; قراءة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

مشاهدات 58

نشر في العدد 1326

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 17-نوفمبر-1998

  • تقليص الديمقراطيين للفارق إلى ١٠ مقاعد يبعث في صفوفهم الأمل بالسيطرة على الكونجرس عام ٢٠٠٠م

  •  آل جور- بوش الابن منافسة على تقبيل أعتاب تل أبيب

  • من الغرائب: سقوط صاحب نظرية «الاحتواء المزدوج» ... والسود يفقدون مقعدهم الوحيد.. و«سحاقية» حاكمة لولاية ويسكونسين!

بعد مرور سبعة أسابيع على نشر تقرير كينيث ستار حول قضية مونيكا- كلينتون ووسط تنبؤات بأن يخسر الديمقراطيون عددًا كبيرًا من المقاعد في مجلسي النواب والشيوخ جاءت النتيجة مخيبة لآمال الجمهوريين، ومعطية حزب الرئيس الأمل في السيطرة على الكونجرس في انتخابات عام ۲۰۰۰م، ولأول مرة في التاريخ الأمريكي تنكسر القاعدة التي تقول إن حزب الرئيس يخسر المزيد من المقاعد في انتخابات التجديد النصفي التي تأتي بعد الانتخابات الرئاسية بسنتين.

إن مجرد محافظة الحزب الديمقراطي على مقاعده في مجلسي الشيوخ والنواب كانت ستعتبر نصرًا كبيرا بعد الظلال التي ألقتها قضية مونيكا لوينسكي على مستقبل الرئيس وحزبه، فكيف إذا ما حقق هذا الحزب تقدمًا- ولو هامشيًا- في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي جرت الثلاثاء 3 نوفمبر الماضي؟ 

النتيجة لم تكن فارقًا كبيرًا بين الحزبين في عدد مقاعد مجلس النواب، إذ إن الجمهوريين خسروا خمسة مقاعد فقط لصالح الديمقراطيين، إذ تقلص الفارق بينهما من ٢٢ مقعدًا في دورة الكونجرس الماضية إلى عشرة مقاعد، وأصبح للجمهوريين الآن ۲۲۳ مقعدًا مقابل ۲۱۱ مقعدًا للديمقراطيين، ومقعدًا مستقلًا واحدًا هو المقعد الذي لم يتغير.

أما في مجلس الشيوخ فقد حافظ الحزبان على عدد مقاعد كل منهما نفسه «55 للجمهوريين و٤٥ للديمقراطيين»، وسجلت خسارة السيناتور الجمهوري ألفونسو داماتو عن نيويورك وصاحب نظرية الاحتواء المزدوج لكل من إيران والعراق خسارة كبيرة لحزبه، وكان داماتو من أكثر الجمهوريين انتقادًا لسياسات الرئيس كلينتون، وهو الذي ترأس عام ١٩٩٤م التحقيق في فضيحة «وايت ووتر» التي تورط فيها الرئيس وزوجته عندما كان حاكمًا لولاية أركنساس في الثمانينيات، كما خسر السيناتور الجمهوري لاوتش فيركلوث الصديق الشخصي والحليف السياسي للمحقق المستقل كينيث ستار مقعده عن ولاية كارولينا الشمالية، وعكست هذه النتيجة عدم رضا الناخب الأمريكي عن هذين الشخصين بسبب تصدرهما لمحاولات إقالة الرئيس كلينتون من منصبه.

 وخسر السود مقعدهم الوحيد في مجلس الشيوخ الذي كانت تحتله السيناتورة الديمقراطية کارول براون عن ولاية إلينوي لصالح المرشح الجمهوري بيتر فيتزجيرالد، وفي تاريخ الولايات المتحدة كله لم ينجح إلا اثنان من السود في الوصول إلى مجلس الشيوخ: هذه المرأة التي فازت أول مرة عام ۱۹۹۲م، وهو العام الذي اختير ليكون عام المرأة، وقبلها فاز السيناتور الأسود إدوارد بروك من الحزب الجمهوري عن ولاية ماساشوسيتس لدورتين متتاليتين، وقد غادر بروك مجلس الشيوخ عام ١٩٧٩م.

وحافظت النساء على عددهن في مجلس الشيوخ وهو تسعة مقاعد.

وفي انتخابات حكام الولايات خسر الجمهوريون مقعد حاكم واحد لصالح أحد المرشحين المستقلين إذ أصبح للحزب الجمهوري ٣١ حاكمًا اثنان منهم ابنا الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش- جونيور الذي أعيد انتخابه حاكمًا لولاية تكساس وجون أليس بوش الذي انتخب حاكمًا لولاية فلوريدا، وأصبح للمستقلين حاكمان اثنان بينما حافظ الديمقراطيون على عدد حكامهم وهو ١٧ حاكمًا، وعززت خسارة الحزب الجمهوري لمقعد حاكم ولاية كاليفورنيا- الولاية الأغنى والأكثر سكانًا وتأثيرًا على مجريات الانتخابات الرئاسية، بعد أن سيطر الجمهوريون على هذا المنصب لأكثر من ١٦ سنة متتالية- آمال الديمقراطيين بالفوز في انتخابات الرئاسة عام ۲۰۰۰م.

ومن مفاجآت انتخابات الكونجرس نجاح مرشحة سحاقية تدعى باتي بالدوين من الحزب الديمقراطي إذ فازت بأصوات 55% من الناخبين في ولاية ويسكونسين مقابل ٤٥% من الأصوات حصل عليها منافسها الجمهوري جو ماسر «!».

 كلينتون في أسعد أيامه!

 وفقًا لمصادر الكونجرس الأمريكي فإن الرئيس كلينتون عاش يوم ٣ من نوفمبر الماضي أسعد أيامه منذ تفجر فضيحة لوينسكي، إذ يرى طاقمه أن نتيجة الانتخابات عكست استياء الشعب الأمريكي من محاولات الجمهوريين التشكيك في أهلية الرئيس الأمريكي، وقدرته على إدارة البلاد، ومن المحتمل أن تتحول هذه النتيجة إلى عامل ضغط على الجمهوريين لسحب محاولاتهم التي شرعوا بها في شهر سبتمبر الماضي عن طريق اللجنة القضائية في الكونجرس لإقصاء الرئيس عن منصبه بالطرق الدستورية. 

وعكست استطلاعات الرأي العام الأمريكي التي جرت خلال الشهرين الماضيين مزاجًا أمريكيًا غريبًا بعض الشيء، فهم من ناحية غير راضين بشكل عام عن سلوك الرئيس الشائن وخصوصًا كذبه بحنث اليمين بخصوص علاقته مع مونيكا، لكنهم من ناحية أخرى لا يريدون لهذا أن يكون سبب في زحزحة الرئيس عن كرسيه وبخاصة أن الأداء السياسي والاقتصادي لإدارته يلقى رواجًا بين الأمريكيين، ولذلك سيحرص الجمهوريون على عدم إثارة هذا الموضوع حتى لا يخسروا انتخابات عام ألفين.

وقد أشارت استطلاعات الرأي التي ترافقت مع الانتخابات الأمريكية إلى أن 60% من المقترعين قالوا: إن على الكونجرس الأمريكي إسقاط قضية مونيكا لوينسكي إلى الأبد على الرغم من أن النسبة نفسها تقريبًا رأت أن هذه القضية أضعفت من قدرة الرئيس على قيادة الولايات المتحدة، وطالب 30% من الناخبين الرئيس كلينتون بتقديم استقالته. 

ويرى محللون أمريكيون أن الاقتصاد هو العامل الحاسم في أي انتخابات أمريكية، وعلى حد قول البروفيسور لاري ساباتو- جامعة فرجينيا- فإن الناخب الأمريكي التقليدي يسأل سؤالين قبل أن يقترع:

الأول: هل أنا اليوم في وضع مالي أفضل مما كنت عليه قبل سنة أو قبل أربع سنوات؟ 

والثاني: ما معدل البطالة؟

الانتخابات الأمريكية والعامل الإسرائيلي

من غير المتوقع أن تؤدي نتائج انتخابات الدورة ١٠٦ للكونجرس الأمريكي إلى إحداث تغير يذكر في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة أو في العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية، إذ إن نحو ٩٠٪ من أعضاء الكونجرس الجديد كانوا أعضاء في دورة الكونجرس 105 والوجوه نفسها تقریبًا تحتل مقاعدها منذ الانتخابات الرئاسية عام ١٩٩٢م، ومن المتوقع- نتيجة لتنامي نفوذ اللوبي الصهيوني واليهودي داخل الإدارة الأمريكية والكونجرس على حد سواء- أن يستمر التغلغل الإسرائيلي فيهما، ویزداد اقتناع أقطاب الحزبين بأن الطريق إلى البيت الأبيض و «الكابتول هيل» يمر عبر تل أبيب التي هي مرجعية اللوبي الصهيوني- اليهودي- الأمريكي، وستشهد تل أبيب خلال السنتين القادمتين وفودًا من الحجيج الجمهوريين والديمقراطيين طمعًا في تأييدها في الانتخابات الرئاسية القادمة.

ولأن وضع الكونجرس مستقر على حاله منذ ست سنوات فلن يجد اللوبي الصهيوني الأمريكي مشكلة تذكر في تهيئة الإدارة الأمريكية والكونجرس لمواجهة متطلبات المرحلة القادمة فيما يخص وضع ما يسمى بعملية السلام بما يخدم المصالح الإسرائيلية على حساب الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، ومن أهم هذه المتطلبات تنفيذ اتفاق «واي ريفر» الموقع بين بنيامين نتنياهو- رئيس حكومة العدو الصهيوني- وياسر عرفات- رئيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المحدود- في 23 أكتوبر الماضي، وكذلك البدء في مفاوضات الوضع النهائي التي من المفترض أن تنتهي في ٤ من مايو من العام القادم على الرغم من وجود مؤشرات لاحتمالات تأجيل تلك المفاوضات.

ويحاول أبرز مرشحين للرئاسة الأمريكية في انتخابات عام ۲۰۰۰م آل جور- نائب الرئيس الحالي عن الحزب الديمقراطي، وجورج بوش الابن- حاكم ولاية تكساس من الحزب الجمهوري- التقرب من تل أبيب وتخطي عقبات الترشيح لسدة الرئاسة، ويبدو أن لكل منهما فرصة كبيرة في  الفوز بالقلب الإسرائيلي مع ترجيح كفة آل جور فآل جور صديق حميم وقديم للدولة العبرية، وأدى دورًا كبيرًا وفاعلًا في الترويج لمرشحي الحزب الديمقراطي في الانتخابات الأخيرة، وبخاصة دوره في إسقاط السيناتور داماتو في نيويورك لصالح شارلز شامر اليهودي، على الرغم من أن داماتو معروف بصداقته لإسرائيل واليهود، إذ أخذ على عاتقه تبني قضية «الذهب النازي»، عندما كان عضوًا في مجلس الشيوخ وقام بحملة للضغط على البنوك السويسرية لإعادة أموال اليهود التي يزعم أنها كانت مودعة في تلك البنوك خلال الحرب العالمية الثانية.

أما بوش الابن- حاكم ولاية تكساس- الذي يملك أيضًا نادي البيسبول تكساس رينجرز فيستعد لزيارة تل أبيب وعمان والقاهرة أواخر هذا الشهر- كما تقول صحيفة «الجيروزالم بوست الإسرائيلية» - لتعرف مشكلات المنطقة التي لا يعرف عنها شيئًا، إذ إن ميوله كروية وتجارية، لكن الإسرائيليين قد يجدون في ذلك فرصة لتشكيل عقليته السياسية وصياغتها بما يخدم المصالح الصهيونية على المدى البعيد. وقد بدأ بوش منذ سنتين في بناء علاقات متينة مع الجالية اليهودية الأمريكية التي جمعت له التبرعات وساعدته في تثبيت منصبه كحاكم لتكساس وخاض بوش حملته الانتخابية تحت شعاري التعليم والتقرب من الأقليات «وخصوصًا اليهودية!»، وأشار استطلاع للرأي جرى مؤخرًا إلى أنه لو جرت انتخابات الرئاسة بين بوش وآل جور سيفوز بوش بنسبة 48% من الأصوات مقابل 40% لآل جور.

استقالة جينجريش تربك الجمهوريين

وفجرت استقالة رئيس مجلس النواب الجمهوري نيوتون جينجريش أزمة في صفوف قادة الحزب الذين يسعون لخلافته، واضطر جينجريش- أكبر مؤيدي الدولة اليهودية بين الجمهوريين، والذي يصفه الأمريكيون بـ«المقاتل الثوري»- إلى تقديم استقالته من رئاسة الكونجرس الذي نجح بسهولة في الاحتفاظ بمقعده فيه في انتخابات التجديد النصفي، إذ اضطر إلى التنحي بعد سلسلة اتهامات له من زملائه في الحزب بأنه السبب وراء هزيمة الجمهوريين في انتخابات الكونجرس وتراجع شعبيتهم بين الناخبين الأمريكان فقد اتهمه رفاقه بالاستسلام للرئيس كلينتون فيما يتعلق بميزانية الحكومة الأمريكية لعام ۱۹۹۹م، وبالترويج للحملة التي استهدفت الرئيس في قضية لوينسكي وهي التي جعلت الشارع الأمريكي يتعاطف مع كلينتون ويستاء من موقف الجمهوريين على عكس ما أراد بعض الجمهوريين من تلك الحملة الأمر الذي أدى في النهاية إلى خسارتهم لبعض المقاعد لصالح الديمقراطيين على الرغم من أنهم كانوا يتوقعون أن تعزز الانتخابات النصفية مقاعدهم بنحو عشرة مقاعد جديدة على الأقل على حساب مقاعد الديمقراطيين، وإذا ما تزايدت الضغوط النفسية على البروفيسور جينجريش «55 عامًا» أستاذ  التاريخ السابق وعضو الكونجرس عن ولاية جورجيا منذ عام ١٩٧٨م- بدون انقطاع- فقد يضطر إلى الاستقالة من عضوية الكونجرس نفسه قبل نهاية العام الحالي بعد أن كان طامحًا بالترشيح لمنصب الرئيس في الانتخابات القادمة، مع أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 60% من الناخبين الأمريكيين لا يفضلونه، وانتخب جينجريش رئيسًا لمجلس النواب عام ١٩٩٥م.

ويشعر المراقبون بأن جينجريش لا يحظى بالاحترام الذي يجب أن يحظى به عادة رئيس مجلس النواب الذي يعتبر في الترتيب الثالث من حيث الأهمية في هرم القيادة الأمريكية، وقد أرجعوا ذلك إلى سجل هذا الرجل والفضيحة التي كادت تكلفه منصبه عام ١٩٩٦م، وقد وجه له الكونجرس وقتها تأنيبًا رسميًا بسبب تهربه من دفع الضرائب وحكم عليه العام الماضي بدفع غرامة قيمتها ۳۰۰ ألف دولار، الأمر الذي يحدث للمرة الأولى في تاريخ الكونجرس.

ويبدو أن حظ بوب ليفينجستون- رئيس لجنة الموازنة في الكونجرس- هو الأوفر بين زملائه لخلافة جينجريش، لكن بعض معارضيه يعيبون عليه ميله لمهادنة الديمقراطيين، وسيجتمع الجمهوريون يوم ۱۸ من نوفمبر الجاري لينتخبوا بالاقتراع السري قيادة جديدة لهم داخل الكونجرس.

 

الرابط المختصر :