العنوان في ضرورة الاستمرار
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 29-أغسطس-2009
مشاهدات 71
نشر في العدد 1867
نشر في الصفحة 62
السبت 29-أغسطس-2009
(*) باحث وأكاديمي عراقي
لم يكن «الغزالي» آخر من كتب في «إحياء علوم الدين»، ولم يكن «مالك بن
نبي» الوحيد الذي تحدث عن هندسة الفكر الإسلامي بمواجهة الغزو الثقافي للحضارة
الغربية الغالبة، ولن يكون «النورسي» متفردًا في ساحة الرؤية الإسلامية الكونية
للحياة، تلك التي تلم في كل متوحد: الظاهر والباطن، والعقل والروح، والعلم
والوجدان، ولن يكون «إقبال» آخر شاعر وفيلسوف يتحدث عن الذات الإسلامية في مواجهة
نداءات العالم وتحديات الفناء.
و «محمد أسد»، (ليوبولد فايس) لن يكون أول ولا آخر من كتب عن الكيفية
التي يعتنق بها الغربي التائه: الإسلام، ولماذا؟ وهكذا يقال عن سيد قطب، ومحمد
قطب، ومحمد الغزالي، والقرضاوي، والعلواني، والبوطي، ومحمد البهي، ومحمد عمارة،
والندوي، والمودودي، وأبو سليمان، وعبد المجيد النجار، والغنوشي.. وخط طويل من الباحثين
والمفكرين الإسلاميين لا يتسع المجال لذكرهم.
ففي طريق الفكر الإسلامي ثمة - دائمًا - الأتباع والطلبة والمريدون..
ثمة - أبدًا - من يتلقى الإشارة ويواصل الطريق مضيفًا مبدعًا، ومجتهدًا..
إن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في عقولنا وقلوبنا جميعًا، ولن نكون أبناء الإسلام بحق إن سمحنا للعقد الفريد أن تنفرط
حباته، وللسلسلة المباركة أن تتفكك وتضيع.. فمن يدل الأجيال تلو الأجيال على معالم
الطريق؟ من يأخذ بأيديهم إلى الله؟ من؟
إنها مسؤوليتنا جميعًا، ولن يعذر منها أحد دون أحد.. وهي فرض عين على
كل من يحمل القلم.. أن يؤدي الأمانة وأن يحمل الخطاب الإسلامي إلى سمع العالم
وعقله ووجدانه، داخل ديار الإسلام وخارجها، وكل بما يسره الله له.
ونحن نشهد - بالفعل - عبر العقود الأخيرة تدفقًا مدهشًا للكتاب
الإسلامي.. وأصبحت المكتبات الخاصة والعامة تنوء رفوفها بهذا الكتاب الذي مضى
أصحابه يعالجون شتى القضايا والمشكلات والظواهر والحالات.. يلاحقون المستجدات،
ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة ويستجيبون للتحديات..
ما من جانب من جوانب الفكر والحياة إلا وأدلوا بأقلامهم فيه وقالوا
كلمتهم..
إنها ظاهرة فريدة تبشر بالخير الوفير، وتعد بالعطاء الخصب، ما شهدها مذهب
من المذاهب أو دين من الأديان.. وزادها عطاءً وخصبًا ما يمكن اعتباره انفجارًا في
الدراسات العليا التي راحت تغذي المكتبة الإسلامية بسيل من الرسائل والأطروحات
التي تعالج برؤية تخصصية فاحصة مدققة هذه الجزئية أو تلك، وهذه الظاهرة أو تلك، في
مساحات الفكر والحياة الإسلامية.. ولكن!!
ثمة ما يجب أن يقال.. وأن ينبه عليه.. وقفة لمراجعة الحساب، إذا صح
التعبير، فإن هذا السيل المتدفق للكتاب الإسلامي ينطوي على الكم والنوع، وما دام
أن جهدًا ما بدرجة أو أخرى، قد بذل في إنجاز كل كتاب، أفلا يتحتم أن نتجاوز
التكرار ومعالجة الموضوع الواحد عشرات المرات وربما المئات؟ ألا يُعد هذا نوعًا من
الهدر في الطاقة التي نحن بأمس الحاجة إلى ادخارها لتقديم شيء جديد؟
هذه واحدة.. والأخرى أن من بين هذا الكثير الذي يكتب مساحات واسعة..
واسعة جدًا.. لا تنطوي على أي تصميم فكري ذي غناء، أو كشف يقدم جديدًا للعقل
المسلم والمكتبة الإسلامية، أسوة بما قدمه الرواد الذين المحنا إليهم.. ألا تعد
التعميمات الإنشائية نوعا من التضييع والهدر هي الأخرى.. هدر مزدوج للمؤلفين
والقراء على السواء؟
ويتمنى المرء، فيما يتمناه أن لو تكون هناك لجنة أو هيئة ثقافية عليا
تنضوي تحت لواء واحدة من المؤسسات الإسلامية الكبرى يلجأ إليها المؤلفون، وحتى
طلبة الدراسات العليا لكي ترشدهم إلى الموضوعات التي تستحق الجهد، وتحذرهم - في
الوقت نفسه - من تضييع وقتهم ووقت القراء فيما لا جدوى منه، ولا غناء فيه من
الموضوعات المكررة والإنشائيات التي يُسمع لها جعجعة ولا يُرى لها طحين!