العنوان قتلة سيد قطب
الكاتب محمد الحسناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1999
مشاهدات 117
نشر في العدد 1336
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 02-فبراير-1999
لم يعد خافيًا أن قتلة سيد قطب - رحمه الله - ليسوا وحدهم الذين أصدروا حكم الإعدام عليه، وتنفيذه شنقًا بالقاهرة عام ١٩٦٦م، فقد أصدر الحكم عليه جمال عبد الناصر في أثناء زيارته للاتحاد السوفييتي، ثم نفذه بعد عودته.
ومن المعلوم أيضًا أن سبب إعدام هذا الرجل ليس جرمًا جنائيًا اقترفه، إنما هي الأفكار التي تبناها مستوحاة من الإسلام العظيم، وضمنها مؤلفاته المتعددة الضخمة ولا سيما كتابه «معالم في الطريق»، ومن حكمة الله تعالى وسننه الماضية مضي السيف، أن كان ذلك الحكم الظالم مدعاة للمزيد من التعريف بقضية سيد قطب وأفكاره التي مهرها بدمائه الزكية الطاهرة في سبيل الله، وقد قال في رسالته إلى أخته« أمينة»: «أنا لست ممن يؤمنون بحكاية المبادئ المجردة عن الأشخاص.. أمن أنت أولًا بفكرتك أمن بها إلى حد الاعتقاد الحار عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون» كما شهر عنه تشبيهه للأفكار بعرائس الشمع تظل كذلك جامدة ما لم يضح في سبيلها الإنسان بروحه ودمائه فتنبعث فيها الحياة، ولهذا لا تستغرب تصريحه، بل فرحه بأن تسرق أفكاره أو أن يتبناها الآخرون لأن ذلك يحقق هدفه هو نفسه صاحب الأفكار، يقول أيضًا في رسالته إلى أخته، وكان يقدر أنه على بعد خطوات من الموت: «إن الفرح الصافي هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكًا للآخرين... «التجار» وحدهم هم الذين يحرصون على «العلاقات التجارية» لبضائعهم». هل يصدر مثل هذا الشعور النبيل إلا ممن صدروا عن مشكاة النبوة؟
ولعل الشر ممثلًا بقوى الظلام والطغيان يدرك أكثر ما يدرك خطر هذه الأفكار البناءة الربانية فيعمل على وأدها، سواء بقتل صاحبها، كما نشر بعض الأنبياء عليهم السلام وأنصارهم بالمناشير أم يحجب هذه الأفكار عن البشر لئلا تضيء ظلمات النفوس وتكشف الحجب عن الأبصار، وتفضح الدجاجلة والمزيفين والأوثان الجديدة.
ومن أنواع القتل المستمر لسيد قطب – رحمه الله – أفكاره التي استشهد بسببها، ومن ذلك أن يقدم ناشر مؤلفاته على حذف شيء منها، كما وقع لكتابه الجليل «الإسلام والسلام العالمي»، وما ندري إن كان قد وقع ذلك لمؤلفاته الأخرى لأن الأمر يحتاج إلى انتباه أولًا، وإلى إجراء عمليات فحص ومقارنة بين الطبعات القديمة. ومعظمها مفقود، وبين الطبعات الجديدة وما أكثرها، فقد بلغ بعضها العشرات من المرات.
ما وقع الكتاب «الإسلام والسلام العالمي» انتبه إليه نفر من القراء المخلصين، ورغبوا إلينا بالتنبيه إليه ألا وهو حذف القسم الأخير من الكتاب المذكور الذي يستغرق ٢٤ صفحة بعنوان «الآن...»، وهو قسم لم يعد موجودًا إلا في الطبعة الأولى والثانية من الكتاب المذكور وحسب حتى إن دار النشر المشهورة التي تعاقدت مع ورثة سيد قطب لتتفرد أو «تحتكر» نشر مؤلفاته حذفت هذا القسم المشار إليه، ولكي نكون موضوعيين في تقدير حجم الفعلة المقترفة بحق مؤلف الكتاب تثبت النقاط التالية:
1- إن حذف شيء من مؤلف بغير إذن صاحبه لا يجوز خلقًا ولا علمًا هذا بالنسبة إلى صاحب الكتاب.
2- أما بالنسبة إلى قارئه، فإنه يخسر الجزء الأهم في الكتاب لأن خطة الكتاب جارية خطوة خطوة حتى تصل إلى الخلاصة أو الزبدة أو النتيجة، فيأتي من يقطع هذه الثمرة ويلقي بها في الفناء وبلا أدنى إشارة أو اعتذار.
3- إذا عرفنا أن القسم المحذوف يخدم حذفه أعداء البشرية جمعاء، وهم أعداء سيد قطب اتضح حجم اللقطة، ففي صدر هذا القسم يقول المؤلف «والآن بعد استعراض فكرة السلام في الإسلام، والإمام بفكرة الإسلام الكلية عن الحياة الآن ما طريقنا نحن الأمة المسلمة؟ وما موقفنا من الصراع العالمي الذي يدور حولنا، ما واجبنا تجاه الحياة وتجاه الإنسانية وتجاه أنفسنا» إذن في هذا القسم المحذوف وصل المؤلف إلى تقديم برنامج عمل الفرد المسلم والجماعة المسلمة والإنسانية كلها تحقيقًا للسلام العالمي في المحيط الدولي وهو الخير الشامل تحقيقًا لكلمة الله، وإلا فالجهاد الدائم لتحقيق هذه الكلمة، والكفاح الدائم لدفع البغي والعدوان والصراع الدائم مع الفساد والشر والطغيان.
إن القسم المحذوف من الكتاب بعد قراء إسلامية للواقع العربي والإسلامي والدولي بشكل حي وإني على الرغم من أنه كتب في الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن، وهو يتوقع سقوط الاتحاد السوفييتي، كما يحذر من خطر انفراد أمريكا بالساحة الدولية بعد ذلك يقول رحمه الله تعالى عليه: إنه ليس من مصلحتنا نحن ولا من مصلحة الإنسانية أن تغلب الآن إحدى الكتلتين على الأخرى، وتمحوها من الوجود محوًا، فنحن في دور استكمال وجودنا الطبيعي في الحياة، واستنقاذ مصالحنا المغصوبة بأيدي المستعمرين، ليس من مصلحتنا أن تهزم الجبهة الشرقية هزيمة نهائية، ولا من مصلحة الإنسانية كذلك، وإن وجود هذه الكتلة بهذه القوة في هذه الفترة لهو إحدى الضمانات لنا لنستخلص هذه الحقوق يومًا بعد يوم، كما أنه الضمانة المؤقتة للبشرية الا تسيطر عليها قوى الاستعمار الجائر الغاشم الظالم، ص ١٦٦.
بل يذهب الاستبصار الرباني إلى حد تصوير الغطرسة الأمريكية التي وتواجهها معنا البشرية جمعًا فيقول «على أنني أعيذ البشرية أن يستبد بها الصلف الأمريكي السخيف الذي لا يقاس إليه الصلف البريطاني ذاته في أرض المستعمرات إن عداوة الأمريكي للملونين عداوة بغيضة كريهة، وإن احتقاره للملونين لتهون إلى جانبيه تعاليم النازية، وإن صلف الرجل الأبيض في أمريكا ليفوق كل ما كانت تتصوره الهتلرية وويل للبشرية يوم يوقعها سوء الطالع في ربقة هذا الصلف الأمريكاني، بلا قوة في الأرض تخشى، ويعمل لها حساب» (ص ١٦٧)، وهنا تلقي السؤال الذي تلقيه لجان التحقيق: من المستفيد من حذف هذا القسم اللهم من كتاب الإسلام والسلام العالمي، غير أمريكا المستبدة بالنظام العالمي كما حذر سيد قطب؟
إنه يحذر من أن تدور رحى الحرب الكونية المدمرة في أرض غير أرض الكتلتين «ستدور في تركيا وإيران والعراق وسورية ومصر والشمال الإفريقي، وفي باكستان وفي أفغانستان، وفي منابع البترول الإيرانية والعربية، إنها ستدمر مواردنا نحن وتحطم حياتنا نحن، وتدع أرضنا بقعًا خرابًا يبابًا. وسواء علينا انتصرت هذه أم انتصرت تلك فستخرج نحن من المعركة فتاتًا وعظامًا.. فستكون نحن تلك الفئران الصغيرة لتجارب القنابل الذرية والقنابل الهيدروجينية» (ص 170)
وتزداد خطورة هذا القسم المحذوف حين يقترح المؤلف رحمه الله - طريق الخلاص فيقول: «إن طريق الخلاص هو أن تبرز إلى الوجود من أرض المعركة المنتظرة كتلة ثالثة تقول لهؤلاء ولهؤلاء لا " إننا لن نسمح لكم بأن تديروا المعركة على أشلائنا وحطامنا، إننا لن ندع مواردنا تخدم مطامعكم، وأن ندع أجسادنا تظهر حقول الغامكم، وأن تسلمكم رقابنا كالخراف والجداء» (ص ۱۷۳)
إننا ندعو من حذف هذا القسم المهم من الكتاب إلى إعادة نشره وفي ضمن الكتاب حيث كان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل