; في ذكرى استشهاد سيد قطب | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى استشهاد سيد قطب

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1974

مشاهدات 87

نشر في العدد 215

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 27-أغسطس-1974

الرجل الذي قاده دينه وحرصه على دعوته إلى الشهادة رفض الخضوع للطاغوت، ومشى إلى الموت بعزة وفخار بقلم: أحمد محمد عبد الله الحديث عن الرجال يختلف. ويختلف جدا إذا كان هذا الصنف من الرجال على مثال من التأسي والحب لله ولرسوله، والمهتدي بهدي خير الأنام والمقتدي بشرعة الله التي جاء بها سيد الأولين والآخرين.. وإذا كنت اليوم أحمل القلم لأخط كلمة في ذكرى رجل كان له في خدمة الإسلام يد طولى، ودماء مطلوبة، فإنني سوف أقصر من إيفائه حقه؛ لأن مثلي ليس بقادر على أن يؤدي حقًّا لمثله، وحسبي أنني أحب كل عامل مخلص أسأل الله لي وله الخير في الدين والدنيا والآخرة، إذن فما فائدة أن أكتب ليقرأ الناس.. وهل من المصلحة أن أكتب ليقرأ الناس؟! نعم.. إن من الخير أن تكون هناك يراع تكتب.. ومن الخير أن تكون هناك أنظار تقرأ، وأن تعي القلوب ما تقرؤه الأنظار، ومن الخير بعد ذلك أن يكون لمن كتب ولمن قرأ أن يتمثل. الكاتب ما دبج وأن يتدبر القارئ ماثلا.. حتى يكون هذا وذاك قد عرف سر كتابته وسر قراءته ليتحول المكتوب والمقروء إلى واقع عملي وحركة حية تستفز النفوس والعقول والقلوب.. تشارك الحياة والأحياء وتدفع بعجلة الحياة نحو غاية كبرى وهدف سام.. يوصل الناس إلى مرتقى السمو وإلى عليين حيث تكون الحياة الحقيقية. وسيد قطب رجل من الرجال عرفوا.. حقيقة الدنيا، جالوا في مناكبها، ومروا في دروبها وشهدوا وعورة مرتفعاتها وضلال منحدراتها.. فلما كادت بهم الدنيا وكادوا بها.. جاء أمر الله لينفض تلك المضغة من جوعه الجسد وغثاء الحياة.. فإذا بمن أنشد الناس قديما أن الدنيا حيرة وزوال.. يردد في سمع الدنيا.. إن الإنسان في الحياة لغاية.. ولن يفهم هذه الغاية إلا رجل ملك الإسلام عليه لبه وتمكنت العقيدة من احتواء قلبه، ودفعه دينه إلى العمل والحياة وإلى بعث الراقدين في توابيت الحزن إلى فضاء واسع رحب.. تكاد نفس المؤمن تستشعره ولو ضاقت سبل الحياة فصارت زنزانة، لا مجال للهواء فيها!! لذلك نجده عندما امتزجت العقيدة بقلبه وتحولت إلى دمه.. شغل عن كل شيء عداها فإذا به يصرح لمن يحبون سوى الصراط «أن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه.. إنه سينطلق بها.. هذه طبيعتها.. طبيعة الحركة الحية.. إن القوة العليا التي دفعت بها إلى هذا القلب تعلم أنها ستتجاوزه حتما! إن الدفعة الحية التي وصلت لها هذه العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدما». الوظيفة الأولى: أدرك صاحب الذكرى من خلال نظره الثاقب وقلبه الواعي أن الحياة التي تحياها المجتمعات المعاصرة ما هي إلا ركام من نثار كرامات الجاهلية القديمة أو الجاهليات المندثرة.. لكن روحها وشكلها قد بقي وإن تغيرت أشكال الأناسي فأفعال السابقين باقية فيهم.. إن الذي عبد الحجر في أول الدنيا.. ما زال يعبده حتى الآن، وإن الذي يشعل النار ويعبدها في القديم ما زال ينافح عنها ويموت في سبيلها.. وإن الذي أخافه الطاغوت فركع ما زال الطاغوت يتسلط على بقایا حفدته وأعوان حفدته فهم يركعون ويصفقون ويصفرون.. فهل هذه هي الحياة التي يمكن أن يعيش فيها طاهر حر تعاف نفسه الأبية الذل والقهر والطغيان.. أم أن وظيفة المسلم أن يحقق منهج ربه وأن ينقذ الناس من عمليات الجاهلية وخدع الجبابرة الطغاة.. إنه أيضا يسجل في حديثه لمن يحبون الهداية وطريق العزة «إن وظيفتنا الأولى هي إحلال التصورات الإسلامية والتقاليد الإسلامية في مكان الجاهلية، ولن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية، والسير معها خطوات في أول الطريق.. كما قد يخيل إلى البعض منا.. إن هذا معناه إعلان الهزيمة منذ أول الطريق» ولاحظوا معي.. «لن يتحقق هذا بمجاراة الجاهلية، والسير معها خطوات في أول الطريق». الدين والمنهج: والذي يعيش هذا الدين عقيدة وعملاً ليس هو الذي حذّرهم سيد من الدخول في معتركه، وقد حذّر أولئك الذين يشغلون أنفسهم خلف سدف مسدلة وعلى كراسي وثيرة ثم يكتبون فإذا جاءوا لعالم التطبيق كان الصفر منهم أكثر قوة وبهاء.. إلى الناس أن يفهموا وإليهم أن يعرفوا جيدا أن الدين الذين يؤمنون به لیس هو الذي يريح معتنقيه من لأواء المشقة ومشقة اللأواء.. فالراحة في الصدور والأنفس قائمة ولكن الإسلام يبغي رجالا يحملونه ويتحملون في سبيله -لأنه حق- ما يتحمل أهل الباطل في سبيل باطلهم. فهو يرى أنه كل لا يتجزأ.. لأنه هكذا أنزل.. وهكذا جاء.. فمتى وجد الناس الذين آمنوا به حرارة الإيمان.. فإنهم لن يتراجعوا لحظة عن القيام بما يقتضيه.. لذلك يحذرهم مغبة ما قد يؤول إليه الأمر لو تراخوا عنه وصدقوا ترهات الفاسقين.. لذلك يقول «يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدًا أنه كما أن هذا الدين رباني، فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك، متواف مع طبيعته، وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل».. الوفاء حتى النصر.. وما لم يكن وفاء المسلم لدينه قد تغلغل في كل جزئية من جزئيات جسده وعقله وروحه فإنه من السهولة أن تطمس هذه الفرج الموجودة.. لتكون عنفوانا يزحف به نحو مغارة الابتعاد عن الحق ومغارات الضلال كثيرة.. ودروبها معبدة.. ومعالمها معروفة، والراشد من لم يغره جمال المعلم وإنما يعرف أنه ظاهرة جميلة وجوهر خاو لا خير فيه.. وإن المنهج الإسلامي الذي خطه الإسلام في قلب المسلم فتحول إلى إيمان يقيني.. وغدا صاحبه كالطود لا تزعزعه الريح أني اختلفت عليه.. هذا المنهج هو قوام حياة المسلم والوفاء له أقوى ضمانة تمنع عنه الزوال وتدفع عنه الذل «والضمانة الحقيقية للمنهج الإسلامي كله كامنة في ضمير المسلم، منبعثة من إيمانه، فمتى وجد الإيمان بهذا الدين وجدت معه أقوى ضماناته.. والمسلمون يتعلمون من دينهم أن مقومات وجودهم وانتصارهم والتمكين لهم في الأرض.. تقوم كلها على الوفاء بهذه التوجيهات، وإلا تعرض وجودهم للزوال.. وانقلب انتصارهم هزيمة.. وذهبت ريحهم وذلوا». ثم.. هل وفّى سيد قطب لما قال وكتب.. أم أنه ابتعد من الصف ووقف يرقب النتيجة للذين تشبعت قلوبهم بهذا التأكيد فساروا حتى النهاية.. ما من شك أنه كان يكتب من دمه.. وإذا بالدم نور يتلألأ.. وإذا بالناظرين على خطاه يسيرون.. حتى كانت الوفاء علامة مميزة له.. أدت به أن يسير في الطريق مكرها نحو حتفه دون هياب ولا وجل.. وما قاده إلا الوفاء لدينه وما عزم عليه من الانتصار له والدفاع عنه. وكانت الحياة الأخرى! وضاق الظالمون بمشاعل النور التي انتشرت على «الطريق معالم تهدي» وضاقت صدورهم وغلت فيها البراكين.. فإذا بها تنفجر وإذا بالطاغوت يصحو من سكرته ليتذكر التتري بكل همجيته وجبروته وحيوانيته. فإذا هو أهوج لا يلوي على شيء فركل المشاعل وحسب أن الزيت قد أهرق.. لماذا.. ضاق وفعل ما فعل.. لأنه سمع الداعي يدعو.. «إنه ليس "نظرية" تتعامل مع "الفروض"! إنه "منهج" يتعامل مع "الواقع"! فلا بد أولا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقر عقيدة أن لا إله إلا الله، وأن الحاكمية ليست إلا لله ويرفض أن يقر بالحاكمية لأحد من دون الله، ويرفض شرعية أي وضع لا يقوم على هذه القاعدة». أضرهم هذا الكلام.. لأنهم نظروه في القرآن.. ونظروه في السنة.. ونظروه في التاريخ ثم إنه بدأ يطل من جديد.. ونظروا إلى أنفسهم فإذا هم عنه في غفلة فلم يكن ثمة احتمال غير أن الحديد بيدهم والنار!!.. النار الباردة التي تلسع الجبان فيظنها جنة الآخرة.. فيذل. وجاءت نارهم وحممهم فإذا هي لا تنال من الأنفس الشم.. فاهترأت نفوسهم من غيظها فنصبوا المشانق ليرحلوا هؤلاء الدعاة إلى مكان غير هذا المكان.. عرس في السماء.. وفتحت السماء أبوابها للقلوب المفتوحة فرحًا بلقاء بارئها، وجاء البشير أن للصابر حقه، وأن للطاغية يوما لا بد مدركه.. فما الموت والأجساد إلا جسور يعبر عليها قوم إلى آخرين ويعبرون إلى حيث تكون الحياة الحقيقية.. كان الرجل أوابًا، لم يجعل من نفسه صاحب سلطة تقول ولا تعيد النظر.. فقد كان يقبل كل نقد وجه إليه.. وفي طبعاته لكتبه ما يدل على ذلك.. وما «الظلال» إلا شاهد على ذلك. وكان صادقا وفيًّا لله ولرسوله وللمؤمنين ولدعوته ودينه وعقيدته.. وقدم البرهان الأكبر يوم أن مشى بكل عزة وفخار نحو المشنقة وهو يرفض تقبيل يد الطاغوت.. فرفرفت روحه في عرس سماوي قادته الملائكة.. إن في حياته لنا لعبرة.. وإن في خطه الذي ساره لآثار تدل السائرين على النهج أن يترسموا خطاه فيه.. ولن نحزن بقدر فرحنا بما آل إليه.. ولن ندعو إلا بدعاء طالما تشوقه المؤمنون في كل حين.. دعاء ردده الصحب من قبل.. أن تكون الشهادة خاتمة عمليا.. شهادة لا خور فيها ولا خنوع.. وإقدام على رب العزة بكل رضی واطمئنان.. وإن حواصل الطير الخضر لتلوح أمام أعيننا، وإن نسأل فإننا نسأل الله أن يؤتينا من لدنه ما أتى الصابرين المجاهدين وأن يحشرنا وإياهم تحت لواء سيد المرسلين. وعليك يا صاحب الذكرى سلام في عليين.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

200

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

118

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية