العنوان في ذكرى مولد الرسول- صلى الله عليه وسلم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979
مشاهدات 78
نشر في العدد 432
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 13-فبراير-1979
نعيش نحن- المسلمين– الآن في ذكرى طيبة مباركة هي مولد النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- ولا نريد هنا أن نتعرض لهذا الأمر من حيث كونه بدعة غير مشروعة أو هو أمر واجب إسلامي عظيم، وما أصوله عبر التاريخ، فلهذا كله مجالات وأحاديث أخرى. وإنما نرید- اليوم– أن نتكلم عن هذه الاحتفالات ذاتها، وهي احتفالات كبرى قد نالت القسط الأوفر من الاستعدادات والإمكانات وغير ذلك- على مدى أيام طويلة واتخذت لها منابر كثيرة في المساجد والمدارس والجمعيات والتلفزيون والإذاعة والصحف والمجلات وغير ذلك دروسًا ومحاضرات، ولم يكتف بهذا، وإنما تعداه الأمر إلى الأغاني والمسرحيات والأفلام السينمائية بغض النظر عن شرعية ذلك أو عدمها.
ما نراه في هذه الاحتفالات
وفي هذه الاحتفالات نسمع ونقرأ فيها ما هو مكرر ومعروف حينًا وما يتميز بالجدة حينًا آخر، وقد تكون هذه الجدة في الشكل فقط وإنما المعلومات معروفة مكرورة، وقد تكون الجدة في الشكل والمضمون معًا وذلك باستنباط الأفكار والإيحاءات الجديدة.
ولكن ما الغاية من هذا كله؟
إنه سؤال هام يجب أن يجاب عليه وإلا ذهب كل هذا الجهد هباء منثورًا، بل ربما انعكس إلى نقيض ما كان يبتغى له.
نعم ما الغاية من هذا كله؟
هل هذه الاحتفالات غاية في حد ذاتها نجتمع فيها ويرى بعضنا بعضًا نقضي بعض الوقت ونجامل بعضنا؟ كما نقضيه في حديقة أو شاطئ بحر أو حلم عابر ثم نعود إلى منازلنا ولم يبق في أذهاننا من هذا كله سوى بقايا من مناظر لا علاقة لها في أصل الاحتفال وفكرته سرعان ما تنتهي وتتلاشى.
- وهل الغاية من ذلك هي التعبير عن مظهر فكري حضاري براق لابد منه حتى نستكمل أشكال الترف المتنوعة في هذا المجتمع الذي نحيا فيه. مثل هذا كمثل وجود المكتبة العامرة في منزل رجل أمي لا يعرف القراءة والكتابة وإنما وضعها وزينها وملأها بالكتب مرتبة بحسب ألوان أغلفتها أو بحسب أحجامها حتى تبدو متناسقة في أحسن شكل وأبهى منظر. وإذا سألنا هذا الرجل الأمي عن سبب وجودها؟ قال لك: لابد من وجود مكتبة في البيت حتى يكتمل «ديكور» هذا البيت.
- وهل الغاية من ذلك أن يعرض بعض العلماء معلومات جديدة أو أفكار جديدة استقوها واستخلصوها من حادث الهجرة الجليل؟، وربما كان هذا الاستخلاص واضحًا ومقبولًا، وربما كان فيه الكثير من التعنت والجهد ولوي عنق الحوادث حتى يصل إلى جديد لأن هذا عنده هو الأهم ويعد هذا فوزًا وانتصارًا.
والحق أن الغاية التي ينبغي أن ترجى من هذا كله مختلفة عما سبق وافترضناه وتساءلنا عنه.
إن الغاية من ذلك إنما تتناول القلب والفعل والعقل معًا.
إنها ينبغي أن تتجه نحو القلب لتسمو به نحو خالقه. ولتزيده شفافية ونقاء؛ الأمر الذي يجعله أقرب إلى السماء منه إلى الأرض، ولا بد من أن يتبع هذا الارتقاء القلبي ارتقاء بالجوارح والأفعال؛ الأمر الذي يجعل المجتمع البشري بعيدًا عن الحيوانية التي نراها في المجتمعات المعاصرة على اختلافها، ويجعله أيضًا قريبًا من الصفاء والنقاء والسماحة. ثم تهدف بعد ذلك إلى إغناء العقل البشري بمزيد من الأفكار والمعلومات والخصوبة، الأمر الذي سيؤدي به إلى حضارة مزدهرة مباركة.
لماذا لا يتعظ الناس بكثير من هذه الاحتفالات؟
ويتساءل الناس: لماذا لا يتعظون بكثير من هذه المحاضرات والمقالات والاحتفالات؟ ولماذا لا تمس شفاف قلوبهم مسًّا يسبب تأثيرًا عميقًا ويترك بصمات واضحة المعالم على أعمالهم وعلاقاتهم مع الله تعالى ومع أنفسهم ومع الآخرين؟ مع أنها تحمل فكرة جديدة حينًا أو تصورًا جديدًا حينًا آخر وقد صيغ هذا كله بأسلوب جميل أنيق جذاب.
إن الجواب عن هذا التساؤل يتعلق بطبيعة الإنسان المحاضر أو الكاتب أكثر من كونه متعلقًا بطبيعة الإنسان المتلقي سواء أكان سامعًا أو قارئًا أو مشاهدًا. إذ إننا نعتقد جازمين لو أن هذا الإنسان المحاضر أو الكاتب كان صادقًا فيما يقوله، يبتغي به وجه الله تعالى وينبع من أعماقه الإيمانية، ويشاهد من خلال تصرفاته وأعماله مع خالقه ونفسه والآخرين سرًّا وعلانية لكان الأمر مؤثرًا تأثيرًا إيجابيًّا واضحًا على من يسمعه أو يقرؤه أو يشاهده.
قصة الرجل الصالح:
وإننا هنا نذكر قصة رجل صالح شكا إليه عبد رقيق رقه وحبه للحرية وطلب منه هذا العبد أن يشير في خطبة الجمعة التي كان يخطبها في مسجده الجامع إلى فضل العتق وثوابه لعل سيده الذي يسمع الخطبة دائمًا يتأثر بها فيعتقه. فأجاب الرجل الصالح بالإيجاب والترحاب.
وأتت الجمعة ولم يشر في خطبتها الرجل الصالح إلى العتق، فقال العبد: لعله في الجمعة القادمة.
وأتت الجمعة الثانية والثالثة والرابعة والثامنة والعبد ينتظر ويمنعه حياؤه من الرجل الصالح عن تذكيره أو الاستفسار منه عن سبب هذا التأخير.. وفي الجمعة التاسعة خطب الرجل الصالح عن العتق وأجره وفضله ومنزلة فاعله و... و... وبعد انتهاء صلاة الجمعة وبينما كان العبد يمشي مع سيده عائدين إلى المنزل أمسك السيد يد عبده ونظر في وجهه نظرة حب وحنان وقال: إنك حر لوجه الله تعالى. وتعانق الرجل مع عبده بل تعانق الأخوان عناقًا طويلًا. وأول شيء خطر في خاطر هذا الحر الجديد هو أن يشكر الرجل الصالح ويسأله عن سبب التأخير.
وذهب الرجل إليه وشكره وسأله عن سبب التأخير؟ وكم كان الجواب عظيمًا قال الرجل الصالح. اسمع يا بني إنك عندما طلبت مني أن أخطب عن العتق لم يكن عندي رقيق حتى أعتقه قبل خطبتي هذه، ولم يكن عندي مال أشتري فيه رقيقًا فأعتقه، فانتظرت إلى أن رزقني الله تعالى فاشتريت عبدًا فأعتقته ثم خطبت ليكون كلامي عن العتق صادقًا يتلقاه المصلون بالقبول.
لقد صدق الرجل الصالح فما أكثر من يتكلم الآن عن الإيمان والتقى والزهد والبطولة والجهاد وغير ذلك من القيم الراقية السامية وهو أبعد الناس عنها اعتقادًا وفعلًا وتطبيقًا.
لذلك لا نجد لهذه الأقوال صدى في المجتمعات ولا يخرج السامع لها بحصيلة على الصعيد القلبي أو الفكري أو العملي وإذا خرج بشيء ما على الصعيد الفكري، فإنه سرعان ما ينساه.
مقولة «خذ من العالم علمه وأترك عمله»
وهنا تعترضنا مقولة خطيرة جدًّا وهي «خذ من العالم علمه واترك عمله» وذلك لأنها مقولة تحمل عناصر موتها فيها، وذلك لأن الإنسان كل لا يتجزأ إلا نظريًّا فقط، وبالتالي فإننا لا يمكن أن نأخذ علمه ونترك عمله إلا نظريًّا فقط، ولو حاولنا ذلك فإنا لا نستطيع أبدًا، لذلك إما أن نأخذ منه كل شيء بصورة عامة أو نترك له كل شيء، بصورة عامة أيضًا.
نقول هذا مع علمنا واعتقادنا بأن الإنسان غير معصوم عن الخطأ وذلك لأن العصمة شيء وأن يكون العمل غير القول والظاهر غير الباطن شيء آخر وبخاصة إذا ما تذكرنا أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل.
ما هي أزمتنا اليوم؟
إن أزمتنا اليوم نحن- المسلمين- ليست أزمة علم أو علماء، فهناك عشرات الألوف ممن يحملون شهادات الدكتوراه أو غير ذلك من الشهادات العليا، ولقد ملأ هؤلاء وغيرهم الدنيا كلامًا وأفكارًا ومؤلفات، ولكن ليس هذا كل ما نحتاج إليه. إنما الذي نحتاج إليه هو الداعية العالم المطبق التقي الورع، ولا يكفي للداعية بحال من الأحوال العلم فقط فإذا ما اقتصر عليه يكون عالمًا، ولكن لا يمكن أن يسمى بحال من الأحوال داعية، وفي هذا المجال ينبغي أن نتذكر أن «إبليس» عالم كبير، ولكن علمه لم يفده شيئًا أبدًا في الدنيا أو في الآخرة.
من هو الداعية؟
إن الداعية هو الذي يعمل بعلمه أولًا ويرتفع بقلبه وعمله وفكره إلى درجة التقوى لا أن يقف في درجة الفتوى التي يقف عندها العامة أو الناس العاديون وربما استطاع بعضهم تجاوزها إلى درجة التقوى.
إن هذا الداعية الذي يخرج كلامه من قلبه لابد أن يؤثر في سامعيه وأن يسمو بهم إلى ما يريده لهم الله تعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم- في ذكرى مولده الشريف. إن هذا الداعية لا يحتاج أن يكون خطيبًا مفوهًا مصقعًا أو عالمًا ضليعًا لا تخفى عنه شاردة؛ لا إنه يكفيه دون ذلك. حتى يحقق الله على يديه الخير كل الخير.
رجاء
لذلك نرجو من الإخوة الكرام في هذه المناسبة الكريمة وفي غيرها من المناسبات الشريفة سواء أكانوا محاضرين أو كتابًا أو غير ذلك أن يقفوا أمام ربهم وأنفسهم قبل أن يقفوا أمام الناس ويحاسبوا أنفسهم قبل أن يقولوا أو يكتبوا ويسألوا أنفسهم: هل هم مقتنعون بما يقولون؟ وهل هم يطبقون ما يقولونه أو يكتبونه؟ وهل هم بلغوا التقوى أو الفتوى أو دونهما؟ وهل يبتغون من وراء ذلك كله وجه الله تعالى؟ أو يشركون فيه- ولو بعض شيء- غير الله تعالى من أشخاص، أو منصب أو مال أو غير ذلك؟ وذلك لأن الله تعالى أغنى الشركاء ولا يقبل إلا ما كان خالصًا لنور وجهه فقط.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل