; في رمضان: الصيام بين الإمساك والإخفاء | مجلة المجتمع

العنوان في رمضان: الصيام بين الإمساك والإخفاء

الكاتب علي عبد العزيز

تاريخ النشر الثلاثاء 05-يونيو-1984

مشاهدات 59

نشر في العدد 674

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 05-يونيو-1984

للصيام معنيان: الأول هو الإمساك والثاني هو الإخفاء... 

أولًا: فالإمساك يعني عدة صور من أبرزها:

1- الإمساك عن الكلام ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾  (مريم: 27).

2- الإمساك عن الطعام ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (البقرة: 187).

3- الإمساك عن النساء ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (البقرة: 187).

4- الإمساك عن الأعمال «من لم يدع قول الزور والعمل به».

(1) إذن فاعتبار الصيام إمساك عن الكلام كما جاء في التنزيل على لسان مريم رضي الله عنها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (مريم: 27). فهذا يقتضينا أن نشعر بخطورة الكلمة سواء كانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية: لأن الكلمة التي تقال ولا يلقى لها بال تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفًا وإن حصاد اللسان كفيل جدًا أن يكب المسلم على وجهه في النار خزيًا وندامة وأنه ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ (النساء: 114)، وفي الحديث «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

(2) أما كون الصيام: إمساك عن الطعام كما هو مشار إليه في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ (البقرة: 187) فهذا يقتضينا أن نمسك عن كل طعام لا يعين على قبول الدعاء الذي هو مخ العبادة لأن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين في هذا الصدد فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (المؤمنون: 51) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: 172) «وإن الرجل الأشعث الأغبر الذي مأكله حرام ومشربه حرام وملبسه حرام ثم يرفع يديه إلى السماء ويقول يا الله يا الله فأني يستجاب له» وقديمًا عندما اعترض أحد ابني آدم على قبول هدية أخيه دون هديته كان الجواب واضحًا في كتاب الله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(المائدة: 27).

(3) أما الإمساك عن الاقتراب من النساء الواضح في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (البقرة: 187). فهو نهي يشير إلى منطقة خطرة لأن المباشرة والاحتواء والضم والقبلة وما شابه ذلك من أسباب الانزلاق... إلخ مقدمات لا شك أنها تسلم لا محالة إلى الوقوع في المحظور لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه.

إن الله عندما نهى عن الزنا لم ينه عنه مباشرة وإنما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا(الإسراء: 32). والشيء نفسه عندما نهى عن الجماع في مدة الحيض لم يعرض إليه مباشرة بل قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ(البقرة: 222). لأن القرب مدعاة للوقوع وهذا هو الذي أشارت إليه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للسائل عن القبلة أو المباشرة في رمضان فقالت «وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه» أو كما جاء في الأثر.

(4) أما الأعمال المراد الإمساك عنها فهي المحددة في الزور والزور في القول هو الكذب والزور في الأعمال هو الانحراف عن الشيء كما جاء في التنزيل ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾  (الكهف: 17).

إذن فالقول الكذب ليس مقبولًا من الصائم ولو كان مزاحًا رغم أنه غير مقبول من المسلم إطلاقًا سواء كان صائمًا أو غير صائم وكذلك الأعمال التي من شأنها الابتعاد عن الجادة غير مقبولة من المسلم في صيامه أو في غير صيامه وإلا صار نصيب الصائم من صيامه لا شيء سوى التعب والنصب أو الجوع والعطش وبالتالي يحرم شرف النسبة بصيامه هذا إلى الله تبارك وتعالى لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيبًا... ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ. (فاطر: 10).

ثانيًا: أما المعنى الثاني للصيام الذي يحمل معنى الإخفاء فهو مأخوذ من الحديث «الصيام جنة» ومعنى أنه من الاجتنان بمعنى الإخفاء ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ(الأنعام: 76) ومن هنا سمي الجنين جنينًا لاختفائه في بطن أمه وسمي الجن جنًا لاختفائه عن عيون الناس ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ (الأعراف: 27).

وعلى هذا فلا بد أن يكون الصيام واقيًا للصائم من ضربات العدو الخارجي من شياطين الجن والإنس ومن ضربات العدو الداخلي من نفس وجنس تمامًا كالمجن على الرأس ليقيها أو القميص على الصدر ليحميه وإلا كان نصيب الصائم من صيامه لا شيء سوى الجوع والعطش أو الكد والنصب فضلًا عن إحباط عمله وإبطال قصده ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (محمد: 28).

1) فالصيام واق للصائم من عبث الشياطين لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم وإن الصيام من أكثر العوائق للشيطان على عربدته في جسم الإنسان، ولقد أعان الله تبارك وتعالى الإنسان في صومه على الشيطان حين أبعده عنه في شهر الصيام وذلك حين قيد الشياطين وأغلق أبواب الجحيم إذن فإذا كان الصوم قمعًا للشيطان وسدًا لمسالكه وتضييقًا لمجاريه كان الطبيعي أن يستحق التخصيص بالنسبة إلى الله لأن في قمع عدو الله نصره لله ونصر الله موقوف على النصرة له كما جاء في التنزيل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ (محمد: 7). فالبداية بالجهد من العبد والجزاء بالهداية في النهاية من الرب ولذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا (العنكبوت: 69).

ومن هنا يأمن الصائم وسوسة الخناس من الناس كما يطمئن على نفسه من تدسسه عليه سواء كان من الجن أو الإنس على السواء وصدق الله إذ يقول ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ (الحجر: 42). 

2) والصيام واق أيضًا من تسلط النفس وثورة الجنس لأن النفس أمارة بالسوء لولا أن الوحي عقلها وأن فورة اللحم لا حد لها لولا أن الصيام كبح جماحها وصدق الله إذا يقول: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (يوسف: 25) ومن هنا كان لا بد من اختفاء نوازع الشر في الإنسان وبروز دوافع الخير فيه حيث كامنة النفس من كبريائها وتخلت الشهوة عن فورانها الأمر الذي كان انتصارًا للجانب الروحي في الإنسان على الجانب الحيواني فيه وصدق الله إذ يقول: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (الشمس: 7 – 10).

3) إن الصيام كذلك واق للعبد من عبودية المال وفتنة الأولاد لأن العبودية خضوع وانعطاف فإذا خضع القلب أو انعطف القصد إلى شيء ما صار معبودًا بغض النظر عن أحقيته للعبادة أم لا ومن أجل ذلك جاء في الحديث «تعس عبد الدرهم....» هذا في المال أما في العيال فإن الفتنة فيها قد تكون بالاختبار أو الانصراف أو الهلاك لأن الأولاد قد تكون مجبنة أو مبخلة أو مقتلة... إلخ.

وقد يختبر العبد في ولده كما وقع يوم الذبيح أو يصرف العبد عن عهده بسبب ولده كيوم الطوفان أو يهلك العبد لتقديم ولده عن الجهاد في مرضاة الله... إلخ.

فالصيام واق للجبن لأن كثيرًا من الغزوات صال وجال فيها الصائمون دون غيرهم.

والصيام واق كذلك من الهلاك لأن المسلين الأوائل لم يتعرضوا إلى هذا الهلاك إلا عندما قعدوا عن الجهاد حتى نزل فيهم ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة: 195) وكان السبب في نزولها كما صرح بذلك بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الركون إلى الأموال والأولاد ومحاولة التخلي عن القتال والجهاد حتى تعرضوا لهذا العتاب ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة: 195).

4) وبعد هذا العرض الموجز لكل من المعنيين «الإمساك والإخفاء» يتعين على المسلم إذا ما أراد أن يصوم صيامًا يشفع له عند ربه أن يتوخى الآتي:

أ- الإمساك عن الحرام إذا ما أردنا أن نستفيد من الإمساك عن الحلال.

ب- الإخفاء لكل ما تتطلبه النفس من أشياء تكون مهلكة للعبد لوقوعه في غضب الرب مهما كانت محببة للنفس.

جـ- اعتبار الصيام أداة فعالة للوقاية من الشيطان والشهوات وما في الإنسان من حاجيات عضوية أو غرائز نوعية تريد الإشباع بأي صورة كانت وعن أي طريق يشبع سواء كان من حلال أو حرام ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا (النور: 21).

د- الاحتفاظ بالصيام الحق للإبقاء على شرف النسبة إلى الله فإن الله جلت قدرته أغنى الشركاء فمن عمل عملًا كان لغير الله فيه نصيب فهو منه براء «فمن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد... ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

هذا وبالله التوفيق...

الرابط المختصر :