; في ذكرى وعد بلفور: المكر الإنجليزي والغفلة العربية | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى وعد بلفور: المكر الإنجليزي والغفلة العربية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1986

مشاهدات 69

نشر في العدد 791

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 11-نوفمبر-1986

الإنجليز الذين ما جلوا عن بلد استعمروه إلا تركوا وراءهم مشكلة قابلة للانفجار في أي وقت، بل في الوقت الذي يريده الإنجليز أو من لفّ لفّهم من الفرنسيين، أو من ورث استعمارهم من الأمريكان.

والشواهد على ذلك كثيرة بدءًا من عدن في أقصى جنوب الجزيرة العربية وانتهاء بمشكلة عربستان والأسكندرون في شرق الوطن العربي وشماله. 

ويتجلى المكر الإنجليزي أكثر ما يتجلى في النصوص المكتوبة التي خلفها لنا الإنجليز وكان من نتيجتها ظهور المشكلة الفلسطينية التي هي مشكلة المشاكل بالنسبة للوطن العربي.

فبينما كانت الحرب العالمية الأولى مشتعلة صدر عن وزير الخارجية الإنجليزي وعد للزعيم الصهيوني روتشيلد ممول الحركة الصهيونية عُرف فيما بعد باسم وعد بلفور جاء فيه:

نص وعد بلفور

«إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتحقيق هذا الهدف، على ألا يفهم من ذلك الإضرار بالمصالح المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين، أو بالحقوق السياسية لليهود في جميع أنحاء العالم».

ولقد فهم اليهود عبارة وطن قومي بأنها دولة، وأوحى الإنجليز للعرب بأن هذه العبارة تعني مأوى وكان فهم اليهود هو الصحيح وتفهيم العرب هو الخداع. وكيف تبذل بريطانيا قصارى جهدها لتحقيق إقامة دولة يهودية في فلسطين إلا بعد هزيمة الخلافة الإسلامية في إستانبول التي كانت تعتبر فلسطين جزءًا منها؟ ومعروف موقف السلطان عبد الحميد الثاني من موضوع هجرة اليهود إلى فلسطين حيث طرد المندوب الصهيوني هرتزل شر طردة وقال «إنه أهون على أن تبتر ذراعي من أن أعطي فلسطين لليهود». ويطول الحديث لو استعرضنا المؤامرات التي حاكتها الحركة الصهيونية وربيبتها الماسونية العالمية بالتعاون مع الصليبية لهدم الخلافة الإسلامية توطئة لقيام الكيان اليهودي الاستعماري في فلسطين.

نعود إلى نص وعد بلفور والمغالطات الصارخة فيه، إذ يؤكد الوعد على الحفاظ على المصالح المدنية والدينية بالنسبة العرب فلسطين بينما يهمل حقوقهم السياسية. وعلى العكس من ذلك فإنه يتمسك بالحقوق السياسية لليهود في جميع أنحاء العالم، ثم إنه يتحدث عن اليهود وكأنهم سكان فلسطين بينما يتحدث عن العرب وكأنهم طوائف أو أقليات وهذه مغالطة مكشوفة؛ إذ إن عدد اليهود في فلسطين -لم يكن يزيد عند صدور هذا الوعد في 2/11/1917 - عن 1% من سكان فلسطين.

ويوم تمت هزيمة تركيا بمساعدة العرب -للأسف الشديد- الذين خدعتهم مراسلات حسين- مكماهون ووصل الجنرال «اللنبي» إلى القدس، قال عبارته المشهورة «الآن انتهت الحروب الصليبية»، وحين وصل الجنرال «ويفل» إلى دمشق توجه إلى قبر صلاح الدين رمز الانتصار الإسلامي على الصليبية فركل قبره بحذائه النجس وقال: «ها قد عدنا يا صلاح الدين».

ألا يكفي هذا دليلا على ارتباط الصهيونية بالصليبية وارتباط فلسطين بالإسلام؟! 

ما مغزى محاولات اليهود المستمرة لتدمير وحرق المسجد الأقصى؟ ولماذا يتم حرق منبر صلاح الدين بالذات؟ ويتم تشويه سمعة السلطان عبد الحميد الثاني في ديار العرب؟ ويتم تصوير الحركة التي قام بها مجموعة من الأعراب لمقاتلة الأتراك جنبًا إلى جنب مع الإنجليز بأنها الثورة العربية الكبرى؟ وما هو مصير الشريف حسين رحمه الله الذي وعده الإنجليز بأن يصبح ملكًا على العرب؟

القرار 242:

وفي عام 1967 وبعد هزيمة العرب أمام اليهود العرب الذين اتخذوا من القومية عقيدة بديلة عن الإسلام تحرك المكر الإنجليزي مرة أخرى من خلال اللورد «كرادون» الذي صاغ القرار 242 ليقبله عرب المواجهة الثوريون منهم وغير الثوريين بنصوصه المبهمة عليهم الواضحة عند عدوهم:

  • الانسحاب من أراض احتلت بعد عام 1967.
  •  حق دول المنطقة في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها.

وعبارة «أراض محتلة» في النص الإنجليزي أضيفت إليها ال التعريف في الترجمة الفرنسية أي «الأراضي المحتلة»، وأخذ العرب بالنص المترجم بينما أخذ اليهود بالنص الأصلي. والنص المترجم يعني الانسحاب من كل الأرض المحتلة بعد عام 1967، بينما يعني النص الأصلي الانسحاب من بعض الأراضي المحتلة بعد هذا التاريخ. والقانون لا يحمي المغفلين!

ثم إن الكيان الصهيوني دوليًّا يعتبر من دول المنطقة ومن وقع على هذا القرار (242) الصادر عن مجلس الأمن الدولي عليه أن يعترف بهذا الكيان وأن يضمن له الحدود الآمنة.

فما هي حدود هذا الكيان؟ هل هي من النيل إلى الفرات كما يفهم الصهاينة؟ هل تضم هذه الحدود الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان باعتبارها «أرض إسرائيل» كما يقول قادة الصهاينة تكتيكيًّا هذه الأيام؟ 

وماذا تعني الحدود الآمنة؟ هل تعني تعهد الدول العربية القابلة لهذا القرار بمنع أي فدائي فلسطيني أو مجاهد مسلم من اختراق الحدود ومقارعة العدو الصهيوني في الأرض المحتلة- وكل فلسطين أرض محتلة؟!

إن ما يجري على أرض الواقع يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن المكر الإنجليزي المدعوم أمريكيًّا يؤتي أكله بالنسبة للصهاينة أما العرب الذين يطوفون بالآفاق فيطرقون باب البيت الأبيض مرة وباب الكرملين مرة أخرى وأبواب الإنجليز والفرنسيين والألمان الغربيين وحتى الإيطاليين والرومانيين والنمساويين فإنهم يحاولون أن يحرثوا البحر ويقبضوا الريح ويحصدوا الهشيم.

إن قوة هذه الأمة في وعيها لذاتها الإسلامية، في عودة روح هذه الأمة إليها، وروحها الإسلام، والإسلام ليس شكلًا بلا مضمون أو عقيدة بلا شريعة، أو تمكينًا في الأرض بلا جهاد هو الدستور الذي يعصم هذه الأمة من الزلل، والنور المبين الذي يجنب هذه الأمة العثرات.

فعودوا إلى الإسلام يا أمة المسلمين، وخذوه كلا لا جزءًا ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (البقرة: 85) إنه النجاة من الغرق ولا منجاة سواه، إنه النهوض من التردي والنهضة بعد الكبوة، ولكم في تاريخكم أمثلة لا تحصى. فالعرب قبل الإسلام لم يكونوا شيئًا مذكورًا أمام قوة الفرس وقوة الروم، والمسلمون لم ينقذهم من غزو التتار إلا وحدة المسلمين تحت راية «لا إله إلا الله، محمد رسول الله» و «حي على الجهاد» بقيادة بيبرس وقطز وهما من المماليك.

وفلسطين لم ينقذها من الصليبيين إلا راية الجهاد الإسلامية رفعها صلاح الدين الكردي الذي فهم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61) بغير ما فهمها عربي مبهور بقوة أعدائه ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ(المنافقون: 8) ومن ذاق حلاوة الإيمان هانت عليه كل الصعاب واسترخص الحياة الدنيا في سبيل حياة الخلود، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (العنكبوت: 64).

الرابط المختصر :