العنوان في مجلس العزاء
الكاتب سعاد الولايتي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-يونيو-1992
مشاهدات 63
نشر في العدد 1005
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 30-يونيو-1992
ذهبت لعزاء بعض الأقارب في الأسبوع
الماضي، وقد كانت المتوفاة امرأة كبيرة في السن تركت من خلفها أولادًا وأحفادًا.
ذهبت وفي قلبي حزن عميق على قريبتي
المتوفاة، وما فتئ لساني يدعو لها بالرحمة المتوفاة، لكن أدهشني وأهمني حين وصلت
إلى مكان العزاء أن وجدت بنات قريبتي تلك وقد تزينت كل واحدة منهن بما لديها من
حلي وطلت وجهها بالمساحيق، ورغم أننا قد اعتدنا في بلادنا أن تكون مجالس العزاء
صامتة يغلب عليها السكون، إلا أن المجلس العجيب الذي حضرته كان صاخبًا وكانت بعض
الضحكات الخافتة تنبعث من هنا وهناك بين الحين والآخر.
ما أشد ظلم الإنسان لنفسه! وهل هناك أقوى
من الموت واعظًا ومذكرًا؟ كيف شغلتنا الدنيا إلى هذا الحد حتى بتنا لا نصبر عن
دقيقة أنس نضيعها في ذكر واستغفار؟!
أين هذا المجلس الصاخب من مجالس العزاء
التي كان يشهدها الصحابة والصالحون؟! قال الأعمش: كنا نشهد الجنازة ولا ندري من
المعزى فيها لكثرة الباكين، وإنما بكاؤهم على أنفسهم لا على الميت.
وقال مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه: إنه
كان يلقى الرجل في الجنازة من خاصة إخوانه قد بعد عهده به فلا یزیده على السلام،
حتى يظن الرجل أن في صدره عليه موجدة.. كل ذلك لانشغاله بالجنازة وتفكره فيها وفي
مصيرها. ورأى عبدالله بن مسعود رجلًا يضحك في جنازة فقال: «أتضحك وأنت في جنازة!
والله لا أكلمك أبدًا».
هكذا كانت الجنائز ومجالس العزاء تذكرهم بالموت وبالمصير الذي سيلقاه كل حي، هكذا كانوا يعتبرون ويتفكرون ويتباكون وهم من هم في عبادتهم وعملهم، فما لقلوبنا اليوم قد قست وانغمست في لهو زائل وتخاذلت عن صالح الأعمال. إن مجالس العزاء يجب أن تشغل بالذكر والاستغفار وتلاوة القرآن والتفكر في أحوال الميت والدعاء له، أما الأحاديث الدنيوية فلها مقام آخر.