; في مصر: من يحدد الأولوية في العمل الإسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان في مصر: من يحدد الأولوية في العمل الإسلامي؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988

مشاهدات 60

نشر في العدد 867

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 24-مايو-1988

الصواب والخطأ في التعامل بالعنف مع المراقص وحفلات الليل.

لا بد للحكومة المصرية من أن تعطي الإخوان المسلمين حرية القول وتكوين حزب سياسي.

شيء ما يحدث ضد الجماعات الإسلامية بأسرها في مصر.. فهل هو موجه ضد الجماعات الإسلامية أم ضد الإسلام وضد مصر؟

الإسلام مستهدف في مصر.. حقيقة يعرفها كل من درس التاريخ المصري الحديث، فعندما دك نابليون بسنابك خيله ساحة الأزهر لم يكن يقصد غير تقليم أظافر رجال الدين الذين كانوا يشكلون أكبر تحدٍ في البلاد في ذلك العصر، وعندما دخل الإنجليز إلى مصر- عشية الثورة العرابية- كان أهم ما استهدفوه هو تمييع دور الأزهر، وتحجيم دور رجالاته، وتقليص نفوذ الدين في البلاد؛ لأنه الوحيد القادر على إثارة الشعب المصري وطردهم من مصر.

ولم يكن تأسيس جامعة فؤاد الأول «القاهرة الآن»، وتدريس القوانين الغربية الوضعية فيه تحت ستار المحاماة، ثم تعيين خريجيها الأوائل وزراء وأعيان الحكومة المصرية، ثم افتتاح العديد من المدارس الأجنبية، ووضع التعليم المدني في مواجهة التعليم الديني- وضرب الأزهر ومدارس الكتاب، ووضع القسيس «دنلوب» مشرفًا عليها- إلا أساسًا لفصل شعب مصر عن الدين، وإدخاله إلى متاهة التغريب، والتي استمرت دوامتها تعصف بأخلاق وتقاليد الشعب المصري المسلم إلى هذا اليوم.

ولم تكن قوانين إصلاح التعليم في الأزهر- التي سنها جمال عبد الناصر في الستينات- إلا محاولة أخرى من هذه المحاولات، غدا بعدها الأزهر مشلولًا لا يقدر على استيعاب العصر ولا فئات الشعب بكاملها، ونشأ بينه وبين فهم الواقع وحاجات العصر وآمال وآلام الناس فصام نكد، بذره الفرنسيون، وسقاه الإنجليز، ورعته الحكومات العلمانية.

مركز الثقل في وجه المؤامرة:

إن مصر كما يصفها الإنجليزي «بيتر ماتسفلد» في كتابه «العرب»: «هي مركز ثقل العالم العربي»، ومستودع ثروته البشرية والتي تقدر بأكثر من ثلث الأمة العربية، وهي معقل قوته التاريخية، فبقوة الإسلام أمكن القضاء على الصليبية في الشرق، وبقوة الإسلام في مصر أمكن القضاء على التتار في الشرق، وهما أكبر خطرين واجههما العالم الإسلامي، وقوة الإسلام لم تأت من مصدر واحد- هو القيادة وحدها، أو القاعدة وحدها- بل جاءت من القمة والقاعدة مع قيادة صلاح الدين وسيف الدين قطز ورعية من العلماء كالمعز بن عبد السلام.

ولهذه الأسباب كان لمصر نصيب الأسد من مؤامرات الشرق والغرب، وعندما قدم السادات تنازلاته التاريخية لم يكن يحلم الغرب بأن يحصل على كل ما حصل عليه في هذه الفترة القصيرة جدًا، فلم تكن معاهدة كامب ديفيد هي كل ما قدمه السادات للغرب واليهود، بل إنه قيد مصر والشعب المصري بالديون الباهظة، حتى إن كل مصري- شيخًا كان أو رضيعًا- مدين لبنوك الغرب بحوالي 800 دولار أمريكي!

 

الجماعات الإسلامية: كيف نشأت؟

لم تكن مصر تعرف التطرف الديني بمفهومه الحالي، فمنذ انحسار المذهب الفاطمي عن مصر وعودة التيار السني مع الدولة الأيوبية، انحسرت كثير من المفاهيم الدينية المغلوطة، وعادت لتنهل من الكتاب والسنة، ومعروف أن المذهب السني بعيد عن كثير من المغالطات والتعصبات المذهبية التي برزت في المذاهب الإسلامية الأخرى، والتي نشأت تاريخيًا بنشوء الخوارج، وتطورت لتضم الحشاشين أصحاب مذهب الاغتيال السياسي وغيرهم.

وبالتالي فإن اتهام المتحدرين من المذهب السني اتهام ليس له سند منطقي أو تاريخي، وبالتالي يكون باطلًا من وجهة النظر العلمية.

ويعتبر نشوء أول جماعة إسلامية منظمة في عام 1928 تحت اسم «الإخوان المسلمون» نموذجًا صادقًا للفكر الإسلامي المعتدل والمتزن، والذي يعبر عن حقيقة الفهم الإسلامي وفهم أهل مصر لحقيقة الإسلام، وحتى ما يسمى بالنظام الخاص في الجماعة- والذي يعتبر مسؤولًا عن التسليح والتدريب داخل صفوفها- كان موجهًا ضد الاحتلال الإنجليزي والمؤامرات اليهودية في فلسطين، الأمر الذي كان سببًا في حل الجماعة ونقمة الملك فاروق على قيادتها، فلم يكن النظام الخاص موجهًا ضد مصر وأهل مصر، بالرغم من أنه حاول ضرب الخونة فيما بعد من المتآمرين مع الإنجليز على مصلحة مصر وقضية فلسطين.

 

أسباب نمو الاتجاهات الحادة:

أما ظروف نشأة الأفكار الحالية الموجودة على الساحة المصرية، فمعروف أنها أول ما ظهرت في المعتقلات التي أعدها عبد الناصر لضرب الحركة الإسلامية، مما أفرز الاتجاهات الحادة في معالجة الواقع القائم ضمن مجموعات الشباب الذي كان يتعرض للقمع والتعذيب الجسدي والنفسي الشديد، مما أفرز فكرة العنف ضد العنف لديهم في مواجهة السلطة الغاشمة، والتي مارست ضدهم وضد الأبرياء من أهاليهم كافة أشكال الإرهاب والقمع السلطوي.

وقد اتفقت هذه الأفكار مع اتجاهات الشباب الذي خرج من فترة ضياع حرب 1967، وضياع الكرامة، وحدة الأزمات المتصاعدة في العمل والسكن والمواصلات، ثم سنوات الضباب التي أغرق فيها السادات الشعب المصري، يصاحب هذا كله انحدار الحالة الأخلاقية، وتدهور القيم، واضمحلال العادات والتقاليد الحسنة لدى كثير من الفئات المتضررة من الحرب.

يصاحب هذا كله غيبة القيادة الدينية المسؤولة الواعية، والقادرة على استيعاب الشباب ذي التوجه الإسلامي وتوجيهه الوجهة الإسلامية الصحيحة لاستغلال طاقاته في البناء؛ فقد كان الإخوان المسلمون الذين يعبرون عن الفكر الإسلامي المعتدل في غياهب السجون، بينما كان الأزهر- والذي حطمه عبد الناصر- عاجزًا عن أداء دوره في الدعوة الإسلامية، واستيعاب الشباب المتحمس للدين، وفي ظل هذه الظروف نشأ وترعرع فكر التكفير والجهاد وغيره من الأفكار.

اختراق مباحثي

وقد حاول السادات خلال فترة حكمه أن يشجع بعض التيارات الدينية من أجل مواجهة التيارات الشيوعية في المجتمع المصري، وخاصة في الفترة ما بين 1972 – 1979، وقد استطاعت المباحث المصرية أن تخترق العديد من هذه التنظيمات، من خلال إظهار أفرادها للتعصب الفكري الحاد، الأمر الذي جعل منهم نجومًا ذات شعبية قوية داخلها، ومن ثم توجيه أنشطتها وأفكارها إلى وجهة معينة، تتيح للحكومة استغلال هذا النشاط لضرب التيار الإسلامي، ومد قانون الطوارئ الذي يحكم مصر حتى الآن، وقد ثبت أن أشهر قضية في السبعينات ضد جماعة التكفير والهجرة- أو جماعة المسلمين كما يسمون أنفسهم، والمشهورة بقضية الدكتور الذهبي- كانت من تخطيط وإعداد المخابرات المصرية التي قامت بقتل الشيخ الذهبي بأوامر من جيهان السادات، فقد كان الشاهد الأول على قضية اختلاسات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، والتي اشتركت فيها السيدة الأولى لمصر مع توفيق عويضة سكرتير هذا المجلس وقتها، وكان من بينها مبلغ 4 ملايين دولار تبرعت بها حكومة أبو ظبي لطبع كتب للدعوة إلى الإسلام، وتمت لفلفة القضية وقتل شاهد الإثبات الوحيد!

 

الجماعات الإسلامية: ما هي وما أفكارها؟

باستثناء الإخوان المسلمين والذين صدر عنهم من الكتب والدراسات ما يملأ مكتبة بأكملها، فإن أهم الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة المصرية اليوم هي: الجهاد– الناجون من النار– التكفير والهجرة.

وتتلخص أفكار الجماعات الثلاث الأخيرة باستخدام القوة لتغيير كل منكر في المجتمع، وبالأخص الحفلات الغنائية والراقصة، وأماكن اللهو والفجور في مصر، استنادًا إلى أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضرورة تغييرها باليد، واعتبار أن تغييرها بالقلب هو أضعف الإيمان، وأن المجتمعات الحالية جاهلية أو كافرة، كما يعتقدون بضرورة إحياء فريضة الجهاد المعطلة في المجتمعات الإسلامية.

وتبدو مجمل الأفكار التي يدعو إليها هؤلاء الشباب من صميم العقيدة التي يؤمن بها كل مسلم، ولكن تطبيقاتها الحادة بهذا الشكل هو ما يؤخذ على هذه الجماعات.. فمن القرآن الكريم نجد أن منهج الأنبياء في الدعوة هو الدعوة إلى الله بالحسنى والقول اللفظي أولًا، وأنهم لم يستخدموا قوة السلاح في التغيير، وقد كان هو منهج الرسول- صلى الله عليه وسلم- فلم يواجه كفار الجاهلية بالسلاح إلا بعد تأسيس الدولة.

كما أنه لم يقل أحد من فقهاء الإسلام بأن الجهاد يجب أن يكون ضد المسلمين أو من شهد بالشهادتين، فقد عنف الرسول- صلى الله عليه وسلم- صحابيًا؛ لأنه قتل رجلًا شهد بالشهادتين والسيف مسلط على عنقه؛ لأن الصحابي ظن أن الرجل فعلها لينجو من القتل، فقال له صلى الله عليه وسلم: «هلا شققت عن صدره»، هذه أولوية أخطأت هذه الجماعات فهمها.

إن أولويات العمل الإسلامي لا بد أن تتضح لدى هؤلاء الشباب، حتى لا يضلوا الطريق أكثر مما فعلوا... وأولويات العمل تجبرهم على التحلي بالحكمة والموعظة الحسنة والدعوة إلى الله بالحسنى.

جماعات العنف ومنهم الإخوان:

ونجد من منهج الإمام حسن البنا- رحمة الله عليه- هذا الفهم العميق الذي ربى عليه أبناء دعوته، وكونهم به تكوينًا دقيقًا، خرجت منه دعوة الإخوان- من شتى المحن والابتلاءات- أصلب عودًا، وأقوى قاعدة، وأجلى فهمًا لدين الله وطبيعة العمل الإسلامي وأولوياته، فلم يكن من منهجه- رحمه الله- أن يصد الناس بالعنف حتى عندما جاور دار الإخوان بيت للزنا- رحمة الله عليه- يقيم إلى جانبه «دار التائبات» ليدعو هؤلاء النسوة إلى الفضيلة التي ربما لم يتح لكثير منهن معرفتها، ولا معرفة الله الرحمن الرحيم، والذي هو أوجب واجبات الدعاة المسلمين التعريف به والدعوة إليه.

وقد جدد هذا الفهم قول فضيلة المرشد العام الأستاذ محمد حامد أبو النصر: إن منهج الإخوان هو دعوة الناس إلى الله بالحسنى.. ثم ما عبر عنه الأستاذ مصطفى مشهور بقوله: إن جماعة الإخوان غير مسؤولة عن ظاهرة العنف في المجتمع المصري والذي تتبناه الجماعات الإسلامية.. وهذه حقيقة.. فإن المسؤول الأول عن هذا العنف هو القمع الناصري والتضليل الساداتي، حتى سيد قطب- رحمة الله عليه- وهو الذي فهمت أفكاره خطأ، كان يتحدث عن السيادة الإسلامية للعالم وعن قيادة البشرية، وهذه القيادة لا بد لها من مؤهلات حتمًا لا تبدأ من ضرب الملاهي والبارات أولًا.

 

مصر: الحل للخروج من الأزمة

إن ما تحتاجه مصر للخروج من مأزقها الحالي في مواجهة الجماعات الإسلامية هو الفهم العميق لطبيعة الأزمة الموجودة في الساحة المصرية إسلاميًا وفكريًا، دون أن تلجأ في أساليب مكشوفة لاستفزاز الإسلاميين في أسيوط وغيرها إلى إقامة حفلات غنائية وراقصة، ثم تضربهم بالأمن المركزي، وتذهب أرواح أبناء شعبها هدرًا من أجل أن تمد قانون الطوارئ وتحكم القبضة الحديدية حول أبناء وطنها في سياسة تذكر كبار السن بسياسة المعتمد البريطاني في مصر.

فما الحل مع الجماعات الإسلامية؟ إن الحكومة المصرية لا تستطيع علاجهم؛ لأنهم لا يثقون بالحكومة المصرية التي حاولت قمعهم مرارًا، ولا الأزهر بمنهجيته وطريقة تفكيره قادر على استيعابهم وفهم وترتيب أولويات الدعوة الإسلامية؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

إن الحل الذي هو في صالح مصر- ولا يرضي أمريكا ولا أذنابها في مصر- هو إعطاء الإسلاميين المزيد من الحرية في مصر، ومزيدًا من الهواء حتى تموت الأفكار السيئة، وتبقى الأفكار الصالحة.

 

أخيرًا نقول:

لا بد للحكومة المصرية من أن تعطي الإخوان المسلمين حرية القول، وتكوين حزب سياسي يسمح باستيعاب التيارات الدينية المتزايدة في القوة والعنف، ولا بد أن تعطيهم حق إنشاء الصحف والمجلات؛ لأن هذا هو الحل الأسلم لمصر، وهو الذي يكون في صالحها... إن الإخوان وهم الذين يحبون مصر، ويساهمون في بنائها اقتصاديًا من خلال مؤسسات أفرادهم وخبراتهم في كل مجال، ويعملون على ترشيد الشباب المسلم كما تبين للدولة التي كانت كلما احتدم نزاع طلابي أو غيره استنجدت بالشيخ عمر التلمساني- رحمة الله عليه- وبخيرة رجال الإخوان الذين ثبت ولاؤهم لله والإسلام ومصر.

أما سياسة البطش الحديدية والقمع غير الإنساني فلن تفرز إلا مزيدًا من العنف، وخاصة باستمرار الأحوال الحالية، والذي ربما أنذر بانفجار شعبي شامل لن يقدر الإخوان على ترشيده، ولا تتحمل الجماعات الإسلامية وزره.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

605

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

193

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية