العنوان في رحاب ذكرى الشهيد سيد قطب مشهد من المحنة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
مشاهدات 58
نشر في العدد 683
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 18-سبتمبر-1984
ما أضعه بين يدي القارئ الكريم ليس مقالة سياسية أو قضية فكرية أو.. غير ذلك مما درجت على كتابته في مجلة المجتمع. إنما هو مشهد صغير بمساحته، بسيط في عرضه كبير في معناه ومدلوله، ليس من نسج الخيال. ولا نقلة من نقلات الرواة، ولا حدثني به أصحاب الأخبار، بل هو مشهد رأيته بأم عيني منذ ثمانية عشر عامًا أو يزيد حين كنت طالبًا في القاهرة، فقد تهيأت لي الظروف لزيارة مبنى الإذاعة المصرية المسمى «ماسبيرو» بناء على موعد سابق مع أحد الموظفين العاملين في المبنى، وعند وصولي للمبنى وسؤالي عن الشخص المطلوب قيل لي إن مقابلتي له سوف تتم بعد فترة وطلب مني الانتظار لحين دعوتي للدخول عليه. ورحت استغل فترة الانتظار متجولًا في الممر الدائري الذي يتميز به شكل المبنى وحيث تقع الغرف المتعددة على ذلك الممر بما يعرف باسم الأستديو الإذاعي وحيث ترى مجموعات من الممثلين والممثلات يجلسون هنا وهناك بانتظار بدء العمل في التمثيليات الإذاعية المختلفة في واحد من هذه الأستديوهات أو أكثر.. حسب حاجة البرامج الإذاعية التي سخرت في معظمها للتسبيح بحمد القائد الملهم وحبيب الشعب والتحدث عن منجزات عهده وانتظار الأمة له.. إلى آخر هذه الترهات التي كانوا يصدحون بها ليلًا ونهارًا في أوسع عملية غسيل دماغ جرت على أرض الكنانة.
أقول بينما كنت أقتل الوقت متجولًا في ذلك الممر الدائري وإذ بأحدهم يحمل بكلتا يديه مجموعة من شرائط التسجيل ويتجه مسرعًا نحو واحد من هذه الأستديوهات الإذاعية وهو ينادي على مجموعة من زملائه الفنيين المتواجدين في الممر طالبًا منهم أن يتبعوه إلى الأستديو، وقد ظهرت على ملامحه الجدية والاهتمام مما دفع الجميع إلى الاتجاه نحو ذلك الأستديو تحقيقًا لرغبته وإشباعًا لفضولهم الذي أثير نتيجة الموقف الجاد لزميلهم حامل التسجيلات، ولما دخل ودخلوا ضاق المكان بهم فاضطروا إلى ترك الباب مفتوحًا للحصول على مساحة أكبر تمكن الجميع من مشاهدة ما يجري في ذلك الأستديو، فانتهزت هذه الفرصة السانحة لإشباع الفضول الذي ولّده ذلك الموقف أو بالأحرى الفضول الذي أثاره التحرك السريع لمجموعة الموظفين والملامح الجادة التي رسمها على وجهه حامل التسجيلات.. ودلفت إلى ذلك الأستديو متخذًا لنفسي مكانًا عند بابه حاشرًا جسمي بين أجسام الموظفين الذين فقدوا الإحساس بوجودي بينهم لتوجه أحاسيسهم كلها نحو زميلهم الذي كان يقلب بين يديه الأشرطة يختار منها ما يتناسب مع ترتيبها الرقمي، وما أن وضع الشريط المناسب داخل الجهاز الفني حتى ساد الهدوء وبدأت أسماع المتواجدين تتجه نحو الجهاز بانتظار ما سينقله إليهم وهنا ترامى إلى مسامعنا كلمة باسم الشعب وتلتها كلمات تدل على أن ما نسمعه هو قرارات محكمة وحيثيات حكم، ولم ننتظر طويلًا حتى كان صوت الفريق فؤاد الدجوي رئيس المحكمة الناصرية يقول حكمت المحكمة حضوريًّا على المتهم سيد قطب بالإعدام. وعلى الفور تبعت كلمة الإعدام أصوات ونداءات وهتافات تقول الله أكبر ولله الحمد، مبروك عليك الشهادة يا أستاذ سيد، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، إلى اللقاء في جنات الخلود..
ويوقف جهاز التسجيل هنا ليقوم صاحبه بحركة فنية تعيد الشريط إلى حيث نطق الدجوي بكلمة الإعدام ثم توقفه ليبدأ بمسح أصوات وهتافات ونداءات زملاء الشهيد الذين كانوا يجلسون في قفص الاتهام ينتظرون دورهم في قرارات المحكمة.
ثم يأتي دور الشهيد عبد الفتاح إسماعيل فنسمع قرار الدجوي مشابهًا لقراره في حق الشهيد سيد قطب، وعلى الفور تتبع كلمة الإعدام أصوات ونداءات وهتافات تقول الله أكبر ولله الحمد، مبروك عليك الشهادة يا أستاذ عبد الفتاح، أنتم السابقون ونحن اللاحقون..
وأيضًا يوقف جهاز التسجيل هنا ليقوم صاحبه بعملية المسح لهذه الأصوات كما فعل سابقًا.
ثم يتكرر ما سمعناه بعد كل حكم يعلنه الفريق الدجوي وتتكرر أيضا عملية المسح لتلك الأصوات، وحين سألت من يعرف بهذه الأمور الفنية قيل لي إن هذه العملية تسمى بالمونتاج حيث يطرح من الشريط ما ليس مرغوبًا في سماعه. وحينها لم أفطن إلى الأسباب الموجبة لهذا المونتاج إلى أن كانت الساعة العاشرة مساء حيث عرض راديو القاهرة صورة صوتية لقرارات المحكمة الناصرية في حق الدعاة إلى الله من أمثال الشهيد سيد قطب ورفاقه، وذلك ضمن برنامج إذاعي يومي اسمه شريط الأنباء وفيه ينقل المذيع صورة صوتية لما جرى داخل المحكمة، وإذ بي أفاجأ بأن الشريط لا يتضمن سوى صوت الفريق الدجوي وهو يتلو قراراته وكأنها متتابعة لا يفصلها فاصل، وسألت نفسي أين الهتافات والنداءات التي ضجت بها قاعة المحكمة وهي تخرج من قلوب رفاق الشهيد سيد قطب وهم يهنئونه بالشهادة ويمنون أنفسهم بالحصول عليها، ولم تدم حيرتي طويلًا فقد خرجت علينا صباح اليوم الثاني الصحف الناصرية السوداء تنقل تحقيقًا صحفيًّا عما دار في قاعة المحكمة فتقول إن المتهمين أصابهم الوجوم والخوف عند سماعهم قرار المحكمة بإعدامهم، وعندها علمت لماذا كانت عملية المونتاج الإذاعي لما جرى في قاعة المحكمة، ولماذا نقلت الإذاعة عبر برنامجها «شريط الأنباء» الوصف المشوه والمبتور لأحداث المحكمة، ولماذا سطّرت الصحف السوداء تحقيقها المناقض لحقائق الأحداث..
لقد كان الإعلام الناصري وعلى عادته التي اجترها طوال سنوات الحكم الناصري ينقل إلى الشعب المصري الأحداث المختلفة سياسية كانت أم اقتصادية أم عسكرية.. بعد أن يقلب حقائقها إلى أباطيل وليجعلها تدور فقط ضمن المصالح العليا للنظام الناصري، ومن هنا كانت عمليات المونتاج الإعلامي بشتى صوره وأشكاله توظف فقط لخدمة هذه السياسة الإعلامية.
لقد حاولت هذه السياسة الإعلامية أن تعطي للمواطن المصري صورة مهتزة للشهيد قطب وإخوانه فجعلت الثبات وجومًا والقبول بقضاء الله خوفًا.. ونسيت أو تناست أن من يقول لن أسترحم الباطل لا يمكن أن يصاب بالوجوم.. ومن يرفع أصبعه بشهادة التوحيد لا يخاف.. ومن يطلب الشهادة لا ينتظر عداها..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل