العنوان في مؤتمر العنف السياسي والديني في مصر :الأقباط والإسلاميون مشتركون في الاضطهاد والعزل السياسي
الكاتب داود حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998
مشاهدات 59
نشر في العدد 1302
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 02-يونيو-1998
- سبب العنف: انسداد قنوات التفاهم بين الدولة والإسلاميين والحظر على المعتدلين في التعبير عن أنفسهم.. ودافع الثمن هو الشعب،،
هل يمكن أن يستمر العنف المتبادل بين الدولة والجماعات في مصر إلى ما لا نهاية؟ وهل يمكن أن تدخل أطراف جديدة في المعادلة كالأقباط مثلا؟ وهل يمكن أن يتكرر النموذج الجزائري في مصر؟ هذه الأسئلة وأسئلة أخرى ناقشها مؤتمر "العنف السياسي والديني في مصر... الدوافع والآفاق، والذي عقدته جماعة تنمية الديمقراطية بتمويل من السفارة الهولندية بالقاهرة، مؤخرا، وتم فيه مناقشة 17 بحثاً لباحثين من مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية والأحزاب وعدد من الأقباط المعارضين والمؤيدين للكنسية المصرية.
في البداية أشار الدكتور وحيد عبدالمجيد- مستشار الجماعة- إلى أن القاهرة تحولت إلى مدينة الألف مؤتمر شهريا دون أن تحمل في طياتها أي حلول للمشاكل التي تتناولها، ويبدأ المؤتمر وينتهي دون أي حوار حقيقي؟ في ظل وجود حالة من الاستقطاب السياسي ورفض الآخر، وسعي للقضاء عليه ولو بالاتحاد مع الشيطان في ظل أحزاب سياسية جامدة لا تتحرك أو ممنوعة من الحركة، ونفايات مؤممة وجمعيات مكبلة بقانون، وبعد ذلك يبدو المجتمع السياسي منهكاً خائر القوى، يخسر كل يوم رموزا تتراجع عن الديمقراطية.
وانتقد الدكتور على الدين هلال- عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- عنوان الندوة مؤكداً عدم وجود عنف ديني في مصر، والذي عرفه بأنه "عنف تقوم به جماعة دينية ضد جماعة دينية أخرى"، وهذا ما لا يحدث في مصر، وقال إن العنف الموجود مركب، وله أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية، وأضاف: "إن العنف لا يختلف أحد على أسبابه أو علاجه، ولكن السؤال الذي يبحث عن إجابة هو- لماذا استمر العنف 25 عاما في مصر؟، وقال الدكتور سليم العوا: إن العنف ظاهرة مدمرة تجتاح في طريها كل تقدم، وتمنع المجتمع من كل صور الاستقرار والبناء، وإن أسوأ صور العنف هي تلك المرتبطة بالدين، إذ يجنح دعاته إلى إغواء طاقات شابه لو وجهت للعمل المنتج لحققت الخير، وتحاول الدولة القضاء على هذا العنف، وقد تجاوز في ذلك كله عن كثير من حقوق الإنسان وحرياته، وتتعدى بعمد أو سوء قصد على ممتلكات وحرمات مصونة لا تمس إلا بحق قرره القانون، وتهدر دماء حرم الله إهدارها، وهذا لا يمنع وجود أياد أجنبية توقد نار الفتنة وتعمل على إضعاف الوطن.
وقال عبدالعزيز محمد- رئيس جماعة تنمية الديمقراطية: إن ظاهرة العنف أصبحت تمثل قلقاً وخطراً على الهامش الديمقراطي وتهدده بتشريعات أضيفت إلى ترسانة التشريعات المقيدة للحريات وتجديد حالة الطوارئ وما تفرضه من قيود ثقيلة على الممارسات الديمقراطية.
وأضاف: إن العنف ظاهرة مجتمعية لها جذورها الضاربة في أعماق مصر، كما أنه عنف متبادل يدفع ثمنه الشعب من أمنه واستقراره.
ثم تحدث جمال أسعد عبد الملاك عن التحالف الإسلامي، وهو قبطي فقال: إن الحديث عن العنف الديني يعتبر فتنة طائفية بين المسلمين والأقباط، فالكلام مكرر وتم مناقشته عدة مرات، والعنف الموجود هو سياسي وليس دينياً، ومعروف أن هدف الجماعات من استخدام العنف هو الوصول للحكم.
لماذا استمر العنف25 عاماً؟ وهل يمكن أن تصل مصر إلى نموذج الجزائر؟
العنف داخل الكنيسة
ويكشف القس إبراهيم عبد السيد راعي كنيسة مارجرجس بضاحية المعادي بالقاهرة عن العديد من الانتهاكات الكنسية، والاستبداد في ورقة "الكنيسة القبطية بين الاستنارة والرقابة"، بقوله: هناك العديد من الممارسات الاستبدادية التي تمارسها مؤسسات الكنيسة ضد شعبها ورجال الدين من خلال الإدارة الكنسية والمحاكمات، وسوء الإدارة المالية، واستغلال الأحوال الشخصية، منها استبدال كلمة "الأبوة" بـ "السيادة" عند ذكر اسم أحد الأساقفة، رغم أن هذه الكلمة مأخوذة من الوثنيات، ولا يوجد أصل لها في المسيحية، كذلك أدخلت عادات وثنية جديدة مثل السجود عند أقدام رجال الدين، وسجود رجال الدين الصغار للكبار نفاقاً وإرضاء للقيادات التي أحاطت نفسها بهالات مصطنعة للرهبة والتعظيم، وهي عادات غير موجودة في الكتاب المقدس، وكان من هذه العادات تبخير القيادات الكنسية أثناء ممارسة الطقوس والصلوات بحجة أن روح الله ساكنة فيهم.
ويضيف القس عبد السيد، بأنه تم إرهاب المجالس الملية، وشل فاعليتها، وتعيين أساقفة لا تنطبق عليهم شروط الكهانة، ومصادرة الكتب والمطبوعات التي تعارض القيادة الكنسية وحرقها في الكنائس.
ويرى عبد السيد أن المحاكم الكنسية تعتبر تجسيدا للإرهاب الكنسي الديني، حيث أساء محققو وقضاة الكنيسة استعمال سلطاتهم بما يمارسونه من إجراءات لا تهدف للتقويم والإصلاح بروح المحبة والأبوة، بل بالقهر والإذلال والانتقام والاستعلاء، واستخدام وسائل بشعة ضد المتهمين مثل عدم تحديد مدة للعقوبة وتركها مفتوحة، وحرمانهم من الصلوات، وتسريب نتائج التحقيقات التي تكون غير صحيحة، وركلهم بالأقدام.
لكن هل يمكن أن تكون هناك جماعات عنف مسيحية مثل الجماعات الإسلامية المسلحة؟، يجيب سليمان شفيق، مستشار مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان عن السؤال بالإيجاب ويقول: إن هناك رأيين في هذا الشأن، الأول يؤكد وجود بوادر لجماعات عنف، وآخر ينفيه، الأول يرى أن الأقباط لم يلمسوا تضييقا على حرياتهم الدينية منذ الفتح الإسلامي لمصر عام 641م، إلا في بداية عهد الثورة، حيث تم حرمانهم من تولي المناصب القيادية، ووضع خانة الديانة في البطاقة الشخصية، والتفرقة في الوظائف العامة ومصادرة الأوقاف القبطية.
ويضيف إن حجم ثروة الأقباط قبل قرارات التأميم في الخمسينيات كانت 75% من قطاع النقل والمواصلات، و44% من الصناعة، و1% من البنوك، و34% من الأراضي الزراعية، وهو ما يمثل 15% من إجمالي الثروة المصرية.
ويعلل شفيق أسباب عنف الأقباط المتوقع إلى غياب القيادة الكنسية التي تلعب دورا أو صمام أمان، وفقدان السيطرة على الشعب القبطي الفقير، ويظهر هذا العنف في شكل منظمات مسيحية تمارس عنفاً ضد الكنيسة، كما حدث عام 1953م من اختطاف الأنبا يوساب بطريرك الكرازة المرقسية واعتداءات على رجال الأعمال النخبة القبطية.
أما الاتجاه الآخر الذي يرفض فكرة وجود عنف مسيحي فهو نظري، حيث يرى أن تعاليم السيد المسيح وطبيعة الشعب المصري المسالمة تمنع حدوث ذلك، وهنا يطالب الباحث بإنشاء وزارة للأديان في مصر وظيفتها تنظيم عملية بناء دور العبادة للطرفين، مع إجراء إصلاح سياسي وإلغاء خانة الديانة من البطاقة الشخصية، وإلغاء الخط الهمايوني.
ويرى الباحث هاني لبيب أن العنف القبطي نظري، وفكري، وليس ماديا، وأنه موجه أساسا ضد الكنيسة، وهي فكرة بدأت بتجربة الغرب الديمقراطي المسيحي في نهاية الأربعينيات، ثم جماعة الأمة القبطية التي أنشئت عام 1952م، وكانت ضد الكنيسة.
ويقول د رفيق حبيب: يوجد شيء مهم لم تركز عليه الأوراق والمناقشات وهو عدم وجود حوادث عنف طائفية بالمعنى المعروف بين المسلمين والنصارى على مدار تاريخهم الطويل، كما أن طرح المسيحية كدين يمنع حدوث العنف، ليس كافيا للتدليل على عدم ظهور العنف لدى الأقباط.
أما الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي المعروف فيقول: إن الشعب المصري كله، وليس الأقباط فقط معزول سياسيا، وإن أكبر طائفة وطنية معزولة هم الإسلاميون.
كما أنه لا يوجد شيء اسمه الخط الهمايوني الذي يقال إنه ينتقص من حقوق الأقباط المصريين، فهذا كان قرارا عثمانيا بتنظيم الطوائف الدينية، استثنى أقباط مصر- وهو لم يكن مكتوبا- حيث اعتبر أقباط مصر وطنيين لم يتعاملوا مع الأجنبي، والكلام عن مشاكل الأقباط في ظل غياب سلطة حقيقية في الدولة تعطي الجميع حقوقهم، يجعلنا جميعا مطالبين بالكفاح من أجل فك العزلة المفروضة على المجتمع من خلال أرضية الشعب المصري المشتركة، وأنا أرى وجاهة في قول الشيخ محمد- رحمه الله- إن أقباط مصر هم أسعد أقلية في العالم.
وفي إجابة عن تساؤل آخر محاور المؤتمر، هل يمكن أن يتكرر نموذج العنف الجزائري في مصر؟ أجاب حسنين كروم- نائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون المصرية- إن هذا مستحيل، فأهم فصيل إسلامي في مصر وهم الإخوان المسلمون لم يثبت أنهم استخدموا العنف للوصول إلى السلطة، بل الطرق السليمة هي طريقهم ومنذ خروجهم من السجن عام 1974م حتى الآن، لم يثبت تورطهم في أي أحداث عنف، بل إنهم أصبحوا ينادون بوجود تعددية سياسية وحزبية، والتي كانت بدايتها على لسان مرشدهم الراحل عمر التلمساني في حزب التجمع المصري اليساري.
وهذا ما يؤكده أيضا الباحث بدر حسن شافعي، والذي أكد على وجود اختلافات كبيرة بين الوضعين المصري والجزائري في الشخصية القومية لكل من الشعبين، والكفاءة الأمنية لجهازي الشرطة في البلدين، والتدخل الدولي الذي أدى إلى احتقان الوضع وانفجاره في الجزائر.
ولكن على عكس هذا الإجماع يعلق اللواء فؤاد علام- رئيس جهاز مباحث أمن الدولة السابق- فيرى أن الإخوان المسلمين هم مصدر كل عنف، وأنهم ما زالوا يحتفظون بقدر من التقية ورفض التعددية، وأن ما يعلنونه هو مواقف تكتيكية، (!!) ويؤكد أن القبضة الأمنية الحديدية والقبض العشوائي واستمرار الاعتقال يؤدي إلى انتشار العنف والإرهاب، بل يقويه، ويرى أن الحل الأمني ليس إيجابيا في محاربة الظاهرة، بل يجب أن تكون هناك جوانب أخرى للعلاج بوسائل الإعلام وعلماء الدين وحشد كل الطاقات ضده، ويرى ان إمكانية تحول مصر إلى جزائر أخرى أمر ممكن، لكنه لم يحدد الإطار الذي يمكن أن يتكرر به السيناريو.
لكن منتصر الزيات، محامي الجماعات الإسلامية يرى أن سبب العنف هو انسداد قنوات التفاهم بين الدولة والإسلاميين، وعدم السماح للجماعات بالتعبير عن رأيها ومعتقداتها، بل عدم السماح للمعتدلين كالإخوان بالتعبير عن أنفسهم، وهو ما قد يؤدي للانفجار لكنه لن يكون كالجزائر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل