; قبل فوات الأوان.. قراءة أمينة في معادلات المشهد السوري | مجلة المجتمع

العنوان قبل فوات الأوان.. قراءة أمينة في معادلات المشهد السوري

الكاتب د. عبد الله الأشعل

تاريخ النشر السبت 16-يوليو-2011

مشاهدات 39

نشر في العدد 1961

نشر في الصفحة 28

السبت 16-يوليو-2011

  • على الشعب والنظام كليهما التمييز بين المطالب المشروعة وما يلبسها من أطياف المؤامرة
  • تغليب المصلحة العليا للوطن تحفظ للجميع حقوقهم.. وضياع سورية ضياع لكل السوريين وللمنطقة
  • كيف يمكن حصر الخلاف بين الشعب والنظام وعزل أطياف المؤامرة الخارجية التي تبدو ظاهرة؟
  • من الخطر تخيير الشعب بين حريته في مواجهة النظام ورغبته في أن يكون ممانعاً ورافضاً الاستسلام

أريد - منذ البداية - أن أذكِّر بخمس حقائق لازمة لأي قراءة منصفة للمشهد السوري من وجهة النظر العربية.

- الحقيقة الأولى: أن نظام «الأسد » ظل يقاوم الضغوط الأمريكية والصهيونية، ولو كان قد خضع لهذه الضغوط لانضمت سورية إلى معسكر الاعتدال الذي قاده «حسني مبارك » بكل ما تمثله مصر من ثقل، وهذا هو سبب استبشار الجميع - بما في ذلك سورية - بأن تعود مصر إلى أمتها، ويُرفع الضغط عن سورية التي ظلت وحيدة رافعة راية الممانعة.

- الحقيقة الثانية: أن قومية توجُّه النظام وتكاليفه التي يتحملها الشعب السوري ليست بديلاً عن تنظيم العلاقة بين الشعب والسلطة، بما يكفل الاستجابة لنوازع الحرية عند الشعب، أي أنه من الخطر أن نخير الشعب السوري بين حريته في مواجهة النظام ورغبته في أن يكون ممانعاً ورافضاً الاستسلام، أي أن استقلال القرار السوري إزاء الخارج لا يجوِّز أن يُوضع مقابل حق الشعب السوري في الحرية؛ لأن الوطن السوري في الفرضيتين.. الحرية للمواطن هي حرية للوطن وحماية لاستقلال قراره، فقد سقطت نظرية الموازنة بين حرية المواطن وحرية الوطن؛ لأنه لا يمكن للوطن أن يكون حراً بينما أبناؤه ليسوا أحراراً، وهي نظرية حاول بعض الفلاسفة في مصر في عهد «عبدالناصر » تبرير العدوان على الحريات ودولة المخابرات التي قادها «صلاح نصر » تحت ستار تقليم أظافر أعداء الوطن؛ حيث تب أن سرَّ الأزمة في هذه الإشكالية هو الخلط بين الوطن والنظام، وأصبح النظام هو الوطن والوطن هو النظام، فلما هُزِم الوطن سقط النظام، وهذه تجربة بالغة الدلالة على أن النُّظم دائماً زائلة وفي خدمة الوطن، ولكن الذكاء هو كيف يحافظ النظام على الوطن، وألا يكون حب السلطة أو التمسك بها هو الذي يبرر كل دعاوى النظام، لأن النظام في سورية يختلف تماماً عن الحالتين اليمنية والليبية.

هكذا فشلت التجربة الناصرية، وكانت ثغرة الديمقراطية هي التي أوقعتها في سلسلة من المتاعب نصبها لها أعداؤها فسهل القضاء عليها، وأظن أن نصائح من هذا القبيل تم تقديمها بصراحة إلى رئيسٍ شاب متعلم متفتح اندمج بسرعة في مدرسة الممانعة، وكان دائماً يردد أن ثمن الممانعة أقل بكثير من تكلفة الاستسلام والانبطاح.

- الحقيقية الثالثة: أن سورية من الناحية الإستراتيجية بالغة الأهمية للصهاينة؛ حيث تمثِّل الحلقة الوسطى الأساسية بين إيران و «حزب الله » و «حماس ».. ومن خلال هذه الوضعية، تتقاسم سورية المصلحة الإستراتيجية والسياسية في الساحة اللبنانية، وقد حاولت «واشنطن » و «تل أبيب » تفكيك هذا التحالف بكل الطرق التي لا مجال لإيرادها بالتفصيل في هذا المقام، ولكن الثابت أن صمود هذا التحالف كان مفيداً لصمود المقاومة ضد المشروع الصهيوني.

- الحقيقة الرابعة: أن لدينا حقيقتين كان يجب ألا يكونا متصارعتني، خاصة أن الدوائر الغربية تمكنت من ترتيب هذا التصارع في حالة مصر بعد عام 1967 م، وصارت مطاردة العروبة وإرادة، وكذلك التيار القومي معها، كلما أخطأ حاكم كان يدعي العروبة صدقاً أو كذباً، حتى وصلنا إلى حالة صار فيها الناس يتبرؤون من عروبتهم ومن إسلامهم.

الصراع الماثل الآن في سورية الذي تصوره الأحداث يدور بين حقيقة أن الشعب السوري يريد الحرية أسوةً بشعوب العالم العربي الأخرى، وأنه لا يجوز قمعه وقتله، وحقيقة أن الثورة ضد النظام لهذا السبب قد تنال منه وتؤدي إلى إسقاطه، فهل خدمة الممانعة تتطلب حتماً إحكام القيد على الشعب، أم أنه يمكن إقامة نظام ديمقراطي يدعم استقلال الوطن وحماية خياراته؟

- الحقيقة الخامسة: أنه ما دامت سورية الوطن مستهدفة من المحيط المعادي، وما دامت سورية النظام مطالبة بالحرية،

وما دامت سورية الوطن والنظام يجب الإبقاء عليها لمصلحة رسالة الممانعة في منظور الصراع ضد المشروع الصهيوني، فإن احتمالات استغلال الخارج لهذه المعادلة واردة بشدة، فيُضاف إلى المطالبات الشعبية أطياف المؤامرة لإشعال الموقف.. وربما أن إدراك الخارج لهذا الموقف في الساحة السورية، فإن الموقف الدولي لا يزال يعوِّل رسمياً على أن يحتوي الرئيس «بشار الأسد » الموقف، ويسوي قضية الحرية مع شعبه.

ولسوء الحظ، فإن الإعالم انقسم إلى قسمين؛ الأول: الإعلام السوري بالرواية السورية، والثاني: الإعالم الأجنبي بما فيه الإعالم العربي - خاصةً قناة «الجزيرة - » برواية مخالفة.

فكيف يمكن حصر الخلاف بين الشعب والنظام في سورية وعزل أطياف المؤامرة الخارجية التي تبدو ظاهرة؟

فالشعب له الحق في المطالبة بالحرية، والنظام اتسع الرتق عليه بفعل هذه الأطياف، وكلما اتسع هذا الرتق ظهرت السلطات الأمنية والعسكرية وكأنها هي التي تقمع هذا الشعب بهذه الوحشية.. والضحية في النهاية هو الشعب والوطن السوري.

فلا شك أن الحقيقة تقع في مسافة ما بين الروايتين المتضاربتين؛ ولذلك فإن النظام كان بوسعه أن يُسرع باحتواء الموقف قبل استفحال الخلط بين سيف السلطة وسيف أعداء الوطن.

إنني أشعر بالقلق الشديد على سورية الوطن، فهل يسود العقل ويدرك الجميع أبعاد الخطورة؟

تغليب مصلحة الوطن

كنتُ أودُّ أن أستثمر حبي لسورية وشعبها وعلاقتي مع نظامها في تسوية ما، ولكني وجدت أن الشقة تتسع، ولن ينقذ سورية إلا شعبها، خاصةً أن هيمنة قوى الأمن والمعالجة الأمنية للموقف هي التي مكّنت لأطياف المؤامرة.

الوطن السوري أغلى من أي نظام، والوطن في خطر، وصارت سورية ساحة كبرى للمغالبة. أنقذوا سورية قبل فوات الأوان.

تغليب المصلحة العليا للوطن تحفظ للجميع حقوقهم، وضياع سورية ضياع لكل السوريين وللمنطقة نفسها.

إنني أخشى أن يكون الخطاب الدولي تجاه سورية هو تطبيق لنظرية بريطانيا في القرن التاسع عشر للمسألة الشرقية؛ بأن الإمبراطورية العثمانية هي الرجل المريض في أوروبا.. فإن تخيير «الأسد » بين الإصلاح أو الرحيل ليس حباً في النظام، وإنما هو كسب للوقت، حتى تنضج الساحة السورية، فتعالج بترتيبات تتفق مع خطورتها؛ لأن سقوط سورية يعني عمليًا انقطاع العلاقة اللوجستية بين إيران و «حزب الله» و«حماس»، وانفتاح الساحة اللبنانية على كل الاحتمالات.

ولا أدري لماذا أتصور دائمًا أن المخطط ضد سورية يهدف إلى انتقام «تل أبيب» و«واشنطن» لاحتمالات ضياع مصر من أيديهم، فقد خسر الاثنان رأس معسكر الاعتدال العربي، والآن يردون بضياع رأس معسكر الممانعة العربية.

تلك هي رؤيتي للساحة السورية، وأكرر دعوتي لكل الإخوة السوريني بالحرص والسرعة في التسوية، حتى يفلت الوطن السوري من منطقة الشفق التي يلتبس فيها حق الشعب في المطالبة بحريته وانفتاح ثغرة التآمر، وعلى الشعب السوري أن يميز - وكذلك النظام - بين المطالب المشروعة وما يلبسها من أطياف المؤامرة.

الرابط المختصر :