العنوان في فقه السياسة (3) متي يكون الحكم إسلاميًا؟
الكاتب بسطامي محمد سعيد خير
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-2001
مشاهدات 73
نشر في العدد 1437
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 06-فبراير-2001
السؤال الحائر:
لقد ظل السؤال عن ماهية الحكم الإسلامي يشغل بال المسلمين منذ أمد بعيد، بل من الممكن القول إن ذلك السؤال المهم قد كان محورًا أساسيًا من محاور التفكير الإسلامي في كل العصور، بدءًا من انهيار الخلافة الراشدة وتحولها إلى ملكية في منتصف القرن الهجري الأول.
وأصبح السؤال يتجدد في فترات التحولات والتغيرات التي طرأت على شكل الحكم وهيكل النظام السياسي، مثل علو شأن الحرس، وظهور السلطنة في أواسط العصر العباسي، واستبداد ولاة الأقاليم بالسلطة، واستلابهم لها بالقوة في أواخر هذا العهد، ثم حين قضى التتار على ما بقي من الخلافة العباسية.
ولم ينس الناس السؤال في أحلك العهود المتأخرة حين استشرى الملك العضوض بقهره وظلمه، فتسارعوا إلى رأب ما يستطيعونه من صدع، ولم ييأسوا وإن اتسع الخرق على الراقع، وفي العصر الحديث انبعث العقل المسلم مجددًا يبحث وينقب، ويفكر ويكتب في حقيقة الحكم الإسلامي، خاصة بعد أن هيمن الغرب على أكثر ديار المسلمين، وبعد أن وقعت الطامة لما أقال مصطفى كمال السلطان العثماني، ووأد بذلك آخر رموز الدولة العثمانية قبل بضعة وسبعين عامًا.
وتواجه العقل المسلم المعاصر تحديات كبيرة في بحثه عن تصور سليم للحكم الإسلامي، أولها أن العهد قد طال بنموذج إسلامي يشهده العيان، ويتجسد للناظر، فلا يكاد المرء يبصر من ذلك الحكم إلا ما يقرؤه في بطون الكتب بتعبيرات غير مألوفة، لا يكاد يفقهها إلا القليل، أو ما يلمحه من وراء حجب التاريخ، ومن تحت ركام الماضي السحيق، ومـن بعد عهود متلاحقة من التيه والطمس والزيف، حتى توهم البعض ألا حكم في الإسلام، وألا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، ثم زاد الغبش حين طالع الناس نماذج الغرب المعاصرة في الحكم ونظم الدولة، فأعجبهم بريقها، وخطف أبصارهم لمعانها، فصاغوا تصوراتهم لحكم الإسلام على شاكلتها، وصبوه في قوالبها، واستعاروا له مصطلحاتها.
الشكل والمضمون:
ولم يختلف اثنان أن أصول الحكم الإسلامي قد بينها القرآن والسنة بيانًا واضحًا في آيات وأحاديث معروفة مشهورة، وقد تجسدت هذه الأصول في نموذج عملية في الصدر الأول من تاريخ الإسلام، حين أظلت الخلافة الراشدة الأرض، ومع هذا الاتفاق فإن الذي ظل مصدر تساؤل وحيرة هو كيف يمكن أن تصاغ هذه المبادئ العامة في سياسات عملية تتنزل بها من عالم المثل إلى عالم الواقع؟ فالذي كان محل حوار وجدل هو إذن الشكل وليس المضمون، وقبل أن نخوض في شكل الحكم الإسلامي يحسن بنا أن نلم في عجالة بمبادئ الإسلام للحكم توطئة لمقالات أخرى تتبع بإذن الله.
أصول الحكم الإسلامي:
من الممكن أن يؤخذ بعض هذه الأصول من قوله -تعالى-: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ (سورة الشورى: ۳۸)، وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (سورة النساء: ٥٨) وقوله -تعالى-: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (سورة الحج: ٤١).
وهذه الأصول تتضمن المبادئ الآتية:
أولًا- الشورى: وهذا المبدأ يدخل في طريقة اختیار رأس الدولة، كما يشمل طريقة تسيير دفة الحكم، ويتضمن بالضرورة الحق في إبداء الرأي، وتوجيه النقد النزيه الذي غايته إظهار الحق.
ثانيًا- الأمانة: وتنفيذ هذا المبدأ يعني اختيار الأصلح لمناصب الدولة ممن تتوافر فيهم الكفاءة وحسن السيرة، دون محاباة أو عصبية، كما يعني هذا المبدأ حسن التصرف في المال العام والتزام الشرعية في جمعه من موارده، وإنفاقه في مصارفه.
ثالثًا- العدل في الحكم: ومن لوازمه الحكم بالشريعة دون تأويل وتحريف، أو تجزئة المساواة بين الناس من غير أن تكون لأي فئة دائرة من الامتيازات أو الحصانة، وإبقاء أهل الأديان الأخرى من رعايا الدولة حقوقهم كاملة غير منقوصة.
رابعًا- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا مبدأ جامع، ومن تفاصيله السعي لإشاعة قيم الخير في المجتمع، ودفع الشر والفساد ونشر العلم، وإقامة الجهاد، وإعداد القوة لإعلاء الإسلام، وصد العدوان، وتمكين السلم والحق والعدل بين أمم الأرض قاطبة.
وهذه كلمات جامعة تتضمن معاني كثيرة، وقد توافرت أقلام كثيرة لشرح هذه المبادئ وبيان تفاصيلها نظريًا، واتجهت جهود المصلحين والمجددين لإحيائها عمليا، ولن يكون الحكم إسلاميًا إلا بقدر رسوخ هذه المبادئ في نظامه، وإذا كان إيمان الفرد يزيد وينقص، فكذلك إيمان المجتمع وإيمان الدولة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل