العنوان قراءة في الغارة الصهيونية على « بورتسودان»
الكاتب محمد حسن طنون
تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2011
مشاهدات 58
نشر في العدد 1949
نشر في الصفحة 44
السبت 23-أبريل-2011
- وزير الدفاع السوداني: هناك اختراق لجهاز «الموساد» في البلاد وتحديداً في المنطقة الشرقية.
- خبير: جهاز صغير يطلق عليه «BUG» ربما تم زرعه بالسيارة المستهدفة مما سهل متابعتها.
لا يزال صدى الغارة الصهيونية على مدينة «بورتسودان » شرقي السودان يشغل حيزًا واسعًا من تحليلات العسكريين والأمنيين والمراقبين، ويثير علامات استفهام حول حجم تدخل جهاز المخابرات الصهيوني «موساد » في السودان.. ويرى عدد من المحللين أن تجنيد العملاء أمر بديهي للعمل الاستخباراتي؛ سواء أكان من السودانيين أم الأجانب أم «الفلاشا » (يهود إثيوبيا ) الذين تم تهجيرهم عبر بوابة السودان، وربما عادوا مرة أخرى للعمل كجواسيس وعملاء لمراقبة الشرق الذي يعد بوابة السودان على البحر الأحمر.
في سكون الليل حلقت طائرة مروحية مقاتلة فوق سيارة «سوناتا» موديل ٢٠٠٦م سودانية الصنع، وأطلقت قذيفة واحدة بدقة متناهية، أحالت السيارة بمن فيها إلى كتلة محترقة، ثم اتجهت جهة البحر الأحمر دون اعتراض لها.. كانت السيارة المستهدفة قد جاء بها سائقها إلى مطار «بورتسودان» لتأخذ أحد القادمين جوًا وتنطلق به تجاه المدينة ولكن على بعد خمس كيلومترات من المطار كانت نهاية الراكب وسائق السيارة، واتضح أنهما سودانيان من الشرق.
وقد أعلنت السلطات الصهيونية أنها هي التي قامت بالهجوم الجوي، وبررت فعلتها بأنها استهدفت الفلسطيني «عبد اللطيف الأشقر»، الذي وصفته بأنه مسؤول التسليح في حركة «حماس»، والمسؤول عن تهريب الأسلحة من السودان إلى «قطاع غزة».. وعندما اكتشف «جهاز الموساد» أن الضحيتين سودانيان، وأن السيارة لم تكن تحمل الشخص المستهدف عادت تقول: إنه كان في سيارة أخرى كانت تسير في الاتجاه ذاته.. فيما نفت الحكومة السودانية الخبر نفيًا قاطعًا، وأكدت أن «الأشقر» غير موجود في السودان.
وإذا بحثنا عن الهدف من العملية، فإن هناك احتمالين راجحين؛ أولهما: يتعلق باغتيال سماسرة سلاح أو مهرب شارك في العديد من عمليات التهريب دعمًا للمقاومة الفلسطينية، وهو ما يقلق مسؤولي دولة الكيان الصهيوني، أما الاحتمال الثاني: فيتعلق باستهداف ما ظنه الموساد أحد قيادات المقاومة وهو بالنسبة له صيد ثمين.. وقد تعمدت صحيفة «معاريف» العبرية تسريب الخبر، حيث زعمت أن الهجوم استهدف «الأشقر» الذي ترجح السلطات الصهيونية أنه خليفة الشهيد «محمود المبحوح»؛ القيادي في «حماس» الذي تم اغتياله في فندق بإمارة «دبي» في يناير ۲۰۱۰م، واتضح في اليوم التالي لتسريب الخبر أن «الأشقر» حي يرزق ولم يكن موجودًا بالأساس في مكان الحادث.
ولا تعد هذه الحادثة هي الأولى، فقد سبق أن تعرض ۱۷ صيادًا سودانيًا على متن أربعة قوارب للصيد بالبحر الأحمر لقصف قاتل في يناير ۲۰۰۹م، ومنذ ذلك التاريخ قامت «إسرائيل» بثلاث غارات على شرق السودان ولا تستحيي أن تتبجح بفعلتها ، فهي تتخذ من مناطق في البحر الأحمر قواعد عسكرية، ولها في منطقة القرن الأفريقي وجود، ولاسيما في إريتريا وإثيوبيا، وتقول صراحة إنها لا تدخر جهدًا لحماية أمنها القومي وإنها في سبيل ذلك لا تخشى أحدا! وكان رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك قد قال في بيان صحفي: «نحن نعمل في أي مكان يمكننا فيه ضرب قواعد الإرهاب»، ونوجه ضربات في أماكن قريبة وبعيدة تؤدي إلى تقوية وزيادة الردع، ولا يوجد مكان لا تستطيع «إسرائيل» العمل فيه!
حق الرد
وفي أول تصريح لها، قالت وزارة الخارجية السودانية: إن السودان يحتفظ بحق الرد على الهجوم العدواني، ولوحت بتقديم شكوى لمجلس الأمن ضد «إسرائيل»، ووصف وزير الخارجية «علي كرتي» العملية بأنها «عدوان خارجي سافر»، مشيرًا إلى أنهم لا يعلمون الأسباب التي دفعت «إسرائيل» لمثل هذا العمل، ولكنه قال: إن «إسرائيل» تريد إفساد خطتنا مع واشنطن، برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية لما يسمى بـ«الإرهاب».
نحن نعلم أن الحكومة مسؤولة عن حماية حدود السودان مع دول الجوار «مصر ۱۲۰۰ كم, ليبيا ۲۸۰ كم, تشاد ۱۲۰۰ كم، أفريقيا الوسطى ٥٠٠ كم، السودان الجنوبي ۲۰۰۰ كم، إثيوبيا ١٦٠٠ كم, إريتريا ٣٠٠ كم، ساحل البحر الأحمر ٧٥٠ كم»، ولكن الحكومة مع ضيق الإمكانات المتاحة لا تستطيع وحدها مراقبة تلك الحدود، ومهما تكن الإمكانات فإن العملية تصعب حتى على دول تمتلك كل الوسائل، مثل القمر الصناعي وكاميرات المراقبة الحديثة وكوادر أمنية خاصة مدربة تدريبًا عاليًا .
أما اللجوء إلى مجلس الأمن فهو حال «المستجير من الرمضاء بالنار»، لا سيما إذا كان الشاكي دولة مثل السودان والمدعى عليها «إسرائيل» التي اعترفت الأمم المتحدة بقانونية وجودها في قلب العالم العربي الإسلامي.. إذًا فالتقدم بالشكوى لا فائدة منه، واللهث وراء تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة حامية «إسرائيل» أشبه بالجري وراء سراب يحسبه الظمآن ماء، ومحض أحلام وأوهام، فالأمم المتحدة بحكم تكوينها «شاهد زور فيما يتعلق بـ«إسرائيل»، ومجلس الأمن ذو علاقة وثيقة بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA»»، وتسيره الولايات المتحدة وفق هواها ؛ لأنها تدعم ميزانيته ومرتبات موظفيه, وحتى لو اتخذ هذا المجلس قرارًا؛ فهو مجرد حبر على ورق، والاعتراض الأمريكي «الفيتو» جاهز، وما دام السودان ينهج منهجًا إسلاميًا، فلن ترضى عنه اليهود وأمريكا والاتحاد الأوروبي أبدًا، ولن تنتهي جرائم اليهود، فعداوتهم مستمرة ضد الإسلام والمسلمين إلى أن تقوم الساعة.
تفويض كامل
لو كان «مجلس الأمن» مجلسًا حقًا للأمن لأنصف أهل قطاع غزة الذين تعرضوا لحرب إبادة جراء العدوان الوحشي الصهيوني عليهم، بل إن اليهودي «ريتشارد جولدستون» تراجع عن تقريره انحيازًا لبني جلدته, ويرى بعضهم أن اتخاذ الإجراءات القانونية وهي الإجراءات المطلوبة حاليًا لا ضرر منها.. فقد لا يدين مجلس الأمن العملية، ولكن هناك جهات دولية يجب أن يجعلها السودان معه في هذا الموقف، ورغم عدم جدوى المنظمات الدولية إلا أن الأمر يعد واجبا في القانون الدولي.
الحكومة تقول: إن السودان يحتفظ بحق الرد، وإنه سيرد الصاع صاعين، ووجه مجلس الوزراء بمراجعة التأمينات الدفاعية الجوية لتأمين الأجواء والأرض قبل أن يبدأ ملاحقته للمعتدين وفق القانون الدولي والقانون الوطني. كما أعطى البرلمان وزير الدفاع تفويضًا كاملًا للرد على الغارة الصهيونية بالطريقة التي يراها، وأتبع التفويض بالقول: «إن الرد القوي مطلوب، ورد التحية «الإسرائيلية» بمثلها متاح، وربما في ذهن القوات المسلحة ذلك، والشعب السوداني لا يرضى الاستهانة به، ويجب ألا تمر القضية دون عقاب.
تعزيز القدرة الدفاعية
ويؤكد حديث وزير الدفاع السوداني عبد الرحيم محمد حسين عن حادثة «بورتسودان» وجود أصابع تجسس داخلية، وأن هناك «طابورًا خامسًا».. وقد قوبلت تبريراته بانتقادات حادة، فهو الذي بشر الشعب قبل مدة وجيزة بأن السودان بلغ مرحلة متقدمة في صنع السلاح، ثم يأتي ليقول بعد الاعتداء الصهيوني أن دفاعاتنا ضعيفة.
وقال خبراء في الشؤون العسكرية: ليته سكت ولم يتكلم أصلًا، فلا حاجة إلى تبرير عجز دفاعاتنا الجوية في مواجهة الغارة الصهيونية، فالعالم كله يعلم علم اليقين أن «إسرائيل» متفوقة عسكريًا، ولكن كان بالإمكان فعل شيء للطائرة والبارجة التي كانت تنتظر الطائرة.
أما السؤال الذي يطرح نفسه: هل هناك وجود لـ«الموساد» في السودان؟ والجواب: نعم فهناك عملاء يعيشون بيننا، وقد أقر وزير الدفاع بوجود اختراق استخباراتي لجهاز المخابرات الصهيوني في السودان وشرقي البلاد تحديدًا.
ولم يستبعد أحد الخبراء في هندسة الطيران وجود عميل لـ«الموساد» وفر إحداثيات للطائرات التي هاجمت السيارة في «بورتسودان»، وقال: «إن جهازًا صغيرًا يُطلق عليه (BUG)، ربما زرع بالسيارة المستهدفة وهناك احتمال كبير بوجود شخص أعطى المعلومات الكاملة عن السيارة ورقمها وزمن تحركها ومسارها؛ مما سهل متابعتها، وهذا يعد خرقًا أمنيًا كبيرًا».
المطلوب من الحكومة، وقد انكشفت مخططات الصهاينة، أن تسعى لتعزيز قدراتها التقنية والدفاعية لتأمين البلاد من أي عدوان خارجي متوقع، خصوصا ما يهدد الساحل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل