العنوان في ظل المبادرات التصالحية الجديدة: سيناريوهات المستقبل في الصومال
الكاتب إبراهيم الدسوقي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
مشاهدات 50
نشر في العدد 1225
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 12-نوفمبر-1996
ظل لهيب الحرب الأهلية المدمرة مشتعلًا وأصوات المدافع تخترق الأجواء، وأنين الجرحى، وأهات الضحايا، وعويل الثكالى، وصراخ اليتامى يعلو في جميع أرجاء الصومال طيلة السنوات الثماني العجاف الماضية، وهذه الحروب الأهلية الطاحنة أودت بحياة مئات الآلاف من الأبرياء وتسببت في سقوط أعداد كبيرة من الجرحى والمعوقين، كما نتج عنها تشريد أكثر من نصف مليون إلى جميع أرجاء المعمورة، يتجرعون كؤوس العسف والهوان، بالإضافة إلى الدمار والخراب الذي أصاب جميع المرافق الحيوية، والمؤسسات الخدماتية، الأمر الذي جعل حياة الملايين من الشعب الصومالي مرًا لا يذاق، وجحيمًا لا يطاق.
وقد عقدت مؤتمرات كثيرة لإحلال السلام وتحقيق المصالحة بين الفصائل المتناحرة في الصومال، بيد أنها منيت بالفشل الكامل للأسباب الآتية:
١- اتباع منهجية غير صحيحة تقوم على حصر جهود المصالحة على رؤساء الفئات المتصارعة واعتبارهم وكلاء شرعيين، وممثلين حقيقيين عن الشعب الصومالي، بينما كان المفروض إشراك جميع الفعاليات السياسية والاجتماعية في عمليات المصالحة إلى جانب زعماء الجبهات المتنافسة.
٢- تعمد عقد مؤتمرات المصالحة في بلدان بينها وبين الشعب الصومالي عداء تاريخي مثل إثيوبيا التي مازالت تحتل أراض صومالية شاسعة «الصومال الغربي»، وكان هناك تركيز مشبوه من جانب القوى الدولية على إثيوبيا التي اختيرت لتكون وصية وراعية على الشؤون الصومالية، لأن هناك رغبة دولية «إسرائيلية وأمريكية» في إعداد إثيوبيا- ذاك العدو التاريخي للشعب الصومالي- للهيمنة على القرن الإفريقي ذي الأهمية الإستراتيجية القصوى ولو كان هناك أدنى احترام للشعور الوطني تجاه الشعب الصومالي لعقد هذه المؤتمرات في الحواضر الإسلامية والعربية حتى تأخذ مسارها الصحيح ومجراها الطبيعي.
٣- اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية من جانب الولايات المتحدة التي كانت تقود قوات التدخل الدولي في الصومال، كوسيلة الحسم الصراع السياسي، وفرض حل أمريكي على الشعب الصومالي.
وبعد أن باء المخطط الأمريكي بالفشل الذريع نفضت كل من الولايات المتحدة والأمم المتحدة يدها عن قضية الصومال، وطوت ملفها، وألقت به إلى غياهب الرفوف، ولم تظهر في الساحة أي مبادرة حول تحريك عملية المصالحة المتجمدة منذ مؤتمر نيروبي عام ١٩٩٤م إلا ما كان من الحكومة المصرية التي أرسلت في منتصف شهر يونيو حزيران من هذا العام وفدًا ثلاثيًا لتقصي الحقائق، هذا ولقد أجرى هذا الوفد المصري محادثات مع كبار زعماء الفصائل المتنازعة في الصومال، إلا أنه لم يتمخض عن هذه المبادرة المصرية أي نتائج عملية.
مبادرة يمنية
وفي شهر أيلول- سبتمبر المنصرم وجه الرئيس اليمني علي عبد الله صالح دعوة إلى بعض كبار زعماء الفصائل الصومالية لزيارة صنعاء الإجراء محادثات معهم حول عقد مؤتمر تشترك فيه جميع الفعاليات السياسية لإنهاء الأزمة السياسية وحل المعضلة الصومالية الشائكة، وفعلًا تمت هذه الزيارة وسط أجواء متفائلة قادت إلى أنتعاش عملية المصالحة التي ظلت في بيات شتوي أكثر من عامين.
ويبدو أن اليمن يشعر بالقلق المتزايد من جراء تنامي نفوذ «محور» إريتريا- إثيوبيا الذي تقف وراءه كل من إسرائيل والولايات المتحدة لبسط أشرعة النفوذ الصهيوني والصليبي على منطقة القرن الإفريقي، والبحر الأحمر، وللاستيلاء على الممرات المائية الاستراتيجية في هذه المنطقة.
وهذه الأحداث الأخيرة أثارت مخاوف الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، حيث أدركت -وربما بعد فوات الأوان- أهمية الصومال بالنسبة لإستراتيجياتها الأمنية، إذ كان الصومال عبر التاريخ السد المنيع ضد أطماع القوى النصرانية في المنطقة.
ومن الواضح أن الدول العربية التي كانت تتفرج على مأساة الشعب الصومالي، قد أحسن الآن أكثر من أي وقت مضى بالأخطار المحدقة بها من كل جانب، وتعض اليوم على أصابع الندم على تفريطها في هذا الشعب المقاتل.
والمبادرة اليمنية كانت تندرج تحت إطار عربي حيث التقى الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور عصمت عبد المجيد بالوفود الصومالية الزائرة لليمن، وأجرى معهم المحادثات حول حل عربي للمعضلة الصومالية، علاوة على ذلك فإن جامعة الدول العربية عينت ثلاث دول عربية هي مصر وتونس وليبيا لدعم المبادرة اليمنية ومساندتها.
ردود فعل المبادرة اليمنية
هذا ولقد أثارت هذه المبادرة العربية ردود أفعال قوية لدى دول المنطقة المسيحية وخاصة إثيوبيا التي تستغل الأجواء المعادية للإسلام التي خلقها النظام العالمي الجديد من جهة، والأوضاع المأساوية والظروف الحرجة التي يمر بها الشعب الصومالي من جهة أخرى، لتصفية حساباتها القديمة مع الشعب الصومالي، فأبرمت صفقات كبيرة مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة المحاربة الإسلام الأصولية في الصومال، على أن تحصل مقابل ذلك المشروع على احتياجاتها من عتاد حربي ودعم مالي.
وفي هذا الإطار أبرمت الإدارة الأمريكية مع السلطات الإثيوبية صفقة لتحديث القوات الإثيوبية وإعادة تسليحها، وخاصة في مجال الطيران وأعلن متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية البنتاجون عشية توقيع هذه الاتفاقية، بأن أمريكا تعتبر رئيس الوزراء الإثيوبي السيد «ملس زناوي» الزعيم الوحيد في المنطقة الذي يمكن الاعتماد عليه في مواجهة خطر الأصولية والدول الإسلامية المتطرفة مثل السودان، بل وإيران أيضًا...
غزو إثيوبي
ولتحقيق مخططاتها القديمة الرامية إلى ابتلاع الصومال من جهة، وتنفيذ سياسة النظام العالمي الجديد إسرائيل وأمريكا، من جهة أخرى قامت القوى الإثيوبية في الثامن من شهر أغسطس «آب» المنصرم بشن هجوم واسع النطاق على ثلاث مدن في محافظة جدو في الجنوب الغربي من الصومال، وارتكبت مجزرة بشرية مروعة، راح ضحيتها المئات من المدنيين الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ، إلى جانب تشريدها لمئات الآلاف الآخرين الذي يتضورون جوعًا بعد أن نهبت جميع ممتلكاتهم القوات الغازية، كما قامت بإبادة الثروة الحيوانية في المناطق التي شملها الهجوم وذلك في غياب أي ذريعة مقبولة يمكن أن تستند إليها أديس أبابا في أعمالها الوحشية.
ولم تنتظر الحكومة الإثيوبية التي جن جنونها من جراء المبادرة العربية التي تعيد القضية الصومالية إلى إطارها العربي أو محيطها الطبيعي عودة الوفود الصومالية الزائرة لليمن إلى البلاد، بل وجهت إلى معظم الفصائل الصومالية دعوة الزيارة أديس أبابا، هذا وقد استجابت معظم الفصائل للدعوة الإثيوبية، إلا أنها أوفدت مسؤولي الدوائر السياسية، وأثناء تلك الزيارة ركزت السلطات الإثيوبية على قضيتين:
الأولى: ضرورة تنسيق الجهود بين الجانبين لمحاربة ما أسموه بالإرهاب الذي تقوم به الجماعات الإسلامية المسلحة، وحول هذه القضية توصل الجانبان إلى اتفاق يتم بموجبه تشكيل لجنة ثنائية عسكرية تقوم بمراقبة تحركات العناصر المسلحة التي تسعى إلى القيام بأعمال عسكرية ضد مواقع الحكومة الإثيوبية، الأمر الذي يعتبر نذير شؤم، بل واحتلالًا عسكريًا إثيوبيًا للصومال، واعتداءً صارخًا على سيادتها وكرامتها، مع العلم بأنه ليس هناك أي عمليات عسكرية تقوم بها جماعات إسلامية.
الثانية: عقد مؤتمر للمصالحة بين زعماء الفصائل المتناحرة في الصومال تحت رعاية الحكومة الإثيوبية، وبدعم الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، وبعض الدول الأوروبية ولتهميش المبادرة اليمنية التي تحظى بدعم عربي وفرنسي من جهة، ولتعزيز المبادرة الإثيوبية من جهة أخرى التقى السفير الأمريكي في أديس أبابا «ديفيد شين» -صاحب نظرية توحيد دول منطقة القرن الإفريقي في كونفدرالية، وتحت الهيمنة الإثيوبية- بالوفود الصومالية الزائرة لأديس أبابا ولدغدغة مشاعر النزعة الإفريقية لدى بعض زعماء الفصائل، أكد لهم دعم بلاده لما سماه بمبادرة إبقاء القضية الصومالية في محيطها الإفريقي ولذلك أقحم السفير الأمريكي منظمة الوحدة الإفريقية في المبادرة الإثيوبية الأمريكية لسحب البساط من تحت أقدام الجهود العربية المخلصة.
وعلى ضوء العداء التاريخي القديم بين إثيوبيا الصليبية، وبين الصومال المسلمة، وتمشيًا مع الفرضية الأمريكية الرامية إلى تذويب الصومال وبقية شعوب المنطقة في إطار وحدة كونفدرالية تتزعمها إثيوبيا التي تمثل مخلب قط للسياسة الأمريكية في المنطقة، فإن الحكومة الإثيوبية تعمل على إجهاض أي مبادرة جادة ومخلصة تسعى إلى إعادة بناء الصومال من جديد، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تحيي أمال الشعب الصومالي في استعادة أراضيه التي ترزح تحت الاحتلال الإثيوبي وهي منطقة الصومال الغربي.
وبينما كان يدور نقاش حاد بين أنصار المبادرة اليمنية- العربية، وبين أنصار المبادرة الإثيوبية- الأمريكية، فاجأ الرئيس الكيني الجميع، وحشر نفسه في القضية الصومالية الشائكة فوجه دعوة إلى كل من حسين عيديد وعلي مهدي، وعثمان عاتو، وغيرهم من زعماء الفصائل الصومالية المتنازعة لزيارة نيروبي وفعلًا تمت هذه الزيارة بحضور الجميع، واتفقت الأطراف الصومالية على وقف إطلاق النار، وإزالة الحواجز المصطنعة والسماح للمواطنين والسلع بحرية الحركة والتنقل في طول البلاد وعرضها كما اتفقت الأطراف على مواصلة المحادثات حول القضايا المصيرية، مثل إعادة فتح الميناء البحري والمطار الدولي في مدينة مقديشو العاصمة، إلا أن قمة نيروبي أخفقت في إيجاد حل للمشكلة السياسية المستعصية، ويرى المراقبون أن النقاط التسع التي تضمنتها اتفاقية نيروبي لا تعدو كونها مجرد قناع للتستر على الفشل الذي منيت به قمة نيروبي لحفظ ماء الوجه للرئيس الكيني الذي بذل جهودًا مضنية في تلك القمة.
وهكذا تحمل إثيوبيا بإحدى يديها خنجرًا مسمومًا لتقطيع أوصال الشعب الصومالي، بينما تحمل في يدها الأخرى غصن الزيتون لخداع الدهماء.
وعلى صعيد آخر فإن الحكومة الإثيوبية لم تتخل عن مبادرتها، وتبذل قصارى جهدها في إقناع زعماء الفصائل المتناحرة في الصومال بزيارة أديس أبابا لتبني المشروع الإثيوبي- الأمريكي الخاص بالقرن الإفريقي.
ومن المتوقع أن يتوجه كبار زعماء الفصائل الصومالية إلى أديس أبابا في القريب العاجل لفرض النظرية الأمنية الإثيوبية القائمة على محاربة الأصولية الإسلامية- على الطرف الصومالي- وذلك بتوقيع اتفاقية حول تشكيل لجنة عسكرية تضم خبراء من الجانبين المراقبة الحدود بين البلدين، الأمر الذي يعطي للقوات الإثيوبية حرية العمل داخل الأراضي الصومالية تحت ذريعة تعقب العناصر الإسلامية المسلحة، وإلى جانب ذلك تحاول الحكومة الإثيوبية إقناع زعماء الفصائل الصومالية بعقد مؤتمر عام للمصالحة الوطنية يؤدي إلى تشكيل حكومة صومالية صديقة للمحور الإثيوبي- الأمريكي- الإسرائيلي، ومعادية للعرب والمسلمين.
مؤتمر بوصاصو
وأثناء انعقاد قمة نيروبي أتفق زعماء التحالف الصومالي للإنقاذ SSA بزعامة علي مهدي محمد على عقد مؤتمر في مدينة بوصاصو- حاضرة الأقاليم الشمالية الشرقية- في أول ديسمبر القادم الوضع إستراتيجية موحدة لمواجهة المرحلة القادمة هذا وتشير بعض المصادر إلى أن بعض الفئات خارج التحالف الصومالي للإنقاذ أبدت استعدادها للمشاركة في مؤتمر بوصاصو ومهما يكن من أمر، فإن هذا المؤتمر لا يعدو كونه تمهيديًا، لوضع إستراتيجية موحدة للفئات المشاركة للتعامل مع المبادرات التصالحية المطروحة.
المحافظات الشمالية
وفيما يتعلق بالمحافظات الشمالية من البلاد فإنه يجري حاليًا في مواقع من تلك المحافظات لإعداد المؤتمر للمصالحة بهدف رأب الصدوع وإصلاح ذات البين بين العشائر التي تقاتلت في أجزاء من تلك المحافظات التي أعلنت انفصالها عن بقية أجزاء البلاد، وفي بلدة يرووي وبالقرب من برعو يتم عقد مؤتمر بين العشائر المعارضة للسيد «محمد إبراهيم عجال» وبين عشيرة موالية له، لكنها أخذت في الآونة الأخيرة تنأى بنفسها عن عجال وحكومته الانفصالية كي تتصالح مع خصومها من المعارضة وتنسق معهم.
ولا شك أن أي محاولة من جانب السيد «عجال» والعشائر الموالية له لتجاهل مهمة الوساطة هذه فلن يترتب عليها سوى مزيد من عدم الاستقرار في المحافظات الشمالية من البلاد.
هذا وفي حالة فشل الجهود التصالحية الحالية المختلفة، فإن الأمور قد تتعقد أكثر، وقد تظهر حكومة ثالثة بشكلها التحالف الصومالي للإنقاذ إلى جانب حكومة محمد إبراهيم عجال في الشمال، وحكومة حسين عيديد في الجنوب..