; قراءة في ذكريات د. هشام شرابي: الدور التغريبي للجامعة الأميركية في بيروت | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في ذكريات د. هشام شرابي: الدور التغريبي للجامعة الأميركية في بيروت

الكاتب محمد عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-1989

مشاهدات 52

نشر في العدد 917

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 23-مايو-1989

د. شرابي يعترف: الهدف الأساسي لعملية تثقيفنا في الجامعة الأمريكية يقوم على تطويعنا وإخضاعنا نفسيًّا!!

من أهم أهداف جامعة بيروت الأمريكية فصم العلاقة بين الطلبة وبيئتهم العربية والإسلامية

الأساتذة الأمريكيون كانوا يمنحون الطلبة العرب الشهادات في مستوى أدنى من مستوى الطلاب العام:

قصة د. شرابي قصة جيل لم يستطيع أن يضطلع بمسؤولياته التاريخية في التوفيق بين تراث هذه الأمة وبين متطلبات العصر

اعتمد الاستعمار الغربي في توطيد نفوذه في العالم العربي والإسلامي على وسائل شتى، ففي البداية كان الاحتلال العسكري هو النمط السائد للاستعمار، وكما أفاقت الشعوب من سباتها وبدأت تتململ وتتمرد تحول المستعمر الدخيل من الاحتلال السافر إلى «الحماية» و«الانتداب» وحكم المستشارين، ولما اشتد تيار الاستقلال وأيقن المستعمرون أنه لا بد جارفهم وأساطيلهم، وجدوا بعد دراسة وتجربة أن أكبر سهم في كنانتهم لبقاء هذه الشعوب تابعة مستفكة، ممسوخة الشخصية، تائهة الوجهة هو توجيه مناهج التعليم والتغلغل في مرافقه والسيطرة على مصادره.

 

ولم يشهد قرن من القرون الخالية، ما نشهده في قرننا هذا، تصديقًا لمقولة العلامة ابن خلدون عن ولع المغلوب بتقليد الغالب، ولم يشهد قرن من القرون- خلا قرننا هذا- مثل هذا الاستغلال السافر من الغالب للوسائل التعليمية والفكرية والإعلامية للسيطرة على تفكير المغلوب وقولية أفكاره ليضمن الغالب فرض هيمنته وبسط نفوذه.

 

الزعامة تنتقل إلى أمريكا

 

انتقلت في منتصف هذا القرن زعامة المعسكر الغربي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبح من واجبات أمريكا المحافظة لا على التراث الفكري والحضاري لهذا المعسكر فحسب، بل عليها أن تحافظ على التراث الاستعماري والهيمنة والنفوذ الغربيين.

 

والماضي التاريخي لأمريكا- إذا استثنينا إبادة الهنود الحمر- لا يشجع هذه الدولة كثيرًا على التدخل العسكري المباشر، وقد بقي الرأي العام الأمريكي ميالًا للعزلة والمسالمة حتى وقع الهجوم الياباني على بيرل هاربور، فتحول هذا الرأي العام إلى تأييد الحرب ووقف التوسع الياباني الألماني، وكانت تلك بداية زعامة أمريكا للمعسكر الغربي ونهجها سياسة تعتمد على التدخل الفعال في شؤون الدول الأخرى للمحافظة على استغلالها، استغلالها لثروات هذه الدول وخيراتها وهو ما تسميه الدول العظمى بالمصالح الحيوية.

 

ولئن كان تاريخ التدخل الأمريكي العسكري والدبلوماسي السافر المستتر يعود إلى الخمسينات من هذا القرن، فإن النشاط الثقافي والتبشيري الأمريكي يعود قبل هذا إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أنشأت الإرساليات التنصيرية المدارس والمستشفيات حيثما تمكنت في أنحاء العالم الإسلامي مثل إسطنبول والقاهرة وبيروت وإيران والخليج والهند وفلسطين.

 

العلم مقابل الانسلاخ!!

 

ولعل أبرز نجاح حققته هذه المراكز التعليمية هو بيع الجيل الناشئ العلم والمعرفة مقابل الانسلاخ عن جذوره الثقافية والتخلي عن شخصيته المميزة والذوبان والتبعية لثقافة هذه المراكز وحضارتها.

 

ولعل كذلك أبرز هذه المراكز نجاحًا في أداء هذا الدور الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نشَّأت هذه الجامعة جيلين أو ثلاثة أجيال بدت فيها النزعة التغريبية واضحة المعالم وظهرت آثارها المدمرة عندما تولت النخبة التي تخرجت من هذه الجامعة مقاليد كثير من الأمور في عدد غير قليل من بلدان العالم العربي والإسلامي.

 

وقد تناولت بحوث كثيرة دور الجامعة الأمريكية وتأثيرها السلبي على المنطقة، ولذا فإن ما يورده الكتاب الذي بين يدينا ليس بجديد كل الجدة، ولكن أهميته ترجع أن كون مؤلفه من المفكرين البارزين في صفوف اليسار العربي، وهو في هذا الكتاب الذي يصفه أنه «ذكريات مثقف عربي» يستعرض بعض مراحل حياته ونشأته في بساطة وعفوية ويقدم لكثير منَّا معلومات غنية عن حياة الجيل «المثقف» في تلك الحقبة من الزمن، وعن نشوء الحركات التغريبية من محضنها الأول: الجامعة الأميركية في بيروت.

 

تساؤلات

 

إن قراءة هذا الكتاب تجيب على كثير من التساؤلات التي تدور في أذهان غير المطلعين: ما هو دور التعليم- والتعليم الأجنبي بخاصة- في حركة التغريب؟ لماذا لم يكن للإسلاميين في تلك الفترة مكان في الإدارات والمناصب العليا؟ كيف استطاع زعماء التغريب خداع أتباعهم بهذه البساطة والسهولة.

 

والسؤال الأهم: كيف ابتعدت الحركة الثورية الفلسطينية عن جذورها الإسلامية؟ وما هي

 

 أفكار ونشأة بعض الأشخاص الذين تحكموا بوجهتها وخططوا سياستها ورسموا مساراتها المتعرجة الملتوية، وجعلوا منها- في بعض المراحل- جزءًا من تيار التغريب المعادي للإسلام.

 

نقول ذلك لأن د. شرابي عضو في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ورئيس تحرير مجلة الدراسات الفلسطينية الصادرة باللغة الإنكليزية عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية وصديق لحسن الإبراهيم، وحليم بركات، وأدونيس الذي راجع الكتاب لغويًّا!!

 

يقدم د. شرابي للكتاب بكلمة توماس مان «لا يعيش الفرد حياته الشخصية فحسب، بل أيضًا حياة عصره وحياة جيله» ومن هنا كما أشرنا تنبع أهمية الكتاب!

 

تبدأ ذكريات د. شرابي بمغادرته في آخر عام ١٩٤٧ فلسطين في طريقه إلى شيكاغو لمتابعة دراسته العليا فيها، دون أن يدور في خلده أنها آخر نظرة يلقيها على يافا بلده الحبيب.

 

ويسأل المؤلف نفسه الآن بعد مرور سنوات عديدة «كيف غادرنا بلادنا والحرب قائمة فيها، واليهود يستعدون لابتلاعها.. لم يدر هذا السؤال في بالي حينئذ.. لم يكن يخطر على بالنا تأجيل دراستنا والبقاء في وطننا لنقاتل كان هناك من يقاتل عوضًا عنَّا، أولئك الذين قاتلوا في ثورة ١٩٣٦، والذين سيقاتلون في المستقبل، إنهم فلاحون.. موقعهم الطبيعي هنا».

 

ويحدثنا د. هشام شرابي في مكان آخر عمن قاتل في ثورة ١٩٣٦، إذ يقول: «عندما اندلعت ثورة القسام سنة ١٩٣٦ كنت في التاسعة من عمري.. لم ينقصنا شيء.. كان الخطر بعيدًا عن الطبقات الميسورة، فقط الفلاحون والطبقات المحرومة قاتلت وتعذبت، ودفعت ثمن الثورة المثقفون والأفندية كانوا يتبعون أخبار الثورة في صحيفتي «فلسطين» و «الدفاع»، كنا نسمع أن فلانًا قتل، أن بيتًا نسف، أو ثائرًا عدم، فنلعن الإنكليز لكن حياتنا بقيت تسير على نمطها المعتاد».

 

رسالة جامعة بيروت التغريبية

 

ثم ينتقل بنا د. شرابي للوراء قليلًا، فيروي لنا تجربته الجامعية في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي يحسب كثير من المبهورين بها وبمن يقف وراءها أن الحياد الأكاديمي والنزاهة العلمية تمارَسَان فيها على أوسع نطاق، ولكن الحقيقة أن للجامعة رسالة تغريبية استعمارية محددة لا بد أن تؤديها..

 

«كانت الحرية التي مارسناها في الجامعة الأميركية أقل بكثير مما كان يعتقد الناس، فقد خضعت حياتنا في الجامعة لسلطتين كان لا قدرة لنا على مغالبتها: سلطة الإدارة وسلطة الأستاذ.

 

كانت سلطة الإدارة بالنسبة إلينا كسلطة الدولة بالنسبة إلى المواطن شاملة متكاملة لا نعرف أين تبدأ وأين تنتهي، أما سلطة الأستاذ فكانت تفرض من فوق ولا تقبل المعارضة أو النقض.

 

هكذا كان الهدف الأساسي لعملية تثقيفنا في الجامعة.. يقوم على تطويعنا وإخضاعنا نفسيًّا.. كانت حصيلة دراستنا الجامعية أن خضعنا لسلطة الكلمة المطبوعة كما خضعنا لسلطة الكلمة المسموعة، فأصبحنا مشلولي الفكر تجاه ما نقرأ، وبخاصة إذا كان مصدره أجنبيًّا».

 

أما البحث العلمي والروح النقدية وتقوية التفكير المنهجي فهو أمر ثانوي ربما لأن هدف الجامعة- آنذاك؟!- هو استلاب عقول النخبة من الطبقات الرئيسة في المجتمع، وتخريج جيل من أبنائها ييمم وجهه شطر حضارة الرجل النموذج الغربي «المتحضر».

 

وقد لاحظ د. شرابي بعد ذهابه إلى شيكاغو الفرق بين مناهج الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة شيكاغو.. «أستطيع القول بصدق إنه خلال سنواتي الجامعية لم يرشدني أحد من أساتذتي حول أسلوب البحث الصحيح ولم أتلقَّ مرة نقدًا أو تحليلًا في أي بحث قدمته، وتخرجت من الجامعة وأنا لا أكاد أعرف معنى المنهجية أو البحث بمعناه الصحيح.. فنشأ عندنا الشعور أن الفكر الصحيح إنما هو الفكر المدعوم بقوة الحس وحسن اللغة، لا بقوة النقد والتحليل.. واكتشفت جهلي بعد أسابيع قليلة في جامعة شيكاغو».

 

إرهاب فكري في جامعة بيروت

 

من كان يستطيع المخالفة في جو إرهاب فكري كهذا الجو، وكيف يتمكن من الاعتزاز بأمته ودرستها السامية، وهو يلقن صباح مساء الأفكار التغريبية من لدن جهاز تدريس صليبي متعصب أو تغريبي متعال، فلا يسمح للطالب بالنقد ولا بالاعتراض على ما يقدمه أساتذته من معلومات ومعطيات، إن مفهوم الحرية والمنهج العلمي لدى أئمة التغريب لا يطبق إلا عند توجيههما- بأساليب ملتوية- إلى صدر هذه الأمة ومبادئها.

 

هل يستطيع الطالب أن يعترض.. وما المصير الذي ينتظره؟ «كان التهكم هو السلاح الفكري الأشد فتكا في يد أساتذتنا، وكانوا لا يتورعون عن استعماله في جميع المناسبات. وما أسهل أن يحطم الأستاذ في قاعة الدراسة كل ما يتعارض مع اعتقاداته وميوله».

 

الدكتور شارل مالك من أبرز أساتذة الفلسفة في تاريخ الجامعة الأميركية ويحدثنا المؤلف عن هذا الرجل الذي كان وزير خارجية لبنان ردحا من الزمن في عدة مواضع ولعل أعمقها دلالة: «في سنة ١٩٤٥ غادرنا الدكتور مالك ليصبح وزير لبنان المفوض في واشنطن، وأقمنا له قبل مغادرته حفلة وداع خطب فيها عدد من الطلبة والأساتذة، وقال جميعهم ما معناه: «إنك أفلاطون ذاهب إلى أميركا لتحقيق فلسفتك، فيا لخسارتنا، وهنيئًا لأميركا». ولم يخطر ببالنا آنذاك أن ما سيفعله مالك في الولايات المتحدة هو التخصص في مهاجمة الشيوعية ومدح المسيحية ودعم الحرب الباردة ليعود إلى لبنان ويصبح أيديولوجي اليمين المسيحي المتعصب».

 

تقزيم وتحقير للتراث العربي

 

ماذا قرأ د. شرابي في السنوات التي قضاها في الجامعة في بيروت، أن نظرة عابرة على ما أورده عن قراءاته تظهر الدور التغريبي للجامعة، ومن أهم وسائله يتم في إطار تقزيم وتحقير التراث العربي الإسلامي والنظر إليه- أن وقع ذلك في إطار الطرافة المندثرة الغابرة..

 

لقد أصبح لدى د. شرابي في نهاية دراسته الجامعية مكتبة تضم مئات الكتب من هو ميروس إلى نيتشه، وقرأ لدوستويوفسكي، وهرمن ملفل، وسومرست موم، والدوس هكسلي.. ولكن ماذا عن الكتب العربية وثقافته القومية.. يقول المؤلف «ومن الغريب أني بعد صف الغرشمن «أي السنة الأولى» انقطعت كليًّا عن قراءة الكتب العربية» (۷). وفي إطار ما سبق استعراضه والحديث عنه نقول: لا غرابة!!

 

هذا ما كانت عليه الجامعة الأمريكية، وفي الكتاب زيادة لمن أراد حول العجب العجاب الذي كان يسود الجامعة من الناحية الأكاديمية والأخلاقية.

 

الحزب القومي السوري والنشاط الاستعراضي

 

وفي نهاية المطاف بالجامعة الأميركية يحدثنا المؤلف عن التحاقه بالحزب القومي السوري بعد أن كان عضوًا في خلية من نوى حركة القوميين العرب، ولئن بدا هذا متناقضًا إلا أنه- في رأيه- لم يكن كذلك لأن الجو الفكري والعاطفي الذي انتقلت إليه لم يختلف كثيرًا عن الجو العروبي الذي كنت فيه، فالقيم والمقولات والمعاني بقيت نفسها، وإن اختلفت محتوياتها في بعض أوجهها.

 

أصبح د. شرابي بعد التحاقه بالحزب القومي السوري من المقربين الخلص لزعيمة أنطون سعادة، الذي كان قوي الشخصية واسع الطموح، وتأثر شرابي بسعادة تأثرًا بالغًا يتضح أثره في كتابه الذي ألفه بعد ثلاثين سنة من إعدام سعادة الذي يقول عنه «وأحببته واحترمته كما لم أحترم أو أحب أي إنسان آخر..»

 

ويشير د. شرابي في هذا الصدد إلى اهتمام أنطون سعادة اهتمامًا بالغًا بالقضية الفلسطينية ويستعرض آراءه في هذا المجال والتي لا يخلو بعضها من الصحة، والتي تفسر لنا- جزئيًّا- نشاط هذا الحزب- المشوب بالدعاية والاستعراض- ضد إسرائيل في لبنان.

 

طفولة مُشوَّشة!

 

وقبل أن ينتقل بنا د. شرابي من بيروت حيث أنهى دراسته الجامعية إلى شيكاغو حيث درس للحصول على الماجستير ثم الدكتوراه، يقف بنا وقفة قصيرة ليستعرض طفولته منذ ألحقه والده في السابعة من عمره طالبًا داخليًّا في مدرسة الفرندز Friends في رام الله إلى ذكرياته عن عكا التي اعتاد أن يقضي فيها صيف كل عام والتي «كانت لديه- وما تزال- أجمل مدينة في العالم».

 

درس الدكتور شرابي في مدرسة الفرندز التنصيرية، والفرندز أو الكويكرز جماعة نصرانية تركز في دعوتها على النواحي الأخلاقية والتعليمية، وتهتم بإنشاء المدارس والمستشفيات للوصول إلى أهدافها في نشر النصرانية، واقتصرت تجربة المؤلف الدينية إلى جانب ذلك، على ما حبته به جدته الورعة المصلية- أهي الوحيدة بين أسرته، لا يعطينا الكتاب إشارات غير ذلك- من حنان وتوجيه ديني... «وكان يؤلمها تقاعسي في القيام بالفرائض الدينية.. وحاولت مرة، عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشرة، إصلاح أموري الدينية بالأسلوب المباشر- كانت تلك المحاولة الأولى والأخيرة- فأرسلتني إلى الشيخ لأتعلم أصول الدين، ولسبب لا أعرفه حتى اليوم جعل الشيخ موعد درسنا عند الفجر من كل يوم، فكنت أستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة- أراحك الله- أو ما يقاربها وظلام الليل ما يزال مخيمًا... ولم تدم دراستي الدينية طويلًا، وكان سبب انقطاعها رفضي التيمم..» الذي قدمه له الشيخ تقديمًا غير موفق، مما جعل جدته لا تلح عليه بالعودة للشيخ فقد «خافت إن استمر الشيخ في تلقيني، أن أفقد ما تبقى في نفسي من إيمان» (۱۲).

 

لا غرابة إذًا مع طفولة وبيئة كهاتين، إضافة إلى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت- وهي على ما قدمنا- أن يبتعد مؤلفنا وأمثاله شيئًا فشيئًا عن ثقافة الأمة ومشاكل ذاتها وشخصيتها المستقلة وأن تكون معالجته لقضاياها معالجة مبتسرة مستعارة المقاييس والمفاهيم..

 

إعادة نظر للمواقف

 

وفي شيكاغو أقبل د. شرابي على الدراسة بنشاط ودأب، مستفيدًا من الجو الأكاديمي المحايد نسبيًّا، والذي تباين تباينًا واضحًا مع أجواء الجامعة الأميركية الموجهة «وما أن مرت بضعة أشهر حتى ابتدأت أستوعب مبادئ الثقافة الليبرالية النقدية التي فشلت الجامعة الأميركية في تلقيني إياها، وبدأت أتقن أيضًا ذلك الفن الصعب: فن القراءة وفن الإصغاء».

 

كان من الطبيعي في إطار البيئة الجديدة والاحتكاك بالطلبة الأمريكان والأساتذة والجو الجامعي أن يعيد المؤلف النظر في مواقفه ومبادئه وقناعاته ويحاول بناء شخصيته المستقلة، بعد أن اكتشف- كما يكتشف كثيرون- مواطن ضعف كثيرة في قناعاته ومواقفه وأحوال نفسه وقومه، وإن كانت نظرته لم تشمل- كما يبدو- الجوانب الإيجابية منها، بل كانت نقدية شديدة الوطأة تركز على السلبيات، مما زاد في ابتعاده واغترابه عن قضايا أمته المتميزة تميز إسلامها وتراثها العربي.

 

ويلفت د. شرابي نظر قارئه إلى ظاهرة لا نزال نعاني منها على الصعيدين الاجتماعي والأكاديمي، وهي أن فشل كثير من الطلبة العرب في دراستهم الجامعية العليا يعود إلى أن «النظام التعليمي الذي نشئوا عليه حد من قدرتهم على استيعاب الأسس في حقول اختصاصهم وعن تفهم مناهجها الفكرية» ولا يتردد المؤلف في صراحته البادية في كل مراحل الكتاب عن القول وهناك فئة منهم «أي الطلبة العرب» نجحت في الحصول على الشهادات العليا لا بفضل جهودها بل بفضل عطف الأساتذة الأميركيين على الطلبة الأجانب وتقييم مجهودهم الدراسي على مستوى أدنى من مستوى الطلاب العام، وقد عاد هؤلاء الطلاب إلى ديارهم يحملون شهادة الدكتوراه دون أن يتغير في نفوسهم الشيء الكثير، إلا أن لقب الدكتوراه أسبغ عليهم مكانة علمية تمكنهم من نشر أفكارهم المنقولة وغير المكتملة بين أبناء الجيل الطالع».

 

ويستطرد د. شرابي في فخر قائلًا: «وحصلت على شهادتي بعرق جبيني لا يعطف أساتذتي أو تسامحهم».

 

هل استطاع الدكتور شرابي أن يقيم علاقات صداقة مع الأمريكان خلال إقامة ثلاثين عامًا بعد دراسته وعمله واستيعابه وتشبعه بأساليب الحياة وأسس التفكير الغربي؟ يجيبنا على ذلك بقوله «ولم تقم بيني وبين أمريكي علاقة يمكن تسميتها بعلاقة صداقة بالمعنى الذي تفهمه في مجتمعنا العربي، ويعود ذلك لأسباب حضارية واجتماعية» ويعلل المؤلف ذلك بقلة الذكاء والحيوية والمرح لدى الرجل الأمريكي ويستثني من ذلك علاقته بالبرفسور مارشال هو جرسون أستاذ التاريخ الإسلامي وصديقه أثناء الدراسة في شيكاغو، والذي- رغم تميز هذه الصداقة- لم يجتمع به إلا في مكانين: درج مكتبة المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو، وفي مسبح الجامعة!

 

صدمة وعودة للوطن

 

صدمت أحداث ربيع ١٩٤٨ د. شرابي، فالهزائم العربية تترى، وتقارير المراسلين الغربيين لصحفهم لا تحمل غير نذر الخطر والشؤم، ويوم سقطت يافا في أيدي اليهود، شعر الشاب المغترب بالمرارة واليأس، ولم ينقذه من حالته هذه سوى إيمانه أن الحزب القومي السوري سيحرر فلسطين ويزيل العار الذي لحق بالعرب!!

 

قرر د. شرابي أن يحاول الحصول على الماجستير في نهاية العام والعودة إلى الوطن لا سيما وقد تفرقت أسرته بين من لجأ إلى بيروت ومن أوته عمَّان، ويحقق ما تمناه بالدراسة والمثابرة، وينال الماجستير في آخر العام، ويسافر في أوائل ١٩٤٩ بالباخرة من نيويورك إلى جنوة ومنها إلى بيروت، وتمر الباخرة وهي تعبر المحيط الأطلسي بعاصفة خطيرة يعود أثناءها المؤلف إلي جذوره الدينية... «وعدت القهقرى إلى سن المراهقة... كنت في تلك السن، لا أقوم بعمل ما إلا بعد قراءة الفاتحة وقل هو الله أحد واتجهت أفكاري إلى موضوعات دينية، وتركزت حول النبي محمد، فبرز في ذهني بطلًا هاديًا مخلصًا وتركت نفسي ترسو رويدًا في عالم بعيد معهود حبيب».

 

هل استمرت تلك التجربة؟ للأسف لم تؤثر كثيرًا ولم تفلح في جعل المؤلف يعود لهذا العالم الحبيب البعيد، ويوظف طاقته وكفاءته في ربطه البعيد بالقريب، وإحياء هذه الأمة على أساس من دينها وشخصيتها المتميزة.

 

«كانت تلك التجربة مجرد حالة نفسية عارضة ما لبثت أن تبددت لدى وصولنا إلى جبل طارق» (١٩) لقد استحكم فيه الابتعاد عن هذه الوجهة، بحيث أضحى مجرد القرب منها انهيارًا للاستحكامات الداخلية وهروبًا من الحاضر.. «ولست أدري حتى اليوم ما مكنني من مقاومة هذا الجذب السلفي ورفض أوهام الطفولة والسير في طريق العقل الموضوعي».

 

مرة أخرى في صفوف القوميين

 

انخرط د. شرابي فور وصوله إلى بيروت في أوائل ١٩٤٩ في نشاطات الحزب القومي السوري، وتبوأ فيه مركزًا مقربًا من زعيمه أنطون سعادة، وكانت سنة ١٩٤٩ حبلى بالأحداث التي تركت آثارها العميقة على الحزب القومي السوري، فقد عانى زعيمه من الإحباط بسبب ضعف الإقبال الجماهيري على الحزب، في نفس الوقت الذي تمكنت من نفسه عقدة التحدث عن الحزب «وكأنه دولة قائمة على وشك أن يتسلم الحكم... وكان يسلك في تصرفه الشخصي وفي مواقفه العامة سلوك رجل الدولة» واستمر بسبب ذلك في استفزاز الدولة اللبنانية وتحديها، فكانت النتيجة في رأي المؤلف أن «تمكنت القوى الطائفية والاقطاعية والرجعية والتي كانت تتصارع فيها بينها باستمرار، من الإيقاع بالحزب والتخلص من أنطون سعادة» ويستمر د. هشام شرابي في تحليل فشل الحزب في تعاطف واضح لم تذهب به السنون «وكان الحزب نخبويًّا في تركيبه ونظامه بعيدًا كل البعد عن المنظور الطبقي.. رفضنا المفهوم الطبقي لأنه يناقض المفهوم القومي وينفي نظرية الأمة، وهكذا حجب ضم الأمة حقيقة الجماهير عن ناظرنا...».

 

وتتابع الأحداث.. أشعل الكتائبيون النار في المطبعة التي تطبع صحيفة الحزب، وبدأت سلطات الأمن اللبنانية في ملاحقة واعتقال القوميين السوريين، ويهرب المؤلف إلى عمَّان مستعملًا جوازًا أردنيًّا دبره له والده ناويا السفر إلى شيكاغو في أقرب فرصة، ثم يعود إلى دمشق حيث نجح في الحصول على التأشيرة الأميركية، ويلتقي هناك بأنطون سعادة الذي لجأ لدمشق، ويتبين للمؤلف أن الحزب يعد للقيام بثورة مسلحة في لبنان، ولكن هذه المحاولة فشلت فشلًا ذريعًا، وقامت حكومة حسني الزعيم بتسليم سعادة إلى الحكومة اللبنانية التي بادرت بإعدامه خلال بضعة أيام ويتضح تأثير هذه الأحداث على د. شرابي حتى يومنا هذا، فالقارئ لا يسعه إلا أن يلاحظ جدة الذكريات في مخيلته وتعاطفه الشديد مع سعادة، واستياءه ومرارته من إعدامه وملاحقة أفراد حزبه، وينتقل لنا جزء من أفكاره في تلك الفترة «ومجتمعنا قاس، لا يرحم.. من يرفع رأسه يضرب ويحقر ويطعم التراب.. ما أتعسك يا وطني».

 

وعندما غادرت الطائرة أجواء عمَّان تقل في جوفها د. شرابي كان آخر خواطره كما أوردها في كتابه «لقد نبذتني يا وطني.. لن أرجع إليك.. لن أرجع أبدًا..».

 

حنين للعودة

 

ولكن الجذور التي خلفها د. شرابي في الوطن لم تذبل تمامًا، وما زال في أعماقه حنين للعودة إلى بلاده التي أحبها ونبذته، لذا فهو يقول في المقدمة المكتوبة في واشنطن عام ۱۹۷۸ يغمرني إحساس في هذه اللحظة أنني لن أعود الى وطني، بل سأمضي ما تبقى لي من العمر هنا في هذه البلاد الغريبة، وإنني سأموت فيها. لكن لا.. هذا لن يحدث، شعبي هو جزء من حياتي لم أتركه يومًا، ووطني أحمله في قلبي لا أقدر أن أتخلى عنه، سأعود يومًا...»

 

تلكم هي إحدى قصص الفصام والاغتراب الذي تضافرت على إيجاده عوامل مختلفة من الجهل وفقد الالتزام والتعليم التغريبي والسيطرة الاستعمارية والاستلاب الفكري، إنها قصة جيل لم يستطع أن يضطلع بمسؤوليته التاريخية في التوفيق بين تراث هذه الأمة وبين متطلبات العصر، وكان عاجزًا- لانقطاعه وعزلته- عن استثارة همم وحماسة الجماهير المسلمة لإحياء حضارة إسلامية تقوم على أسس متفردة لا شرقية ولا غربية، وبقي هذا الجيل متخبطًا في دوامة المذاهب المستوردة ينتابه التردد والشك، بل زاد من التخبط والضياع الذي إنتاب هذه الأمة ردحًا طويلًا من الزمن.

 

إننا نأمل أن يعود المؤلف إلى عقيدته وتراثه، مثلمًا بقي في نفسه الحنان للعودة إلى وطنه وشعبه.. والقلوب بيد الرحمن.

الرابط المختصر :