; قراءة في ديوان «نعيم الروح» | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في ديوان «نعيم الروح»

الكاتب الدكتور محمد علي الهاشمي

تاريخ النشر السبت 13-مايو-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1701

نشر في الصفحة 48

السبت 13-مايو-2006

الأدب الإسلامي تعبير جميل عن حقائق التصور الإسلامي تتسع موضوعاته لقضايا الحياة والوجود له في كل منها رؤية أدبية ووجهة نظر، يجلو ذلك على مستوى فني رفيع إبداع الأديب المسلم في أصالة ومعاناة، وهو يفصح في وهج تجربته عن تمثله للإسلام والحياة الإسلامية، فتنساب رؤيته في النفوس انسياب النبع الرقراق.

على هدي هذا المرتقى من رؤى الأدب الإسلامي نقرأ فيما يأتي ديوان شاعرنا سليم عبد القادر نعيم الروح.

على ذرا مدينة حلب الشهباء بسورية درج شاعرنا يوقع النشيد قبل حوك القصيد، فانساب منه القريض على إيقاع النسائم المؤمنة نبعاً صافياً يعطر الآفاق ويسابق خطا التطور الفني إلى نضج شاعري مرموق.

وكان لي حظ قراءة ديوانه الأول القادمون الخضر فاحتل مكاناً مرموقاً في كتابي «شعراء وأدباء على منهج الأدب الإسلامي» ج ۳ (۱) إذ وقع بصري على مجموعة فذة من القصائد لعلها من أكثف الشعر استلهاماً للتصور الإسلامي وتعبيراً عن الأدب الإسلامي وعوالمه الرئيسة وآفاقه، واليوم يطالعنا سليم عبد القادر بديوانه القشيب نعيم الروح (۲) على المستوى الرفيع نفسه بروح جديدة وإبداع جديد.

لنمعن النظر في قصائد الديوان الجديد، تتكامل في نسيجها الفني لتمنحنا عوالم باذخة من الأدب الإسلامي المعاصر، فهذه قصيدته: «نعيم الروح تحمل عنوان الديوان وتتصدره تروي لنا كيف يجتاز الإنسان زخم الحياة الدنيا وضجيجها إلى صفاء الروح ونعيمها، في رحلة لا يبلغ شأوها إلا من خفت طينته، وشفت روحه، فعرف سر الحياة، فجازها خفيفاً إلى الغاية العليا..

كالنور أدخلها، كالريح أعبرها *** لا خائفاً في المدى براً ولا بحراً

آمنت بالله إيماناً عرفت به *** مغزى الحياة، فأمسى سرها جهراً

وصرت أحيا نعيم الروح مبتسماً *** في المر والحلو أبدي الصبر والشكرا

ولكن كيف يظفر الإنسان بنعيم الروح إن لم يجد الاتصال بمصدر الوجود وقوة الأزل والأبد؟!

هذا شاعرنا سليم يحرز بقريضه سر هذا التسامي في معرج اتصاله بالله وسر العروج.

روحي بحبك هائم مشغول *** والقول أبعد شأوه التمثيل

يا من وهبت لي الحياة ودفأها *** ومن الحياة العقل والتنزيل

آلاؤك الغراء تغمر مهجتي *** غمراً وجودك دائم موصول

أعطيتني حبيك حباً صادقاً *** يشفي فؤاد الصخر وهو عليل

من منطلق هذه الثقة الوطيدة التي يمارس الشاعر الحياة من موقعها النوراني يطالعنا بقصائد ديوانه الجديد عوالم إيمانية مشرقة تؤصل لهذه الثقة وترعاها.

ها هو في تصوره الإسلامي المتميز يخط للدنيا مكانها المتوازن من عالم الإنسان المؤمن في إيجابية وتجرد.

يرى الأنس في الدنيا بنوها، وإنني *** أرى في رضا ربي، وفي ذكره أنسي 

يناجونها نجوى عشيق متيم *** وقلبي يناجي الله بالدمع والهمس 

وأجهد روحي كي أظل محلقاً *** مع الصفوة الأبرار في الأفق القدسي

وأسأل مولاي الثبات على التقى *** وأرخص في مرضاته باسماً نفسي 

وفي طريق تصوره المتميز للتحرر الوجداني وإرساء كرامة الإنسان يشكو الشاعر ضغط العبوديات الجاهلية المعاصرة التي تأخذ بخناق البشر وتفتت إنسانيتهم.

ماذا أقول، ودرب القول مسدود *** والفكر يدفع بي، والحرف موصود؟

ما بين صمت وبوح ينقضي عمري *** فإن هلكت فإن الله موجود

ويجيب على ضغط هذه العبوديات بموقف المؤمن الصامد الذي لا يرجو سوى رضوان الله، وبعد ما سوى ذلك هباء:

الصبر مر وشر من مرارته *** مرارة الذل والإذعان للباغي

أواجه الزيف، لا أحني لعاصفة *** رأسي، وأرفض زيف المبلس الطاغي

ولست أرجو سوى ربي وأرهبه *** أما سواه، فوهم عابر لاغي

وعلى إيقاع التحرر من سائر العبوديات الداخلية والخارجية يرفض الشاعر الشكوى، ويمضي إلى البناء على طريق الحق الذي برأه الله للعالمين، يعمر الحياة بالحب والخير والجمال:

العمر ماض فاعتقيني يا روح من قيد الشجون 

فدعي الأنين، وأطلقيني كالأشعة واتبعيني 

نغز المحافل والمجاهل بالسنا الهادي الحنون 

ونرش فوق الأرض زهر الفكر عطر الياسمين 

نبن الحياة لمن سيأتي، وهي تمضي كالسفين 

ونسر على درب الخلود إلى الجنان إلى العيون 

العمر يأتي مرة، فكما أراد الله كوني
 

ويتألق على صدى هذا الطريق الرباني الكريم في تناول الشاعر- عالم الأسرة ومحضن البشرية يشيد الحياة الإسلامية مترعة بالخير متدفقة بالهدى باسمة بالحنان والرضا، فيطالعنا بالنموذج الوجداني الحي الآتي متألقاً بمشاعر بره ووفائه لوالده:

لست أنساه، إنه في فؤادي *** صورة حية، ونجم هاد

ذكره نفحة من المسك صرف *** تفعم الروح بالشذا والوداد

أنفق العمر دعوة، ودعاء *** في الليالي لا في الهوى والرقاد

رب فاسكب عليه ما أنت أهل *** من ندي الرحمات والإسعاد

واجعلن في جنانك الفيح مأواه *** وبارك عليه يوم المعاد

وكما استهل شاعرنا مطلع الديوان بالتأصيل لبناء الحياة الإسلامية على إيقاع نعيم الروح يتوج ختامه بنجوى الأمل في ولادة الطليعة المؤمنة تبني الحياة على دعائم الحق والهدى وتنثر الزهر والطهر والنور:

آتون بالطهر والأشواق والنور *** يذرونها في الروابي كالعصافير

آتون من كل لون كان أو بلد*** إلى الحياة بإيمان وتعمير

في موكب عبقري الفكر، ذي هدف *** فوق السمو، وحلم كالأساطير 

مثل الربيع تهز الأرض بهجته *** كما تهز البرايا نفخة الصور

يمشون فوق حقول الشوك في جلد *** ويبسمون لأمواج الأعاصير

الريح تسأل عنهم وهي والهة *** والدهر يشكو لهم من عالم بور

فاكرميهم وضميهم على شغف *** وبددي بالسنا رعب الدياجير

قد آن للأرض أن تنشق صفحتها *** عن عالم دافئ الأحلام مسحور

وبعد، فهذا سليم عبد القادر كما تألقت لنا مواهبه في ديوانه القشيب قد سرى النضج الفني في نسيج قصائده يظاهره نضج الفكر والتصور، والسبق إلى ارتياد العوالم الرفيعة.

الهوامش

(1) الكتاب تحت الطبع. 

(۲) الناشر: مركز الراية للتنمية الفكرية جدة ١٤٢٤هـ . ٢٠٠٣م.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 9

121

الثلاثاء 12-مايو-1970

دعوة الحق: اللَّه أكبر (شعر)

نشر في العدد 11

120

الثلاثاء 26-مايو-1970

في رثاء الشهيد باعبّاد