهابيا يستحق الملاحقة والتصفية وتستعدى ضده كل القوى التي ترى في الولايات المتحدة صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في تقرير المصير البشري.
وإذا رجعنا إلى فيلسوف القانون المعروف «هوبز» وتنظيراته الحادة في «لوياتان»، والتي تتمحور عند حقيقة أن الدول الكبرى إذا أرادت فرض احترامها على العالم، فإن عليها أن تعتمد أقصى وتائر القوة والإرهاب لتحقيق المطلوب.
وقد بدأت الولايات المتحدة بالفعل، وربما من عهد «رونالد ريجان» تنفذ مقولات «هوبز»، وتعتمد مفاهيم إرهاب الدولة نقطة انطلاق لسياساتها نحو العالم.
ها نحن نجد أنفسنا مرة أخرى في حالة معكوسة، حيث يباح لإرهاب الدولة أن يمضي إلى أهدافه بأقصى وتائر العنف والقوة، وحيث لا يسمح للشعوب المقهورة أن تدافع عن نفسها وأن تقاوم هذه القوة المستعمرة التي احتلت ديارها، واعتمدت لتنفيذ هدفها هذا كل أسلوب على الإطلاق بغض النظر عن مدى توافقه مع منظومة القيم الدينية والخلقية والإنسانية.
هذه واحدة مما أردت أن أبدأ به مقالي هذا، وأما الثانية، فهي أن النظام الدولي أو العالمي الجديد سيقود العالم بدوله وشعوبه كافة، وبقوة آليات العولمة وتنظيرات نهاية التاريخ وصراع الحضارات، إلى حالة لا يحسد عليها.. حالة تغيب فيها الأبعاد الدينية والخلقية والإنسانية، وتتسطح الحياة في مدى الطول والعرض، وتغدو مجرد تكاثر بالأشياء، وتطاول في العمران، وإشباع ملتو للحاجات الأساسية.. ويصبح فيها الإنسان، رجلا أم امرأة سلعة للإعلان ولعروض البيع والشراء، ويغدو المال الإله المعبود.. حياة فقدت طعمها العذب، وضاع سر طلاوتها، وأصبحت لهاثاً محموماً وراء الأشياء.. والذي لا يركض يداس بالأقدام.. والأصوات التي تنادي باستعادة منظومة القيم الضائعة، يحجر عليها وتموت اختناقاً.
والعالم الإسلامي بوجه الخصوص، هو أشد المتضررين بهذا الذي يشهده العالم، والذي ستزداد وتائره قوة واندفاعا بمرور الوقت؛ لأنه سيفقد كل شيء: خصوصياته الدينية والأخلاقية والإنسانية، وموقعه في جغرافية العالم الذي لن يسمح بالسيادة فيه، وبمنطق البقاء الدارويني للأقوى وليس للأصلح إلا لمن يملك مخالب ذرية وأنيابا عابرة للقارات.. وسيكون كالنعامة التي خرجت تطلب قرنين، فعادت بلا أذنين!!
في حالة كهذه تغدو مقاومة جماهير المسلمين على إطلاقها، ضرورة من الضرورات ويغدو تسلحها بكل آليات المقاومة العقدية والفكرية والتربوية والاجتماعية والروحية.. ضرورة أيضا من الضرورات.
والمسألة في بعدها الأكثر شمولاً مسألة تحد حضاري نكون فيه أو لا نكون.. وهذه الأخيرة ستأتي على الأمة الإسلامية من القواعد إن هي ألقت سلاح المقاومة واستجابت للإغواء.
إن ثقوب الجسد الإسلامي المعاصر كثيرة، وعلى كل المستويات، فإن لم تحصن جماهيره نفسها بقوة الرفض والمقاومة فإنها ستخترق.. وتضيع.
إذا استدعينا مفردات القاموس الفقهي للأمة، فإن «جهاد الدفع» بقوة السلاح يغدو قدراً محتوماً، إذا أريد للبلدان الإسلامية المحتلة أن تحرر الديار والعباد، أما «جهاد الطلب»، خارج الأرض الإسلامية، فإن عليه أن يعتمد مبدأ التعامل مع الآخر بقوة المشروع الفكري الإسلامي، أو ما يسمى بالمشروع الحضاري البديل وليس بقوة السلاح حيث الفارق كبير والهوة واسعة والنتائج المتمخضة عنه تنذر بالويل.
إن خلاص البشرية، وإعادة صياغة المصير، والخروج من البؤر الضيقة التي يختنق فيها الإنسان وتعديل الوقفة الجانحة للحضارة الغربية المادية المعاصرة، لن يتحقق كما يؤكد العديد من المفكرين الغربيين أنفسهم إلا بالمشروع الإسلامي الذي سيحصن الأمة الإسلامية نفسها ويخترق الآخر بالسبل الممكنة، وليس بمنطق الاستحالة الذي يعتمد القوة المسلحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل