; في إشكالية التمايز بين الشعوب وبين الذكر والأنثى | مجلة المجتمع

العنوان في إشكالية التمايز بين الشعوب وبين الذكر والأنثى

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

مشاهدات 51

نشر في العدد 2087

نشر في الصفحة 55

الثلاثاء 01-سبتمبر-2015

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات)، هذه واحدة من مبادئ القرآن التأسيسية في الحياة البشرية والتي تؤكد فكرة "التنوّع" بين الأمم والأقوام والجماعات والشعوب، وتلغي مقولات "نهاية التاريخ"، كما تؤكد فكرة "التنوّع" بين الذكر والأنثى، وتلغي مقولات المؤتمرات الخاصة بالمرأة في بكين والقاهرة.. 

وكلتا النظريتين بخصوص نهاية التاريخ، ومساواة المرأة بالرجل، تسعى إلى تغيير خلق الله، وتقود الإنسان إلى التعاسة والشقاء. 

ذلك أن إلغاء التمايز الثقافي والاجتماعي بين الأمم والأقوام والجماعات والشعوب، ومحاولة صبّها في قالب واحد، سواء على الطريقة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي المنحل الذي خرج لهذا السبب – ولغيره من الأسباب – من التاريخ، أو على الطريقة الرأسمالية الليبرالية في أمريكا، والتي نظّر لها المفكر الأمريكي "فرنسيس فوكوياما"، ثم ما لبث أن وجد أن إرغام الأمم والشعوب على التخلّي عن خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، للحاق بالنموذج الليبرالي الأمريكي، أمرٌ يكاد يكون مستحيلاً، ولذا قام بعد سنوات قلائل من إعلانه عن نظريته تلك، بجملة من التحويرات التي أعطت للأمم والشعوب هامشاً واسعاً من التنوّع والتغاير.

والذي حدث في الاتحاد السوفييتي أن حشود الشعوب التي أرغمت على تبني النظرية الماركسية وخضعت لهيمنة روسيا الشيوعية، أرغمت على التخلي عن خصوصياتها الثقافية والدينية والاجتماعية؛ من أجل الانتماء، بمعايير المسطرة والفرجال (البرجل)، للنموذج الماركسي السوفييتي، وجرت محاولات هائلة، على مستوى الإعلام والتربية والثقافة والتعليم والسياسة والأمن لتنفيذ المطلوب، أنفقت مئات الملايين من الروبلات لتحقيق هذا الهدف، وكانت النتيجة المزيد من تشبث تلك الشعوب بأديانها وتقاليدها الثقافية والاجتماعية، ورفض الانضواء الأصمّ إلى النموذج الماركسي السوفييتي. 

فلقد سبق وأن حلم "ماركس"، و"أنجلز" بنهاية للتاريخ حين تتسلّم الطبقة العمالية (البروليتاريا) مقاليد الحكم في العالم، حيث لا تغيير بعدها ولا تبديل، وحيث ستتحول جميع الشعوب المنضوية تحت المظلة الماركسية إلى شعب واحد ذي مواصفات ثقافية واجتماعية واحدة، وكأنها نتاج مصنع كبير، ثم ما لبث هذا الحلم أن تأكد زيفه وعدم قدرته على الاصطراع مع قوانين الحركة التاريخية. 

الأمر نفسه حدث بالنسبة لنظرية "فوكوياما" في نهاية التاريخ، وجاءت أمريكا إلى أفغانستان والعراق بحجة نشر مبادئها الليبرالية وامتدادها فيما بعد إلى دول أخرى، ولكنها ما لبثت أن ارتطمت بالحقائق الواقعة على الأرض، وتبيّن أن إرغام الشعوب على اللحاق بالنموذج الأمريكي أمرٌ يكاد يكون مستحيلاً. 

إنهم في الحالتين أرادوا تبديل معادلات الخلق الإلهي التي أعلنتها الآية المذكورة، أن الله سبحانه وتعالى جعل البشرية شعوباً وقبائل لتتعارف، أي ليتميز بعضها عن بعض، وأي مداخلة بشرية لتغيير هذه الواقعة المؤكدة والثقيلة، قاد أو سيقود العالم إلى الدمار بمستوياته كافة. 

وأما إشكالية الذكر والأنثى، والتي سعت المؤتمرات العالمية التي تشرف عليها المؤسسات المشبوهة؛ الماسونية والصهيونية والعلمانية والإلحادية ودور القوادة العالمية، إلى تحقيق المساواة المطلقة بين الطرفين، وإطلاق العنان لإشباع النزوات الشاذة بما في ذلك الزواج المثلي؛ أي زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، وتدمير منظومة المفاهيم الحضارية للأسرة، وتسليم المرأة القوامة على الحياة، وإطلاق حريتها في العمل والكسب والاختلاط، والفحش والفجور، إلى مدياتها القصوى، وغير ذلك مما أقرّته توصيات مؤتمرات بكين والقاهرة وغيرها؛ الأمر الذي استفز المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر والفاتيكان اللذين أعلنا إدانتهما لنتائج هذه المؤتمرات، وأكدا حتمية التغاير بين الذكر والأنثى، من أجل حماية القيم الدينية والأخلاقية، وقبل ذلك من أجل حماية مؤسسة الأسرة كواحدة من أكبر المؤسسات تحضراً وتماسكاً، وقدرة على تخريج أجيال من الناس الأسوياء الذين يقدرون على تحمّل مسؤولياتهم الاجتماعية والوظيفية والحضارية في نهاية الأمر، دون أن تجنح بهم جوانح الشذوذ والالتواء النفسي والسلوكي، ورفض فكرة الزواج وإنشاء الأسرة، وإنجاب الأطفال لغرض مواصلة الحياة. 

إنها باختصار شديد التقابل بين الله والشيطان، وصراع التطهر والعهر، وتقاتل النزوع التحضري مع العنف والانفلات والهمجية، وتقابل الحرية المنضبطة، مع القسر والإرغام والعبودية.

ترى.. لأيهما سيكون الانتصار؟! 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1788

59

السبت 09-فبراير-2008

المجتمع التربوي.. عدد 1788

نشر في العدد 1956

85

السبت 11-يونيو-2011

« العلماني».. من هو؟