العنوان في رحاب الركن الخامس: تعارف.. منافع .. دعوة وتجديد للحياة بالإسلام
الكاتب عبدالقادر أحمد عبدالقادر
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-2001
مشاهدات 67
نشر في العدد 1439
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 20-فبراير-2001
المتأمل في أركان الإسلام يجدها تحمل بنيان الإسلام جميعه، بل يجد أن الركن الواحد قد يحمل عددًا من الواجبات الشرعية حملًا لا يمكن فصلها عنه بحال من الأحوال. وفي رحاب الركن الخامس «ركن الحج» الذي نعيش أطيافه الآن، نستعرض بعض تفصيلات هذا المعنى لأهميته في فهم المسلم لدينه.
ليس الحج مقصورًا على الأركان والواجبات والسنن، بل يتجاوز تلك الشعائر المخصوصة إلى أعمال أخرى مقصودة:
1- فيحصل التعارف بين المسلمين، التعارف المفقود إلى حد كبير، ولقد صار حال بعض المجتمعات الإسلامية خاصة في المدن يؤسف له! حتى إن شعيرة إلقاء السلام قد تقلصت إلى حد لا يجعلك تشعر بالحياة بين مسلمين إلا من عصم الله.
۲- في الحج ينشط اقتصاد أم القرى ومن حولها، ولقد اتسعت دائرة من حولها، فلم تعد فقط بلدان الجزيرة العربية، فصارت الدائرة ممتدة القطر من جاكرتا، إلى نواكشوط!
بل إن بعض البلدان غير الإسلامية تنشط تجارته في الموسم، استجابة لدعوة باني البيت ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37). فتأتي ثمرات غير المسلمين مثلما تأتي ثمراتهم.
3- ويسافر العلماء، لمصاحبة الوفود، ولتعليم الحجيج، فتتلاقى عقول هؤلاء العلماء، وتتلاقح فتاواهم، فيزول شبح التعصب المذهبي، وينزاح التنافر الفقهي، وتتهيأ النفوس للوئام في مجالات الحياة بما يحقق الوحدة المنشودة.
4- في المشاعر المقدسة يشكل الحجيج دوائر في الطواف، وخطوطًا في السعي وتجمعات في «منى» و«مزدلفة» و«عرفات» فيستلهمون من تلك الأشكال أطرًا لحياتهم في جوانبها الاقتصادية والسياسية والصناعية والجهادية، وغيرها.
۲- وفي الحج تهيأت الدنيا لمولد دولة الإسلام:
إن ثلاثة مواسم للحج قد مهدت لإقامة الدولة الإسلامية، ثلاثة مواسم، والأصنام تحيط بالكعبة ... وفوقها! كان صلى الله عليه وسلم دائم البحث عن مكان، ومجتمع يكون مرتكزًا لانطلاق الدعوة بعدما صمت آذان أهل مكة، وما جاورها، ولم تعد لديهم قلوب تهتز لمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي». (رواه أبوداود وغيره).
إن حجبًا كثيفة كانت تمنع وصول نبرات الصوت الرباني إلى قلوب أقفلت مؤقتًا، فتحول الرسول إلى الموسم.
أ- في موسم الحج في السنة الحادية عشرة من البعثة عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه ودعوته على جماعة من الخزرج- قيل سنة، وقيل ثمانية- عند العقبة. فتذكروا ما كانت تقوله يهود: إن نبيًا مبعوثًا، الآن قد أهل زمانه، سنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم! فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: «تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه»، فأجابوا النبي وأسلموا .. ثم انصرفوا، ووعدوه المقابلة في الحج المقبل فلما عادوا إلى قومهم دعوهم إلى الإسلام حتى انتشر بينهم.
ب- وفي العام التالي- الثاني عشر من البعثة- جاء لأداء المناسك اثنا عشر رجلًا من المدينة، بعضهم ممن لقي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج السابق... فحدثت البيعة الأولى، وعند عودتهم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير- رضي الله عنه – ليعلمهم الإسلام، ويقرئهم القرآن... فلم تبقَ دار من الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون.
ج- وفي موسم الحج التالي- في العام الثالث عشر للبعثة- قدم مكة جمع كبير من مسلمي المدينة ضمن حجاج كثيرين من المشركين، وكان زعيم الجميع البراء بن معرور.
وهنا تداول أعضاء الوفد المسلم سؤالًا مهمًا: حتى متى تتركون رسول الله صلى الله عليه وسلم الله يطرد في جبال مكة ويخاف؟ ثم جرت بينهم وبين رسول الله اتصالات سرية أدت إلى الاتفاق على زمان ومكان اللقاء لإبرام أعظم اتفاقيات التاريخ الإسلامي.
اجتمع ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان- هما نسيبة بنت كعب «أم عمارة»، وأسماء بنت عمرو« أم منيع» (يلحظ هنا دور المرأة المسلمة)، وبعدما تمت البيعة اكتشف الشيطان الأمر فصرخ في أهل منى «إن الصباة قد اجتمعوا على حربكم» (رواه ابن إسحاق بإسناد جيد). ولكن هيهات هيهات يا شيطان العقبة (ورد أن اسمه أزب بن أزيب)، فإن كيدك ضعيف! وكان ما كان من أمر الهجرة من المهاجرين والنصرة من الأنصار، وخابت جميع أساليب محاربة الدعوة الإسلامية. وقامت الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، ثم زحف نورها ليضيء المشرق والمغرب، وتغير وجه الدنيا . هكذا فإن هناك ثلاث حجج، وضع فيها أساس الدولة الإسلامية، فماذا عسانا نضع من الأسس لحياتنا الإسلامية المعاصرة على أكتاف مليونين- على الأقل- يجتمعون في كل عام؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل