العنوان للتكريم والجوائز طعم آخر عند الأمم الحية!
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 15-أغسطس-2009
مشاهدات 72
نشر في العدد 1865
نشر في الصفحة 15
السبت 15-أغسطس-2009
في الأمم الحية
تكون حركة الحياة ذات معنى ومغزى، وتصب دائما في إضافة الجديد من المعاني في حاضر
الوطن وتاريخه، ويكون الحرص على التوقف أمام أي مناسبة حقيقية قليلة أو كبيرة،
المهم أن تكون لأحداث ذات مغزى، وشخصيات ذات قيمة، ومواقف لها باع في التاريخ.
في المملكة
المغربية قررت جمعية «قدماء تلاميذ بني عمار» برئاسة الشاعر المغربي «محمد بلمو»
في مهرجانها الثامن تكريم «الحمار» احتفاءً به وإنصافًا له، ككائن يقدم خدمات
جليلة للإنسان المغربي، خاصة في المناطق القروية، وأكد «محمد بلمو» أن التكريم جاء
سعيًا من المهرجان لرد الاعتبار للحمار والاحتفاء به، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة
التي يصدرها الكثيرون عنه، فقد تعرض لأشنع الصفات وأسوأ القذف من قبيل وصفه بـ«الغباء،
والبلادة، والوضاعة»، حتى أن الحمار صار حيوانًا يرادف الشتيمة والسبة..
أما في
أستراليا، فقد تم الاحتفاء بالحمار على مستوى الدولة، ويحضر حفل التكريم كبار
رجالها، بل يقدمون إليه أرفع الجوائز، كجوائز الدولة التقديرية في بلادنا مثلًا؛ فأستراليا
تذكر بالتقدير والإجلال الحمار «مورفي» صاحب التاريخ المجيد، الذي قام بدور كبير
خلال الحرب العالمية الأولى، لا يقل عن دور أكبر الجنرالات، وقد قال عنه «توم فيشر»
رئيس وزراء أستراليا الأسبق في حفل رفيع نظمته الجمعية الملكية لمنع العنف ضد
الحيوانات قبل ثلاثة عشر عامًا حضره لتكريم الحمار «مورفي» قال:
«هذا الحمار جزء
من تراثنا العسكري، ومن المهم أن نحافظ عليه..»، «فيشر» قال هذه الكلمات بعد أن
وضع جائزة «الصليب الأرجواني»- وهي واحدة من أرفع الجوائز الكنسية في أستراليا -حول
عنق الحمار «مورفي»، ولم يكن الحمار «مورفي» موجودًا بالطبع، فقد مات منذ ٩٥ عامًا،
إلا أنهم أصروا على إحضاره في صورة مجسم مصغر وقف له الجميع احترامًا عندما تقدم
إليه «فيشر» ليطوقه بالوسام، وهم يستعيدون بطولاته خلال الحرب العالمية الأولى،
عندما قام مع مجموعة أخرى من الحمير بنقل الجنود الأستراليين المصابين في معركة «جاليبولي»
عام ۱۹۱٥م إلى بر الأمان، بعيدًا عن نيران القوات التركية التي كانت تهاجم القوات
الأسترالية بشراسة على مدى ثمانية أشهر، وقتلت وجرحت أكثر من 8 آلاف من القوات
الأسترالية التي منيت بالهزيمة، وبينما تشتتت القوات الأسترالية وانهزمت، كان «مورفي»
يقوم بإنقاذ الجرحى ببراعة، فقد كان مملوكًا ضمن مجموعة أخرى لـ «جون كيركباتريك» الذي
دربها جيدا على السير بالجرحى نحو المستشفى المعد للعلاج، ثم العودة إلى ميدان
القتال للبحث عن مهمة أخرى.
وفي تقرير مطول،
تروي وكالة «رويتر» للأنباء كيف أن «مورفي» ورفاقه الحمير ظلوا في الميدان حتى تم
إنقاذ آخر جندي، بينما قتل صاحبه «كيركباتريك» على يد قناص «تركي» ومنذ ذلك
التاريخ صارت شجاعة «مورفي» مضرب الأمثال لدى الأستراليين.
ترى.. ما الذي
جعل أستراليا تتذكر «حمارًا» رغم أنه مات منذ ٩٥ عاما؟! ولو تناسته ما كان أحد
سيلومها، فلا الحمير ستغضب وتتظاهر ضد السلطات، ولا الأجيال الحالية عاشت هذه
الأحداث حتى تعاتب الحكومة على نسيانها، ولم يكن «مورفي»- لا سمح الله -عضوًا في
شلة توزيع جوائز الدولة على المحاسيب!
والحقيقة، أن
المعنى وراء ذلك هو إحياء الأحداث الوطنية في وجدان الشعوب، حتى لو كان بطلها حمارًا،
أو مضى عليها ما يقرب من قرن من الزمان، والأمم الحية هي التي تنقب عن أبطالها،
وتفتش عن محطات البطولة والفخار في تاريخها؛ لتبث الثقة والقوة والاعتزاز في نفوس
أبنائها حتى يعيشوا شامخي الرؤوس.
والسؤال الذي
يطرح نفسه: كم من الأبطال والمجاهدين الذين صنعوا تاريخ أمتنا نحتفي بهم؟! وكم من
المناسبات الحقيقية التي غيرت وجه تاريخنا تحتفل بها؟!
لقد صارت
أعيادنا «ماسخة»، وجوائزنا مغشوشة، امتدادًا للغش العام الذي صار يملأ حياتنا
السياسية والاقتصادية والعلمية، حتى صار الاختيار يقع على شذاذ البشر لمنحهم جوائز
باسم الدولة، ويبدو أن المقياس الوحيد لمنح الجوائز الكبرى، هو أن يكون الفائز
مخاصمًا للدين وناشزًا عن هوية الأمة!
وأصل القضية
تتمثل في ذلك «الدمل» الدفين في مجتمعاتنا، وأعني به هذه «الحالة» من مخاصمة
التدين في مجتمعاتنا العربية، والحيلولة دون عودتها إلى إسلامها.
وليس بخاف أن
الذي صنع هذه «الحالة» ويعمل على تفعيلها هو ذلك التيار العلماني المتطرف المدعوم
من بعض الأنظمة الحاكمة، التي وقعت في فخ معادلة غير صحيحة، وهي: أن المزيد من
التدين في المجتمعات يعني المزيد من تناقص عمرها الافتراضي على كراسي الحكم، فكان
لا بد من محاصرة ذلك بشتى السبل والوسائل، وبدهاء يخفي الخصومة للدين أو للتدين،
وقد انعقدت شراكة بين الطرفين صاحبي المصلحة: التيار العلماني بمشروعه التغريبي،
وبعض الأنظمة نحن بمشروعها الجاثم على صدور شعوبها.
نحن إذًا لسنا
بصدد شخص أو أشخاص، وإنما نحن أمام «حالة» مزروعة في بلادنا منذ عهد المعلم «يعقوب»
عميل الحملة الفرنسية وسمسارها الأول، مازالت تصر على أن رسالتها هي حظر الإسلام
في بلاده وعلى أبنائه؛ حتى يظل المشروع الغربي قائمًا.. لكن هيهات!!