; في ظل تجاهل عربي وإسلامي: المسلمون اليوغسلاف يبحثون عن أنصار | مجلة المجتمع

العنوان في ظل تجاهل عربي وإسلامي: المسلمون اليوغسلاف يبحثون عن أنصار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 24-نوفمبر-1991

مشاهدات 59

نشر في العدد 977

نشر في الصفحة 44

الأحد 24-نوفمبر-1991

 

ألمانيا- مراسل المجتمع سراييفو- أسعد طه
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

أزمة المسلمين في يوغوسلافيا.. قضية في مهب الخطر

مع تفاعل القضية اليوغوسلافية وتدافع الأحداث هناك، تزداد إشكالية المسلمين اليوغوسلاف اقترابًا من نقطة الخطر، مما دفع بالدبلوماسيين المسلمين هناك إلى تكثيف فاعليتهم في وقت ترتكن فيه كل أطراف الصراع إلى عوامل مساندة داخليًا وخارجيًا، بينما يقف المسلمون عُزلًا من أي سند على أي مستوى.

السيد علي عزت بيغوفيتش رئيس جمهورية البوسنة ذات الغالبية المسلمة وزعيم حزب العمل الديمقراطي أدرك أبعاد المأساة واستشعر حجم الخطر الذي يتربص بالمسلمين هناك، مما جعله يقول: «إنني أعيش أصعب فترة في حياتي»، وهو صاحب التاريخ النضالي الذي دفع ثمنه سنوات قضاها في معتقلات الشيوعيين.

 

أبعاد المشكلة

مشكلة المسلمين في يوغوسلافيا أنهم موزعون في جمهورياتها الست، لكنهم يتمركزون في مقدونيا بنسبة تقارب النصف، في حين تعتبر البوسنة حيث يشكلون فيها أغلبية مركزًا للمسلمين اليوغوسلاف وتحتضن سراييفو العاصمة مركز رئاسة المسلمين في كل يوغوسلافيا، كما انتقل إليها أخيرًا مقر المجلس الإسلامي لشرق أوروبا المهموم بحل مشاكل المسلمين في أوروبا الشرقية، والذي يترأسه الشيخ يعقوب سليموفسكي رئيس العلماء في يوغوسلافيا.

البوسنة محاصرة من كل جانب بالصرب والكروات، والحرب الدائرة الآن تقع داخل الأراضي الكرواتية ولكن على حدود البوسنة والهرسك بين الأقلية الصربية في كرواتيا (حوالي 600 ألف) وبين الميليشيا الكرواتية، حيث يطالب الصرب هناك باستقلالهم عن كرواتيا، ويبدو أن الأمر هناك يسير لصالحهم، مما يعقد المواقف لدى مسلمي البوسنة، فالأراضي الكرواتية التي تمكن منها أخيرًا الصرب سوف تمثل مع حدود صربيا من الناحية الأخرى فكي كماشة تحيطان بالبوسنة.

صربيا الكبرى


ورغم كل الجهود الدولية والوعود الصربية فإن الحرب ما زالت مستمرة، والحلم بصربيا الكبرى الذي يشمل معظم أراضي الاتحاد اليوغوسلافي بما فيها أراضي البوسنة والهرسك، يأخذ برأس الصرب المتطرفين الذين يعتلون سدة الحكم في صربيا، وهم يكررون دائمًا مقولتهم: «كل الصرب في صربيا الكبرى» منادين بذلك لضم أي أراضٍ يقطنها الصرب في أي جمهورية إلى جمهوريتهم في الوقت الذي يمنعون فيه سكان إقليم كوسوفو الذي يسكنه 93% ألبان مسلمون من حق تقرير المصير فضلًا عن الحكم الذاتي. ومن جهة أخرى فإن عمليات تسليح الصرب داخل البوسنة نفسها تتم على قدم وساق عبر بعض منافذ الحدود البوسنية مع صربيا، في حين يفتقد المسلمون لأي سلاح أو حتى لأي مصدر يمكن أن يمدهم بالسلاح، وأصبح من المألوف الإعلان عن ضبط شاحنة سلاح هنا أو هناك متجهة إلى مناطق صربية داخل جمهورية البوسنة والهرسك.

يضاف إلى ذلك أن جهود الصربيين المتطرفين لا تصب فقط على المحور العسكري بل تمتد إلى محاور العمل الدبلوماسي، فقد دعا الزعيم الصربي المتطرف «سلوبودان ميلوسيفيتش» إلى إقامة يوغوسلافيا الجديدة التي هي في حقيقة الأمر صربيا كبرى، ووجه الدعوة بالفعل إلى جمهوريتي البوسنة والهرسك والجبل الأسود. فيما رفض الرئيس المسلم علي عزت المشاركة في الاجتماع الذي حضره رئيس برلمان البوسنة، ورغم أن السياسة الرشيدة للرئاسة البوسنية فوتت الفرصة على صربيا في ذلك، إلا أنه وفي تطور مفاجئ أعلن عادل ذو الفقار الذي انشق عن حزب المسلمين مكونًا حزبًا له عن عقده محادثات مع الحزب الديمقراطي الصربي في جمهورية البوسنة، وأعلن عن استعداد البوسنة للتخلي عن سيادتها وانضمام المسلمين إلى صربيا الكبرى، وقال في تبرير ذلك: «أن ينضم المسلمون إلى صربيا أفضل من أن يهلكوا». إلا أن هذه الخطوة أيضًا مُنيت بالفشل، مما دفع بالسيد عادل ذو الفقار لمغادرة البوسنة إلى مقره الثاني في سويسرا في إجازة مفتوحة، حيث عاش هناك طيلة الحقبة الشيوعية التي هيمنت على كل يوغوسلافيا. وقد ازدادت الأمور توترًا في الأيام الأخيرة بوصول جثث جنود مسلمين قتلوا في الحرب الدائرة الآن بين الصرب والكروات، وقد قتل بعضهم على يد ضابطهم الصربي حين رفضوا أوامر بالمشاركة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل. وقد نظم أهالي سراييفو مظاهرات احتجاج طافوا فيها بسياراتهم في شوارع العاصمة البوسنية تتقدمهم سيارات الإسعاف التي تحمل جثث الجنود المسلمين القتلى، وقد فرض الحدث نفسه على وسائل الإعلام اليوغوسلافية وباشر التلفاز في سراييفو في إذاعة لقطات كاملة من المظاهرة والجنازة.

ويأتي هذا التصاعد في الأحداث في الوقت الذي تبذل فيه المجموعة الأوروبية جهودها لوقف الحرب المستعرة على الأراضي اليوغوسلافية وإيجاد حل نهائي للقضية، والتي يبدو أنها ستكون على حساب المسلمين. فهناك حديث عن خطة معروضة على الساحة الأوروبية تقضي بتقسيم جمهورية البوسنة والهرسك، وذلك عبر اقتطاع معظم أراضيها وضمها إلى صربيا وضم الأطراف الشمالية إلى كرواتيا مقابل اعتراف صربيا باستقلال سلوفينيا وكرواتيا وإيقاف القتال الدائر الآن. وفي إطار ذلك قال ماريو نوبليو أحد كبار مستشاري توجمان رئيس جمهورية كرواتيا: «إن محادثات سرية جرت في وقت لاحق بين زعماء جمهورية البوسنة والهرسك وإقامة دولة إسلامية فيها تكون بمثابة دولة عازلة بين الطرفين». وهذه الدولة الإسلامية التي يتحدث عنها نوبليو لن تكون في حقيقة الأمر سوى رقعة متواضعة من الأراضي البوسنية بعد أن يأخذ منها السكين الصربي والكرواتي نصيبه، ومن ثم فإن الحديث عن إقامة دولة إسلامية ليس إلا محاولة خداع لتمرير جريمة التقسيم، وإنما يجب أن يكون الحديث عن الموقف الأوروبي من هذا الطرح والذي يبدو أنه سيباركه حقنًا لدماء النصارى الأرثوذكس والكاثوليك، خاصة في غياب أي قوة مؤثرة عربية أو إسلامية تتبنى الدفاع عن حقوق المسلمين اليوغوسلاف الذين يزيدون على ستة ملايين مسلم مما يعني ربع سكان يوغوسلافيا.

ولذلك فقد زار الزعيم المسلم علي عزت بيغوفيتش ليبيا وتركيا بحثًا عن دعم سياسي من دول إسلامية لموقفه، ويبدو أنه لم يتحصل إلا على «وعود وتصريحات». ومن ثم فقد بدأ العمل النشط على المحور الأمريكي والأوروبي، فقام بزيارة الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك إيطاليا والتقى ببابا الفاتيكان، وحسب تصريحات الدكتور سيلاجيتش وزير خارجية البوسنة فإن الزيارات الأخيرة كانت مثمرة للغاية وأيدت الدولتان تصورات البوسنة للخروج من مأزق الحرب.

ورغم ذلك فإن الأحداث تتسارع في اتجاه الخطر، وفي ذلك صرح رئيس الجمهورية: «إننا لا نؤمن بالتعصب لأي دين وإنما نحن مسلمون يوغوسلاف ولن تطأطئ رؤوسنا لأي ضغوط من صربيا أو كرواتيا، وإذا لم تعمل الأسرة الدولية على إنقاذ يوغوسلافيا بالسرعة اللازمة فإن البلاد ستنحدر إلى هوة حرب أهلية سحيقة».

ومن جهة أخرى فقد أجرت مقدونيا يوم الأحد الماضي الثامن من سبتمبر استفتاء حول استقلال الجمهورية، ورغم أن النتائج الرسمية لم تنشر بعد (والمجلة مائلة للطباعة) إلا أن المؤشرات كلها تدل على أن المقدونيين قالوا نعم للاستقلال، مما سيساهم في تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي، وإن كان زعماء مقدونيا قد أشاروا قبل الاستفتاء إلى أنهم سيسعون إلى الاحتفاظ ببعض العلاقات مع يوغوسلافيا في إطار كونفدرالية فضفاضة. وقد قاطع المسلمون في مقدونيا هذا الاستفتاء بعد أن اشترطوا للمشاركة فيه أن يُعترف بهم «ومعظمهم ألبان» كمواطنين من الدرجة الأولى وكقومية مؤسسة لمقدونيا.

والسؤال الآن هل تحذو البوسنة حذو مقدونيا فتجري استفتاء على استقلالها أو هي ستلجأ مباشرة إلى إعلان الاستقلال دون استفتاء؟ هذا ما أجابه رئيس الجمهورية حين قال: «نحن نبقى فقط في يوغوسلافيا الموحدة التي يبقى فيها الصرب مثل الكروات».

ومن ثم يأتي السؤال الأخير هل تسارع الدول العربية والإسلامية إلى إعلان اعترافها بالجمهورية المستقلة حال حدوث ذلك أم تبقى البوسنة تبحث عن أنصار؟

هل ستعترف الدول العربية بجمهورية في البوسنة؟

 

 

الرابط المختصر :