; تأملات تاريخية - في موكب ابن أبي دواد | مجلة المجتمع

العنوان تأملات تاريخية - في موكب ابن أبي دواد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1981

مشاهدات 54

نشر في العدد 552

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 15-ديسمبر-1981

أحمد بن أبي دواد أحد القضاة المشهورين في زمن العباسيين.. تبنى بعض القضايا الفلسفية والجدلية، وأطلقعليها عقيدة الإسلام.. ودعا الناس إليها باعتبارها توحيدًا.. وجعل هذه القضايا هاجس الناس وشاغلهم.. وصرف أذهان الشعب عن الجهاد والثغور، ومحاربة المنكرات السياسية التي يمارسها سلاطين بني العباس.. وقد وجد سلاطين بني العباس دعوته سبيلًا لشغل الناس عن انحرافاتهم وظلمهم؛ فتبنوه، وتبنوا دعوته.. وأصدر الحكام مراسيم باتباع فلسفة ابن أبي دواد واعتبارها عقيدة الأمة.. وحشدت له السلطة كل أجهزتها الإعلامية والبوليسية لقسر الناس على معتقده الفلسفي.

وكالعادة تعثرت خطة السلطة عندما توقفت عند الدعاة الصادقين.. فقد انزعجت لصلابة إمام أهل السنة أحمد بن حنبل أمام هذا الغزو الفكري الجديد المدعم بأغراض سياسية.. لقد رفض أحمد بن حنبل وعلماء أهل السنة هذا الغزو الفكري، وتلويث العقيدة بالفلسفة، وتعكير صفائها بلوثة أهل الكلام، فما كان من ابن دواد إلا أن يحرض السلطة على أحمد وجماعته.. فانطلقت السلطةمشهرة أنيابها استجابة لفتوى ابن أبي دواد في ضرب الحركة الإسلامية.. وأخذت تكيل العذاب ألوانًا وأشكالًا على أحمد وصحبه.. وذهب في هذه الفتنة شهداء أبرار في سبيل الله حفاظًا على دينهم.

ولقد مضى ابن أبي دواد رمز مدرسة ذيل بغلة السلطان.. ومضى السلاطين وبغالهم، وبقي أحمد بن حنبل خالدًا في التاريخ رمزًا للثبات والصمود.

والتاريخ اليوم لم يحفظ لنا أية كرامة لابن دواد.. رغم أنه كان يقال عنه: أكرم من كان في دولة بني العباس البرامكة، ثم ابن أبي دواد.. وإنه كان محبًّا للخير.. لم يحفظ لنا التاريخ شيئًا من محاسنه، رغم وجودها، لقد مات ابن أبي دواد مشلولًا.. وخلف لنفسه بغضًا شديدًا في قلوب الجماهير المسلمة.. لقد حفظ لنا التاريخ دوره السيئ في تحريض السلاطين على ضرب الحركة الإسلامية.

قال عنه الذهبي: كان جهميًّا بغيضًا.. حمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن، ولولا ذلك لاجتمعت الألسنة عليه.. وهكذا يمضي الكهنوت الرسمي في موكب التاريخ.

الرابط المختصر :