; قراءة حركية في القواعد الفقهية الخاصة برفع الحرج المشقة تجلب التيسير | مجلة المجتمع

العنوان قراءة حركية في القواعد الفقهية الخاصة برفع الحرج المشقة تجلب التيسير

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر السبت 28-أبريل-2001

مشاهدات 99

نشر في العدد 1448

نشر في الصفحة 57

السبت 28-أبريل-2001

 

على الجماعة المسلمة أن تبتعد عن التعسير حتى لا تجمع على نفسها عنت الداخل والخارج 

 هذه القاعدة مبنية على قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: ۱۸۵) ، ويُستفاد منها أن على الجماعة المسلمة حيال الظروف الصعبة، ووقوع الفتن واهتزاز الصف وتامر الأعداء، أن تعتمد سياسة التيسير لا التعسير حتى لا يجتمع عليها العنت من الداخل والخارج، فتضعف وتتصدع.

 فقد تكون الحركة في مواجهة حملة تصفية من قبل عدو خارجي أو جهات داخلية حيث يتعرض أعضاؤها للملاحقة والاعتقال والضغوط المختلفة. ومن الطبيعي حيال ذلك أن يضعف البعض فيما يقوى ويثبت البعض الآخر. وفي هذه الحالة لا يكون من المصلحة في شيء اشتداد القيادة على الضعفاء وتبكيتهم، بل يجب التخفيف عنهم. ومعالجتهم بما يطيقون تبعاً للتخفيف الرباني في هذه الظروف والأحوال.

حادثة عمار

ففي مكة حين اشتد الأذى على المسلمين لم یكن هنالك من فرصة أمام البعض إلا النطق بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان للنجاة بالنفس مصداقاً لقوله تعالى ﴿إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾  (النحل: ١٠٦) التي نزلت في أمثال عمار بن ياسر الذي لقي عذاباً شديداً من قبل قريش.

 أخرج أبو نعيم في الحلية (1/140) عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال: أخذ المشركون عمارا فلم يتركوه حتى سب رسول الله r وذكر الهتهم بخير فلما أتى رسول الله ﷺ قال: «ما وراك قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت الهتهم بخير فقال رسول الله له فكيف تجد قلبك؟ قال: أجد قلبي مطمئناً بالإيمان قال: فإن عادوا فعد».

وأخرجه ابن سعد (3/178) عن أبي عبيدة نحوه وأخرج أيضاً عن محمد: «أن النبي له لقي عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عن عينيه وهو يقول: أخذك الكفار فغطوك في الماء فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم». وأخرج أيضاً (3/177) عن عمرو بن ميمون :«قال أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار قال فكان رسول الله rله يمر به ويمر يده على رأسه فيقول: يا نار كوني برداً وسلاماً على عمار كما كانت على إبراهيم r، وتقتلك الفئة الباغية».

 إن النزول عند حكم الإسلام يجب أن يلحظ كل د الأحكام في كل الظروف كما يجب أن يلحظ هامش الرخص التي امتن الله تعالى بها على عباده، وتلا يكلفهم فوق ما يطيقون. ففي الدعاء القرآني جاء قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا  لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا  رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ  وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا  أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [ سورة البقرة: 286] ، وفي التشريع القرآني: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ البقرة: 173] ومنه كذلك ﴿ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَیۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَیۡهِۗ وَإِنَّ كَثِیرࣰا لَّیُضِلُّونَ ﴾ (الأنعام: ۱۱۹). 

أسباب الإباحة

 وفي القواعد الفقهية (الضرورات تبيح المحظورات..) وفق الشروط والضوابط التي حددت لها جاء في كتاب «رفع الحرج في الشريعة الإسلامية، للدكتور عدنان محمد جمعة ما يلي: ويتخرج على هذه القاعدة جميع رخص الشرع وتخفيفاته، التي تتعلق بالأسباب التالية:

 السبب الأول: السفر.

 السبب الثاني: المرض. 

السبب الثالث: الإكراه 

عن ابن عباس أن رسول الله r قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (ابن ماجة وابن حبان والحاكم) 

ومما يباح بالإكراه أمور منها: الأول: التلفظ تلفظ بكلمة الكفر، قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَٰنِ﴾ (النحل: ١٠٦) فيباح ولا يجب، بل الأفضل الامتناع مصابرة على الدين، واقتداء بالسلف.

 وفي السنة النبوية عن عائشة قالت: قال رسول الله r «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، قالت قلت يا رسول الله وما عزائمه؟ قال: «فرائضه»، (مسند أحمد)

دعوتنا ليست تيك أواي

ثمار الدعوة كثمار شجر الزيتون يزرعها الأجداد. ويحصدها الأحفاد، ولو كان هناك ثمرة تستغرق وقتاً أكثر من الزيتون لشبهتها بها.

وقد يلومني لائم لماذا هذا التصوير الذي د يبعث نوعاً من الفتور، فأقول بل لماذا العجلة؟ قليل دائم خير من كثير منقطع، كما قال رسولنا r. إننا لسنا في سباق المسافات العدو القصيرة فعلى الدعاة إذن أن يثبتوا في كل خطوة يخطونها إلى الأمام، وأن يتأكدوا أن النصر من الله تعالي قادم لا محالة. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105) 

فهل نحن مؤهلون لحمل هذه الأمانة العظيمة؟ إن علينا أن نبذل، وأن نستمر في العطاء  والا نستعجل تحقيق الأهداف الرئيسة للدعوة والا نقطف ثمرة لم تنضج بعد.

 إن تعجل قطف الثمرة مبكراً، عند بعض الشباب المتحمس قلة فهم لاستراتيجية الدعوة والفترة الزمنية المطلوبة لقطف الثمرة. علينا أن نتأمل كم أمضى رسول الله r في دعوته في مكة ثم هاجر إلى المدينة ثم بدأت سنوات الجهاد، وفي النهاية دخل r - إلى مكة فاتحاً منتصراً وكان هذا ثمرة رئيسة من ثمرات الدعوة، فهل تم ذلك بين يوم وليلة أم أنه استغرق وقتاً وجهداً، وصبراً؟ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا ۚ﴾ (التوبة: 28). فيا أيها الجيل الجديد: رويداً.. رويداً.

عبد الله محمد العسيري 

الرابط المختصر :