العنوان في حرية الفكر: ما فهمه مالك ولم يفهمه المعتزلة
الكاتب نبيل فولي محمد
تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2001
مشاهدات 63
نشر في العدد 1481
نشر في الصفحة 44
السبت 22-ديسمبر-2001
على حين رفض الإمام مالك أن تفرض الدولة على الناس كتابه «الموطأ» حرص المعتزلة على إلزام الجميع برأيهم
المفهوم الغربي الذي يقسم الناس إلى محافظين تقليديين وإصلاحيين تجديديين يحدد لكل فريق عددًا من الخصائص العامة لا ينفك عنها ولا تنفك عنه. ومن الخصائص التي ألصقها بمن أسماهم المحافظين أنهم مع شدة تمسكهم بالقديم وفرارهم من كل تجديد- أكثر ميلاً إلى كبت الحرية، وفرض رأيهم على الجماعة التي يعيشون فيها.
غير أن في تاريخ الإنسانية عامة والمسلمين خاصة الكثير مما يشهد بأن التمسك بالثابت والأصيل من القديم يقترن بالحرص على الحرية، أكثر من ارتباطه المنفلت ويكفي أن الثوار التجديديين في فرنسا كانوا أكثر كبتًا بالتجديد للحرية وسفكًا للدماء- بشكل صارخ- من خصمهم الملك لويس السادس عشر وأنصاره.
ألف الإمام مالك بن أنس إمام أهل المدينة «93- ١٧٩هـ»- كتابه «الموطأ» في زمن لم تشع فيه الكتب الجوامع للسنة، فكان غرة في التأليف الحديثية، وأول كتاب يقصره صاحبه على الصحيح عنده، حتى عده الإمام الشافعي أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، قبل أن يجمع البخاري جامعه الصحيح، ونال الموطأ قبول أهل العلم. وصنفوا حوله وحول رجاله وتوثيقه كتبًا كثيرة.
أعجب معاصرو مالك بالكتاب العظيم، وكان الذي أوصى بتأليفه- كما يروي الرواة- هو الخليفة أبو جعفر المنصور، الذي يمثل عهده في الخلافة مرحلة البناء الحقيقي للدولة العباسية وفي مثل هذا الظرف يميل السياسي إلى اتخاذ التدابير المحققة للتوحد حول الرأي الذي يرى صوابه، ويحقق ثبات أقدامه في الحكم، فكانت عينا الخليفة على أسباب الخلاف والفرقة، يريد أن يجتثها من جذورها، ربما حتى لا تسبب له أي قلاقل، أو قناعة منه بأن هذه هي السنة ولا سنة غيرها، فينبغي على الجميع اتباعها.
كان خلفاء هذا الزمان علماء فقهاء، يعرفون أقدار العلماء والفقهاء ويتلقون عنهم بضاعتهم ويتحلقون حولهم في مجالس علمهم. وكان مالك بن أنس نجم هذا الزمان مع احتشاد عدد كبير من أهل العلم فيه، كأبي حنيفة والأوزاعي وسفيان الثوري وابن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم، فرأى أبو جعفر أن يسند إلى مالك مهمة تصنيف كتاب يجمع فيه ما يحتاجه الناس في الفروع من السنة النبوية.
جمع مالك في الموطأ ما جمع من الحديث النبوي وفتوى الصحابة والتابعين وعلم أهل المدينة، لكنه سمع من الخليفة ما لفت نظره قبل أن يتم هذا الكتاب. يروي مالك ذلك بنفسه: قال أبو جعفر: قد أردت أن أجعل هذا العلم علمًا واحدًا، أكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به فمن خالف ضربت عنقه فقلت: يا أمير المؤمنين، أو غير ذلك: إن النبي ﷺ كان في هذه الأمة، فكان يبعث السرايا، وكان يخرج فلم يفتح الله من البلاد كثيرًا، حتى قبضه الله- عن وجل- ثم قام أبو بكر- رضي الله عنه- فلم يفتح من البلاد كثيرًا، ثم قام عمر- رضي الله عنه- بعدهما، ففتحت البلاد على يديه، فلم يجد بدًا أن يبعث أصحاب محمد المعلمين فلم يزل يؤخذ عنهم كابرًا عن كابر إلى يومنا هذا، فإن ذهبت توليهم عما يعرفون إلى ما لا يعرفون رأوا ذلك كفرًا، فأقر أهل كل بلد على ما فيها من العلم. وخذ هذا العلم لنفسك.
المعتزلة وقولهم في القرآن
بعد قليل من هذا في عهد المأمون والمعتصم ابني هارون الرشيد بن المهدي بن أبي جعفر المنصور- والواثق بن المعتصم شبت نيران فتنة عجيبة، جاءت من انفراد العقل بالتفكير المجرد ومحاولته حل بعض قضايا الدين بعيدًا عن الوحي، فالتبست المسائل في موضع ما كان ينبغي أن تلتبس فيه فزعمت المعتزلة أن القرآن مخلوق، وكانوا بذلك يهربون. كما فهموا- من الشرك، فالقول بأن القرآن قديم عندهم- يعني أنه كان مع الله قديم آخر، وهذا شرك والقضية مدخل آخر كان هو الأقرب إلى العقلية المسلمة، وفي الوقت نفسه الصواب الذي لا يداخله شك، ويحل القضية من قريب بلا تعقيد على الإطلاق، وهو العودة إلى الكتاب والسنة وما قالاه عن القرآن فلا شيء في الكتاب أو السنة يورد أن القرآن مخلوق ولا أنه قديم، ولكنهما يذكران مرارًا أنه كتاب أنزله الله، أي كلامه سبحانه الذي أوجى به إلى عبده، يقول تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ (آل عمران: 7) ويقول ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الجاثية: 2)، وعن ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة. والحسنة بعشر أمثالها لا أقول: الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح).
ومفاد ذلك أن القرآن كلام الله وكلامه سبحانه ليس ذاته ولا شيئًا مستقلاً عن ذاته.
ليست المشكلة أن المعتزلة فهموا المسألة هذا الفهم المعوج فحسب، بل أرادوا أيضًا أن يسخروا السلطان ليفرض رأيهم على الناس. وتحولت القضية من خطأ في الفهم والتأويل إلى مسألة سياسية تستخدم الدولة سلطتها لإكراه الناس على الالتزام بها. وأوذي أهل العلم وكبار رواة السنة ومدونيها، وخاصة الإمام الجليل أحمد بن حنبل، فكان يوقفهم على الباب الحقيقي: ائتوني بشيء من الكتاب والسنة أتبعه ولكنهم يفرون إلى شبهتهم المتهافتة.
وحرض المعتزلة المأمون بكل ما أوتوا من قوة على امتحان العلماء وعرضهم على السوط- والسيف أحيانًا- ولكن تثبيت الله لأحمد أذن بتحول سلطان المعتزلة إلى رماد تذروه الرياح وتضعضع سلطانهم السياسي، بل انمحى كلية بعد أن كانوا يجلسون على حجر الخلافة، وذلك أن المتوكل رفع المحنة وأعاد رأي أهل السنة إلى موضعه.
فروق واتفاقات
هناك فروق- لا شك- بين رفض الإمام مالك أن تفرض الدولة على الناس كتابه الموطأ وبين حرص المعتزلة على أن يعتنق الجميع رأيهم وقولهم بخلق القرآن، وأهم هذه الفروق ما يلي:
- موطأ مالك كتاب في الفروع الفقهية وهي مظنة للاختلاف حولها، وأما رأي المعتزلة ففي مسألة تتعلق بأصول الدين والعقيدة، وهذه الأصول مستوفاة بوضوح في نصوص الشرع المتواترة وليس هنالك مجال للاختلاف حولها، ما دمنا نستقيها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.
- بضاعة مالك في الموطأ تراث فقهي تناقلته الأجيال، وله سنده الصحيح إلى الرسول وصحابته وتابعيهم، وأما كلام المعتزلة فرأي مجرد لا يسانده نقل صحيح ولا ضعيف.
واتفق لموقف مالك وموقف المعتزلة أن سلطة واحدة هي قوتها في الدولة العباسية، حاولت استخدام فرض رأي محدد على الناس، وهذا ليس دور الدولة، ولا من أجله أقيمت الحكومات لذلك أضاع العباسيون الكثير من جهدهم لفرض رأي على الناس، وفي النهاية فشلوا في سعيهم وهزم السوط وجبروت السلطة أمام صبر العلماء.
ما فهمه مالك
إن فقه مالك لم يتوقف على آرائه واجتهاداته في مسائل العبادات والمعاملات، بل إن موقفه الرافض لفرض «الموطأ» على الناس يشير إلى فقه عظيم بقضايا الحياة والناس، فالتطور الذي جرى في دنيا المسلمين وانتقالهم بالإسلام من الجزيرة العربية إلى أرجاء فسيحة من الدنيا- قد طور حياة الناس بصورة تختلف من مكان إلى آخر، فقد انتشر الصحابة في الآفاق، ولكل نصيب يرويه من السنة النبوية، بل لكل صحابي طبيعته النفسية والعقلية، وللبلد الذي نزل فيه أيضًا طبيعته وطبيعة أهله.
ولم يكن هذا الوضع وليد فترة قصيرة، بل وليد قرابة قرن ونصف قرن من الزمان أي أنه ثبت واستقر، ومحاولة اقتلاعه تعني دمارًا ونزاعات وخصومات لا تنتهي، وفي النهاية لن تصلح القوة لإقناع الناس برأي مهما يكن ما لم يكن هذا الرأي وجيهًا يحاول أن يدخل إلى الناس من باب يحترم عقولهم، وإلا أخرجت الفتن رءوسها. يقول مالك للمنصور- كما سبق- إن ذهبت توليهم عما يعرفون إلى ما لا يعرفون، رأوا ذلك كفرًا، فأقر أهل كل بلد على ما فيها من العلم.
إن مالكًا كان يستطيع- لو وافق المنصور في حمل الناس على الموطأ- أن يكون رأيه الفقهي هو المقدم في الدولة، ولكنه- برغم قناعته من أن هذا الرأي هو الأقرب إلى الصواب- لم يرض أن ينتشر رأيه على جثث المسلمين، وما يدريه لعل غيره من الفقهاء والمجتهدين أصوب منه في بعض القضايا.
ويتضح العمق الحقيقي لفقه مالك للحياة والناس حين نرى المنصور يقول له: قد أردت أن أجعل هذا العلم علمًا واحدًا، اكتب به إلى أمراء الأجناد وإلى القضاة فيعملون به، فمن خالف ضربت عنقه، فلا يحاول الإمام أن يحذف الجملة الأخيرة: فمن خالف ضربت عنقه على أن يكتفي بأن تتخذ الدولة من رأي مالك رأيًا رسميًا تشيعه بين الناس بلا إكراه، فهي دعاية لم يكن يحلم بها أي إمام.. لم يقل مالك هذا، مع أنه كان قريبًا من ذهنه، لأن الأصول كانت قد ثبتت وبث كل صحابي فقهه وعلمه في بلد إقامته وتخرجت عليه مدرسة لها أصولها، لكن فقط تبث السنة الصحيحة بين الناس، وتنشر من الحجاز إلى كل الأنحاء ليسعى أهل كل مدرسة إلى المقاربة أكثر مع سنة رسول الله ﷺ.
إن الإنسان، ولو كان طفلاً صغيرًا، لا يقبل أن تمحى شخصيته، أو يكره على ما لا وجه لاقتناعه به ولذلك حرم الإسلام إكراه الناس على اتباعه وهو الحق الذي لا ريب فيه- فهذا- فوق أنه لا خير في تابع يتبعك مكرهًا- انتهاك لحرمة الإنسان وكرامته.
كل هذا فهمه مالك، فانتشر مذهبه تلقائيًا. وذهب إلى حيث شاء الله، وبقي إلى الآن له أتباع ومقتدون.
وهذا أيضًا ما لم يفهمه المعتزلة، فانهارت دولتهم، وذهب سلطانهم لأنهم خالفوا سنن الله في حياة المجتمع البشري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل