; في ذمة الله.. أبا عابد | مجلة المجتمع

العنوان في ذمة الله.. أبا عابد

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

مشاهدات 57

نشر في العدد 1382

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 28-ديسمبر-1999

فجعت الحركة الإسلامية في سورية بفقد أحد قادتها البارزين: أمين بن عبد الرحمن يكن «أبو عابد» البالغ من العمر ثلاثة وستين عامًا، في عملية اغتيال غادرة، قام بها مجهولون من خصومه وأعدائه المجرمين، وهو عائد إلى بيته في حلب مساء يوم الخميس الثامن من شهر رمضان ١٤٢٠هـ، الموافق السادس عشر من شهر ديسمبر ۱۹۹۹م. 

ولقد كان لهذا الاغتيال الآثم رنة أسى ولوعة، أحسها كل من عرف أمين يكن عن قرب، وما كان يتحلى به- يرحمه الله- من خصال الرجولة والمروءة والشجاعة، والنجدة، وفعل الخير.

نشأ أمين يكن في أحضان عائلة كبيرة من عوائل حلب المعروفة بالوجاهة والغنى والنفوذ، وكان مسلكه ومسيرته في الحياة على النقيض من شباب تلك العائلات الكبيرة، ففي الوقت الذي انصرف فيه معظم أولئك الشباب إلى اللهو والمجون وانتهاب اللذات، كان الشاب أمين يكن يغشى المساجد، ومجالس الذكر، والعبادة، والتوجيه، فنشأ متدينًا ملتزمًا بآداب الإسلام وأخلاقه، مع أنه كان أحد طلاب الكلية الأمريكية في حلب التي عرف معظم طلابها بالتحلل من أخلاقيات الدين، وقد أهله اتجاهه هذا نحو التدين إلى أن يكون من أبناء الحركة الإسلامية الذين كانوا في ذلك الحين ملء السمع والبصر في مدينة حلب.

وبلغ مرتبة القيادة في هذه الحركة بعد أن اشتد عوده ونضجت شخصيته، وعمل فيها بجد وإخلاص وتفان، بعيدًا عن العنف والفوضى والتسيب والارتجال في ظروف اتسمت بصعوبات جمة، صبر فيها على لأواء المحن، فدخل السجن عام ۱۹۷۳م، وعذب فيه تعذيبًا شديدًا، وبعد الإفراج عنه غادر البلاد، وعاش فترة في بيروت، عاد بعدها إلى حلب سنة ١٩٧٥م، وأعلن اعتزاله العمل التنظيمي في الإخوان، وبذلك تخلص من المراقبات والمضايقات وانصرف إلى عمله في قريته.

ولكنه لم ينس دعوته وإخوانه، ولا سيما في فترات الكرب والضيق والأزمات الشداد، فقد قام بوساطات عدة بين النظام الحاكم في سورية والإخوان، كان آخرها سنة ۱۹۹۷م، ووقف نفسه ووقته لحل مشكلات إخوانه وأسرهم وأولادهم، والتوسط لهم لتسهيل أمورهم، ولقد علمت أنه كان في يوم الأربعاء السابع من رمضان، أي قبل اغتياله بيوم واحد يطالب المسؤولين بحل مشكلة الإخوان، وعودتهم إلى بلادهم، في إطار مصالحة وطنية، تغسل الصدور، وتعيد الألفة إلى النفوس، والوحدة إلى الصفوف. 

وقدر له إخوانه هذا الدور الكبير الذي يقوم به في الوساطات المستمرة، وإسعاف العائلات المضيق عليها، ومسارعته إلى تقديم العون اللازم لها، ولذلك وقع نبأ اغتياله على نفوسهم وقع الصاعقة، فبكته العيون والقلوب، وافتتحت الدور لاستقبال المعزين فيه في شتى الأقطار، وشهدت حلب في تشييع جنازته واستقبال المعزين فيه من إقبال الجماهير ما لم تشهده إلا في جنازات الزعماء الكبار المجاهدين.

رحمك الله يا أبا عابد، لقد كنت رجلًا حين عز الرجال، وبطلًا حين قل الأبطال، وأبًا رحيمًا لكل ولد يطلب منك العون، وأخًا معينًا لكل زوجة ابتعدت عن بيتها، وزوجها، وأولادها، تمد لهؤلاء جميعًا يد النجدة والغوث والعون في وقت يتهيب كثيرون من مدها للمحتاجين الملهوفين. 

لكأن الله أحب أن يكافئك على أعمال الخير التي قدمتها  للمحاويج والمعذبين، فكتب لك أن تختم حياتك بالشهادة، وكنت تطلب من الله أن يرزقك الشهادة، وها أنت ذا تنعم في جوار ربك، إن شاء الله مع الصديقين والشهداء.

إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا على فراقك يا أبا عابد لمحزونون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :