; في مجرى الأحداث: كوسوفا.. غًيبة الوعي | مجلة المجتمع

العنوان في مجرى الأحداث: كوسوفا.. غًيبة الوعي

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أبريل-1999

مشاهدات 69

نشر في العدد 1347

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 27-أبريل-1999

سألت نفسي وأنا أتابع مشاهد المحنة كغيري من الملايين: ما الذي يمكن أن ينتاب المسلم وهو يطالع الصفحات الأولى من الصحف عندما يرى مشاهد الهائمين على وجوههم من نساء كوسوفا وأطفالها ثم يقلب الصفحات فيجد عناوين عريضة عن الاحتفال باختيار ما يسمى بملكة جمال مصر وسط احتفاء حافل بصور الملكة الجديدة؟ وما الذي ينتاب هذا المواطن وهو يشاهد في الصفحات الأولى أيضًا طفلًا يجلس وقد رص صور أمه وأبيه وإخوته في الذكرى الأولى لقتلهم وجلس دافنًا رأسه بين كفيه وهو منهمك في البكاء متذكرًا مشاهد الدماء المتفجرة والأشلاء المتناثرة لعائلته كلها في مجزرة «قانا» قبل عام.. ثم يقلب الصفحات فيشاهد في الصفحة الأخيرة المانشيتات العريضة نفسها عن انتصار الاتجاه المؤيد لتنظيم مسابقة ملكة جمال المغرب رغم أنف المعارضين؟!

ما الذي يترسخ في ضميره وهو يطالع هذه الأخبار المتناقضة؟ وما الذي يبقى في وعيه ودفائن مشاعره وهو يرى فريقًا من الأمة غارقًا في محنته بينما فريق آخر استدار بظهره وبدلًا من أن يشاطره المحنة غرق في العبث؟ لا شك أن المرء يصاب بالتمزق النفسي ولا شك أن الرسالة التي تتعلمها الأجيال الناشئة هي أن كل واحد في هذا الزمان وشأنه!! وذلك درس خطير في التمزق والانشطار بين أبناء الأمة الواحدة يسهم فيه الإعلام، عن عمد أو هزل، بجانب كبير ولو بمثل هذه الأخبار البسيطة. 

إن التوحد الوجداني بين أبناء الأمة الواحدة يمثل أحد المرتكزات المحورية لتماسكها وبالتالي قوتها، كما أن توحيد الشعور العام من خلال حدث «ما» يعلم الشعوب كيف تصبح على قلب رجل واحد آليًّا ودون حملات دعائية.

والأمم الحية التي تنشد تماسك شعوبها وتحرص دائمًا على توحيد شعورها الوطني وإيقاظ وعيها وليس تغييبه أو تزييفه لا تفوت فرصة أو مناسبة إلا وتستثمرها للتخديم على ذلك.

إن الصرب قبل أن يخوضوا حربهم الوحشية ضد المسلمين تم توحيد مشاعرهم العامة وشحنها بالكراهية والحقد والرغبة في الانتقام من المسلمين ولم يفوتوا في سبيل ذلك مناسبة إلا واستثمروها ويكفي أن الصرب عن بكرة أبيهم يتوقفون كل عام في احتفال وطني لإحياء ذكرى معركة «كوسوفا» التي هزمهم فيها جيش الخلافة الإسلامية عام ١٣٨٩م ويتم خلال هذا الاحتفال اجترار ذكريات الهزيمة وسط مشاهد من التعبئة العامة ضد المسلمين.

وفي أستراليا- وفي الثامن عشر من مايو كل عام- يتم الاحتفال بذكرى معركة غاليبولي التي دارت خلال الحرب العالمية الأولى بين قوات الخلافة العثمانية والقوات الأسترالية، وقد تم في احتفال العام قبل الماضي تكريم حمار اسمه «مورفي» لأنه أبلى بلاء حسنًا في نقل الجرحى ورغم أن هذا الحمار «نفق» منذ ۸۲ عامًا إلا أنه تم استحضار مجسم خشبي له ليطوق رئيس الوزراء عنقه بجائزة الصليب الأرجواني من «أرفع الجوائز الكنسية»، وهو يقول: «إن هذا الحمار جزء من تراثنا العسكري ومن المهم أن نحافظ عليه».

أما نحن.. فإن مذبحة كوسوفا تمر علينا كل يوم ومذبحة «قانا» مرت ذكراها الأسبوع الماضي وقبلها «دير ياسين»، وبعدها ستأتي ذكريات مذابح وانتصارات دون أن يلتفت إليها أحد لأنه يبدو أن المطلوب أن نظل هكذا.. مغيبين أو فاقدين للوعي!!

الرابط المختصر :