العنوان في فقه الدعوة (4).. الداعية بين الاستجابة والعوائق
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 17-مايو-1983
مشاهدات 121
نشر في العدد 621
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 17-مايو-1983
8- لا يعرفون الراحة
والمتصف بهذه الصفات التي ذكرها البنا رحمه الله
لا يستريح ولا يعرف للراحة طعمًا، فهذا شاعر الدعوة الإسلامية المعاصرة، عمر بهاء الدين
الأميري، وهو في جناح طب القلب موصول الصدر إلى جهاز المراقبة الإلكتروني بأسلاك تغل
من حركته، يحقن في البطن كل يوم مرات بإبر لإماعة الدم، وقد جاء الطبيب، يسأل القائم
على التمريض عن استراحة شاعرنا، فيرد عليه باستغراب، وبفهم يختلف عن فهمه فيقول:
كلا رويدك يا طبيب
وقد
سألت أما استراح؟
هل يستريح الحر يوقر
صدره
العبء الرازح (63)
نعم فالذي يمتلئ صدره بما يحدث للدعوة والدعاة
كل يوم على أيدي الإمعات، تابعي معسكر الشرق والغرب، والذي يمتلئ صدره بالحزن على انحراف
المنحرفين عن الجادة من قومه، والذي يمتلئ صدره بالحسرة على تلهي الدعاة بتجريح بعضهم
للبعض، وتفكك رباطهم، ويرى تقدم العدو واستهزاءه بكل القيم، واحتقاره لهذا الدين العظيم
وأهله، دون أن يرى من يتحرك، كيف يستريح؟ ولئن استراح جسده فلا تستريح نفسه.
فمن استراح بعد كل ذلك، ولم يتحرك لإجلاء هذا الغثاء
وهدمه بمبادئه وبما يؤمن به، لابد أن هواه قد قيده فاستحق أن يخرجه شاعرنا من دائرة
الأحرار.
9- يكرهون السكون والعجز
عندما تسلم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخلافة
صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إني داع فأمنوا -فجاء في دعائه-
اللهم إني ضعيف عند العمل بطاعتك فارزقني النشاط فيها والقوة عليها بالنية الحسنة التي
لا تكون إلا بعزتك وتوفيقك(64).
أين نشاط عمر
رضي الله عنه من نشاطنا؟ ولكنه الحرص على بلوغ الكمال في العبادة، كما هو البغض لجميع
أنواع الضعف التي تؤدي إلى نقص العبادة، فيكون من أكبر الأشياء التي تشغل أمير المؤمنين،
فيجمع الناس ليؤمنوا على دعائه بزيادة النشاط وهكذا كان جيل الصحابة رضوان الله عليهم.
ثم يأتي تلاميذ الصحابة مقتدين بشيوخهم ببعض السكون
والكسل، حتى يقول مفتي مكة، عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه «لأن أرى في بيتي شيطانًا
خير من أن أرى فيه وسادة، لأنها تدعو إلى النوم(65).
وبعد أربعين سنة بالتقريب برزت المدارس الفقهية
وما تميزت به من الحركة الدائمة وبغض للسكون، حتى إن أحد أقطاب هذه المدارس وهو الإمام
الشافعي يمثل السكون كالماء عندما يتوقف عن الجريان فيفسد، ويجزم بأن الأُسْد قد تتعرض
للهلاك لو لم تتحرك باحثة عن فريستها وكذلك السهام لولا تحركها من الكنانة إلى القسي
ومن القسي إلى الهدف ما أصابت، ثم يبالغ الإمام الشافعي في بغض السكون وحب الحركة بتمثيله
لحالة الناس من الملل المؤكد لو أن الشمس بقية دائمة في مكان واحد لا تتحرك فيقول:
إني رأيت وقوف الماء يفسده
إن
ساح طاب وإن لم يجر لم يطب
والأُسْد لولا فراق الغاب ما افترست
والسهم
لولا فراق القوس لم يصب
والشمس لو وقفت في الفلك دائمة
لملها
الناس من عجم ومن عرب (66)
ومن أقطاب المدارس الفقهية إلى أقطاب الحركة الإسلامية
في العصر الحديث، لنرى الداعية الكبير مصطفى السباعي (رحمه الله) يتألم تألما شديدًا
بسبب إعاقة المرض لتحركه للحق، ويعد أنه سيمشي إلى الغايات مشية المكافح فيقول:
فإن تكن الأيام أودت بصحتي
وعاقت
خطي عزمي بكل مسدد
فما كنت خوارًا ولا كنت يائسًا
ولست
بثاو في فراشي ومقعدي
سأمشي إلى الغايات مشي مكافح
ألوذ
بعز الله في كل معتد
هكذا يتصل جيل الصحابة بجيلنا الحاضر في صفة مشتركة
تؤكد وحدانية المصدر
10- خفيف النوم
يقول الله سبحانه وتعالى مخبرًا عن نفسه ﴿اللَّهُ
لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾
(البقرة: 255) (68)
فلا يليق بجلاله
سبحانه وتعالى سنة ولا نوم، أما العبد فتأخذه السنة ويأخذه النوم الخفيف والعميق، ويقابل
هذه السنة وهذا النوم الذي لابد منه للإنسان، سنة ونوم من نوع آخر وهو الغفلة عن الطريق
والهدف الذي خلق الإنسان من أجله ألا وهو عبادة الله، وعلى مقدار ما يغفل الإنسان عن
هذا الطريق، على مقدار ما يصيبه من سنة أو نوم خفيف أو عميق، وهذا ما يؤكده الإمام
ابن القيم عندما قال: «لابد من سنة الغفلة ورقاد الهوى، ولكن كن خفيف النوم فحراس البلد
يصيحون دنا الصباح»(69).
فهنا يبين ابن القيم حتمية النسيان على ابن آدم
والغفلة الآنية، ولكن صاحب صفة الحركة النملية الذي عاهد الله على المضي في هذا الطريق
لا تعيقه أشواكه أو عوائقه، لا ينبغي أن تكون غفلته طويلة أو رقاده عميقًا، فمن تذكر
أن الموت آتٍ، وهو أقرب مما هو متوقع، وأيقن أن الصباح قد دنا لابد له أن يستيقظ من
الهوى الذي مال له قلبه، قبل أن يتحول إلى نوم عميق فلا يستطيع الاستيقاظ إلا بعد طلوع
الشمس.
11- الاستمرارية في الحركة
وهي محصلة الصفات التي سبقتها، فما الإسراع في
طلب الخير، والاهتمام بما يحدث للدعوة والدعاة، وسرعة الاستجابة، والسعي لطلب العلم،
والهمة العالية، وتكوّن هم الدعوة، وخفة النوم، ومعرفة الطريق، وبغض السكون، إلا عوامل
مساعدة للاستمرارية في الحركة، وتكاد تكون هذه الصفة هي السمة الرئيسية لرواد الحركة
النملية، فليس مهمًا لديهم كمية العمل الذي يؤدونه بمقدار الاستمرارية في أدائه، وهذه
الصفة هي من أحب الأعمال سبحانه وتعالى، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أحب الأعمال
إلى الله ما دووم عليه وإن قل».
يقول الشيخ المناوي: «أدومها» أي أكثرها ثوابًا
أكثرها تتابعًا ومواظبة(71)، فهي مواظبة على النوافل دون انقطاع وهي متابعة للعمل في
الدعوة، مع الجديد المتحمس، ومع القديم الكسول، ومع الرواحل خوفًا عليهم من الزلل أو
الاجتهاد.
هكذا استمرار دائم في الحركة دون ملل أو كسل، الناظر
إليه من علو يراه كالنملة لا تقف أمام العوارض التي في الطريق ولا تحتقر نفسها أمام
ضخامة تلك العوارض فإنها تحاول جرها، فإن لم تستطع أخبرت جماعتها فتساعد الجميع لإزالة
ذلك العارض
عوائق التحرك
وهذه العوائق تتعلق بالدعاة الذين لم يخرجوا عن
دائرة الالتزام بالشعائر التعبدية، كالصلاة والصيام والزكاة... إلخ، فلا تتعلق إذن
بأولئك الذين خرجوا عن دائرة الالتزام إلى دائرة المعصية، وهذا لا يمنع أن تكون بعض
هذه العوائق سببًا في الانتقال إلى دائرة المعصية والعياذ بالله وأول هذه العوائق
1- حب الدنيا
لا يمكن أن يحب المرء أحدًا ثم لا يتحرك من أجله،
ولا يتفانى في سبيل إرضائه، فالمحب للدنيا لا يمكن أن يكون في قلبه حب لله، هذا ما
جزم به الإمام ابن القيم بقوله: «لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا، إلا كما
يدخل الجمل في سم الإبرة»(72). فمادام لا يوجد في قلبه حب الله، كيف يتحرك
من أجله؟ ومن أهم أسباب هذا العائق:
أ- الخوف على الزوجة والأبناء: يخشى إن تحرك تلك
الحركة الدائبة أن ينكشف لأعداء الدعوة، فيؤذون بذلك الزوجة والأبناء، فيكتفي بالقليل
من العمل مع المحافظة على أصول العبادات خوفًا من الفتنة، أو أنه ينشغل بتجميع المال
والجري وراء تحصيله لكي يؤمن جزءًا من المال بعد موته لزوجته وأبنائه، هذا الشعور الشيطاني
يدعوه لترك تلك الصفة خوفًا من الانشغال بالدعوة عن تأمين مستقبل الأبناء كما يعتقد.
ب- الخوف من فقدان المنصب: فيخاف أن يفقد ذلك المنصب الذي فتن فيه، إن اشتغل في أمور الدعوة، وتحرك
تلك الحركة، فيكتفي بلقاءات عامة للدعوة، أو اتصال من بعيد يوشك أن ينقطع.
ج- شعاع جمال
الزوجة: يبهره شعاع جمال الزوجة، فيفتن بجمالها، مما يجعله يستسلم لتأويلات الشيطان
عندما يستشهد له بالأحاديث الصحيحة «إن لزوجك عليك حقا»(73)، فيفسر ذلك الحق أنه البقاء
الدائم معها، وتلبية طلباتها، وينسى شطرًا من الحديث «إن لربك عليك حقًا»(74) أو أنه
يفسر حق الرب فقط في الصلوات المكتوبة والصيام والزكاة وحج البيت، فيخشى إن انشغل بالدعوة
وتحرك لها تلك الحركة، أن يقصر في واجب الزوجة فيأثم، أو يهزأ به الأقارب ويتهمونه
بأنه ليس امرءًا كفؤا للزواج وأنه لا يعرف مسؤولياته، أو أنه يفقد رضا الحبيب الجميل،
وهو غير مستعد لكل ذلك.
ينسى أن هذه النوعية من الزوجات والأبناء الذين
يعيقون الدعاة في أداء رسالتهم ويسلبون منهم تلك الحركة الدائبة المباركة ليحيلوهم
إلى خشب مسندة، ينسى أن الله يسميهم «أعداء» ويطلب منا الحذر منهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: 14).
أورد الإمام الطبري عن عطاء بن يسار قوله «نزلت
في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ووقفوه فقالوا:
إلى من تدعنا؟ فيرق فيقيم، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ
وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: 14) (76).
ويقول القاضي أبوبكر بن العربي: «هذا يبين وجه
العداوة، فإن العدو لم يكن عدوًا لذاته، وإنما كان عدوًا بفعله، فإذا فعل الزوج والولد
فعل العدو كان عدوًا، ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة»(77) .
3- استطالة الطريق
فيرى أن الدعاة مضطهدون في كل مكان، وليس للإسلام
دولة، والمحاولات كثيرة لإرجاع دولة الإسلام ولكن لا نتيجة، وقد طال ليل الظالمين،
هذا الشعور يجعله يستبطئ النصر، فتخف حركته رويدًا حتى يبرد بسبب اليأس، ويترك ذلك
التحرك الدائب الذي بدأه عندما كان يعتقد بقرب النصر.
وهذه النوعيات من الدعاة ليست وليدة الحركة الإسلامية
المعاصرة، فقد وجدت في عهد الإمام ابن القيم، وبسبب العمق التربوي للإمام، جعله يؤكد
أن أحد أسباب ومعوقات التحرك الدائب هو استطالة الطريق، إذ يقول «من استطال الطريق
ضعف مشيه»(78).
ولكن بسبب اختفاء الخلاف في العصر الحديث وازدياد
اضطهاد الدعاة بسبب محاولاتهم إعادة الحكم الإسلامي، وضراوة العداء للدعوة، كل ذلك
يجعل هذا العائق أوضح في عصرنا الحديث من عصر الإمام ابن القيم، ولكنه ليس ظاهرة منتشرة
بين دعاة الحركة، وذلك لوعي قادة الحركة بهذا العائق والمسارعة بوضع العلاج.
الهوامش
63) شعر الدعوة الإسلامية 2/27.
64) العقد الفريد4/65.
65) البداية والنهاية 9/ 308.
66) ديوان الشافعي ص 26 ،27 – الجيل.
67) شعراء الدعوة الإسلامية 2/
44.
68) البقرة 255.
69) الفوائد 55 – النفائس.
70) مسلم (782).
71) فيض القدير 1/ 165.
72) الفوائد 129ط- النفائس.
(73، 74) البخاري – الفتح ( 1968).
(75) التغابن 14.
(76، 77) تفسير القرطبي 18/ 140.
(78) الفوائد 2-1 النفائس.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل