العنوان قادة السودان.. والتنازلات الخطيرة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 02-يونيو-1998
مشاهدات 66
نشر في العدد 1302
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 02-يونيو-1998
لا تزال ثورة الإنقاذ في السودان التي قادها الفريق عمر البشير، وقضى بها على النظام الحزبي السابق، وعلى رأسه حزبا الأمة والاتحادي، لا تزال تخوض معارك في جميع الاتجاهات، وقد حققت في بعضها انتصارات لا بأس بها، ولا تزال ترابط في معارك أخرى تراهن على النصر والتمكين.
ففي المجال الاقتصادي، ارتفع إنتاج البلاد من الغذاء من 800 ألف طن سنويا، إلى 5 ملايين طن سنويا، والنفط الذي أحكمت حصاره شركة شيفرون الأمريكية هو اليوم بأيدي شركات عدة من ماليزيا، والصين، وكندا وغيرها، وقد بدأ إنتاجه وتكريره، ويتوقعون تصدير 150 ألف برميل في اليوم في غضون سنة.
والبنك الدولي الذي أوقف التعامل مع السودان قبل سنوات، أعاد اليوم ثقته بالاقتصاد السوداني في تقرير أثنى فيه على ارتفاع نسبة النمو!!
وفي المجال الإقليمي، فقد تمكن السودان إلى حد ما من أن يتفاهم مع مصر الشقيقة الكبرى، ومع أوغندا التي اضطرتها ظروفها الداخلية إلى التفاهم، ومع إثيوبيا إلى حد ما، ولم تبق سوى إريتريا التي تستقر فيها المعارضة السودانية الشمالية التي تشت بعض الغارات بين الفترة والأخرى ضد السودان.
وإذا استطاع السودان أن يحقق هذه الإنجازات فبفضل الله، ثم بالعمل الدؤوب والتضحيات الجسام التي بذلها الشعب السوداني المسلم.
بقي بعض النقاط التي تقلق المسلمين والوجدان الإسلامي في داخل السودان وخارجه، فيوم قامت ثورة الإنقاذ قبل تسع سنوات، أعلنت أن مبرر قيامها هو الحفاظ على الهوية السودانية العربية والإسلامية المهددة من قبل المتمرد الجنوبي قرنق، والقوى الإقليمية، والعالمية التي تسانده وتحكيم الشريعة، والمحافظة على الجنوب الذي هو صلة السودان بإفريقيا كلها الذي تقطنه أقلية نصرانية هي بالنسبة للعدد أقل من عدد المسلمين بالإضافة إلى نسبة من الوثنيين.
فأين صارت الثورة من هذه الأهداف التي كانت مبرر وجودها وقيامها؟
بالنسبة للهوية، فلا نراها في أي وقت منها اليوم، فالدستور الذي ينتظر نتيجة الاستفتاء الشعبي لا ينص على أن الإسلام دين الدولة الرسمي، وإنما ينص على أن "السودان وطن جامع تأتلف فيه الأعراق والثقافات وتسامح الديانات، والإسلام دين غالب السكان، والمسيحية والمعتقدات العرقية أتباع معتبرون".
والدستور لا يشترط أن يكون رئيس الدولة مسلما، ولا يشترط أن تكون الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، بل يعتبرها أحد المصادر التشريعية، مع الأعراف القبلية والإجماع "الذي هو كلمة لا معنى لها في هذا السياق".
أما بالنسبة للهدف الديني الثاني، وهو المحافظة على الجنوب، فلننظر ماذا جرى: في مباحثات "الإيقاد" التي عقدت مؤخرا في كينيا أعلن السودان بوضوح كامل أنه سيمنح الجنوب حق تقرير المصير تحت إشراف رقابة دولية، وحتى لا يبقى هناك أي مجال للتأويل أعلن رئيس الوفد السوداني في "الإيقاد" أنه سيسعد السودان أن يعترف بالجنوب دولة مستقلة إذا قرر سكان الجنوب ذلك.
نعلم أن الهجمة على السودان شرسة، وقد تخلى عنه كثير من الأشقاء والجيران في أحرج الظروف، والتمرد يحتل جزءا من الجنوب والشرق.. ولكن هل يمكن أن يكون الثمن هو تقديم هذه التنازلات الخطيرة، وهل يقبل شعب السودان الذي ضحى بعشرين ألف شهيد من شبابه في معارك الجنوب التخلي عن جزء من ترابه؟
وهل يقبل شعب السودان الذي أعلن تمسكه بهويته الإسلامية، بهذه المواد المشوهة من الدستور التي تفرغه من أي محتوى إسلامي، يؤكد هوية السودان وشعبه المسلم؟
وكيف توافق حكومة الإنقاذ والبرلمان الذي يرأسه الدكتور حسن الترابي على هذه النصوص بعد أن حققت ثورة الإنقاذ ما حققت من إصلاحات ونمو؟
وهل يقبل المسلمون في أنحاء العالم، الذين نصروا وتعاطفوا مع التجربة السودانية مثل ذلك؟
لا نعتقد أن شعب السودان يقبل، كما لا نعتقد أن المسلمين في أنحاء العالم يرضون.
إننا ننصح قادة السودان أن يكون رضا الله أهم وأولى عندهم من رضا الغرب، ولا يغرنهم أن تعلن الولايات المتحدة عن رضاها عن نتائج المفاوضات مع المتمردين، والتي أقرت إجراء استفتاء على تقرر مصير الجنوب، ونذكرهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]
نصيحة حب نقدمها للسودان الشقيق حكومة وبرلمانا وشعبا، فالدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
لقد سبق لـ المجتمع أن دافعت عن السودان وحذرت من المؤامرات التي تحاك ضده بسبب توجهه الإسلامي، ونأمل ألا يخذلنا السودان ولا يخذل الأمة الإسلامية بمشروع الدستور الجديد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل