العنوان قراءة في قانون الإرهاب الأمريكي الجديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1150
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 16-مايو-1995
حريات المسلمين في خطر حقيقي داخل وخارج أمريكا
تشريع الإرهاب المقدم للكونجرس يفتح الباب لاتهام كل مسلم داخل الولايات المتحدة وخارجها بالإرهاب
أثار حادث انفجار المبنى الفيدرالي بمدينة أوكلاهوما الشهر الماضي والذي راح ضحيته قرابة ۲۰۰ شخص، واعتبر أسوأ حادث إرهابي في التاريخ الأمريكي، وأثار ضمن ما أثار من قضايا قضية مشروع قانون مكافحة الإرهاب المحلي والدولي الذي كانت قد تقدمت به إدارة الرئيس كلينتون للكونجرس في مطلع هذا العام، ففي أعقاب الحادث وتحت وطأة المفاجأة تعالت الأصوات داخل الإدارة الأمريكية في وسائل الإعلام مطالبة بإقرار هذا التشريع وصار جدل عنيف بين أنصار القانون الجديد وبين معارضيه الذين يرون فيه هدما للحريات المدنية الواسعة التي أقرها الدستور ويتفاخر بها الأمريكان في كل مكان.
وقبل التعرض لما يحويه هذا التشريع ومناقشة انعكاساته سواء على الجالية العربيةوالمسلمة على وجه التحديد داخل الولايات المتحدة أو على العالم الإسلامي ككل، تجدر الإشارة إلى عدد من الحقائق:
أولها أن هناك يدا إسرائيلية صهيونية وراء هذا التشريع تستهدف الإسلام والمسلمين بصفة عامة في جميع أنحاء العالم وليس فقط مسلمو الداخل الأمريكي، يؤكد هذه الحقيقة أن فكرة التشريع كانت نبتا يهوديا خالصا لمواجهة المقاومة الإسلامية المتصاعدة داخل الأراضي المحتلة، ومن قبيل البديهيات التي تتردد هنا في واشنطن أن اللجنة اليهودية الأمريكية كانت صاحبة فكرة تجميد أرصدة 4 عدد من المؤسسات والمنظمات الإسلامية المعارضة لمشاريع السلام في منطقة الشرق الأوسط وهي الفكرة التي تبناها الرئيس الأمريكي وأصدر بها أمراً تنفيذيا في يناير الماضي ثم وضعها بندا في التشريع الجديد وبالتالي فإن إسرائيل ستكون أول المستفيدين من التشريع الذي سيمكنها من مطاردة معارضيها داخل وخارج أمريكا باستخدام اليد الأمريكية الطويلة، إذ سيكفي في هذه الحالة أن تشير إلى أي شخصية عربية بأنها تدعم أعمال المقاومة الفلسطينية ولو بالقول لتقوم أمريكا بإنزال العقاب به والذي قد يصل إلى السجن أو الترحيل إذا كان داخل الولايات المتحدة أو مطاردته في جميع أنحاء العالم حتى يتم تسليمه إليها ليحاكم وفقا للرغبة الإسرائيلية.
في هذا الإطار أيضا لا يمكن إغفال دور بعض الأنظمة العربية الصديقة للولايات المتحدة في توجيه التشريع وجهة دولية لكبح جماح المعارضة الإسلامية المتصاعدة فيها يؤكد هذا أن مواجهة الأصولية الإسلامية كانت ومازالت بندا ثابتا ورئيسيا في برنامج زيارات الزعماء العرب إلى أمريكا وتحت هذا البند لا زالت بعض الأنظمة تتلقى المساعدات الأمريكية الاقتصادية والعسكرية لا لشيء إلا لكي تواصل ضرب التيارات الإسلامية داخلها، ظنا من الإدارة الأمريكية أن قطع هذه المساعدات قد يعجل بسقوط هذه الأنظمة ووصول الإسلاميين إلى الحكم، وهو الأمر الذي يهدد مصالح «إسرائيل» في المقام الأول ومن بعدها المصالح الأمريكية، وعلى هذا الأساس فإن التشريع الجديد يخدم هذه الأنظمة باستمرار المساعدات عن طريق ربطها بمواجهة الأصولية الإسلامية ويضمن عدم قطعها ما دام هناك قانون يبيح للإدارة الأمريكية استخدام كل الوسائل الممكنة بما فيها المساعدات بالطبع - للانقضاض على الأصولية الإسلامية وبالتالي فإن أي محاولة من جانب الكونجرس ذي الأغلبية الجمهورية لخفض أو قطع المساعدات لهذه الأنظمة سيكون هناك في ظل هذا القانون ما يبرر إجهاضها. على الجانب الآخر فإن القانون سيمكن هذه الأنظمة من مطاردة المعارضين وضمان ترحيل من يلجأ منهم إلى الولايات المتحدة أو إلى أي دولة حليفة لها بالإضافة إلى منع تدفق أي مساعدات تصل إلى هذه المعارضة من الخارج.
إن تحديد المستفيدين من هذا التشريع في شقه الدولي على النحو السابق يساعد كثيرا في فهم ما يحويه من بنود والمستفيدون هنا من وجهة نظرنا جهتان هما: إسرائيل، وبعض الأنظمة العربية، وقد جاءت نصوص القانون لتؤكد هذا : فالتشريع يسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالية وغيره من المؤسسات الأمنية الأمريكية بالحصول على ملفات الهجرة الخاصة بالمقيمين والطلبة الأجانب والزائرين والبحث عن أي شبهة إرهاب ليس فقط بالفعل بل أيضا بالقول، ولو كان على سبيل التعاطف مع جماعة أصولية، ولا يقتصر الأمر على حالات الهجرة الجديدة، بل إنه يمتد إلى الحالات السابقة، الأمر الذي يهدد بترحيل بعض رموز المعارضة الإسلامية المقيمين في أمريكا إلى بلدانهم ليواجهوا فيها خطر التصفية الجسدية أو السجن مدى الحياة على أهون الظروف، ويمكن أن يمتد ذلك إلى ترحيل قادة أو المتعاطفين مع جماعات المقاومة الإسلامية في الأراضي المحتلة وجنوب لبنان وتسليمهم إلى «إسرائيل».
ويربط التشريع بين أمن أمريكا وبين أمن حلفائها وأصدقائها حول العالم، وإذا استثنينادول غرب أوروبا فإن المعنيين بالصداقة والمحالفة الأمريكية هم: «إسرائيل» وبعض الأنظمة العربية، فالمادة ١٠٢ توسع مفهوم الأمن الأمريكي بصورة تجعل من أي أعمال تقوم بها جهة معينة أو أفراد أو أي مكان في العالم عملًا إرهابيًّا موجهًا إلى الولايات المتحدة رغم حدوثه خارج الحدود الأمريكية، وبذلك يتم تجريم -وفقًا للقانون الأمريكي- كل من تسول له نفسه معارضة أو الوقوف في وجه أي جهة أو نظام تبسط أمريكا حمايتها عليه، ومن هنا يمكن تعقب عناصر المقاومة الإسلامية في الأراضي المحتلة وجنوب لبنان أو عناصر الجماعات الإسلامية في مصر، أو جماعة الإنقاذ في الجزائر، أو غيرهم من الجماعات واقتيادهم إلى الولايات المتحدة، ليحاكموا وفقًا لهذا القانون، ويدخل في باب التجريم هنا أيضًا أي مكالمات هاتفية أو محادثات لها علاقة ولو غير مباشرة بأي تدبير لعمل خارج أمريكا.
إن القانون الجديد بالشكل الذي قدم به إلى الكونجرس يفتح الباب أمام اتهام كل مسلم داخل الولايات المتحدة وخارجها بالإرهاب، فوفقًا لهذا التشريع يمكن اعتبار كل حركات التحرير الوطنية في فلسطين المحتلة، وجنوب لبنان، وجمهوريات آسيا الوسطى المسلمة، حركات إرهابية ما دام أنها تتبنى خيار الكفاح المسلح ضد المحتلين لاسترداد الأراضي السليبة، فالأمر لا يقف عند حد الأعمال الإرهابية ولكنه يمتد ليشمل حسب المفهوم الذي يتبناه التشريع للإرهاب، أي شخص يبدي ولو قدرًا ضئيلًا من التعاطف مع هذه الحركات، ولما كان من الطبيعي أن يتعاطف أكثر من مليار مسلم مع المجاهدين في الشيشان، والفلبين، وفلسطين، وجنوب لبنان والبوسنة وغيرها من المناطق التي يتعرض فيها المسلمون للتصفية، فإن الاتهام بالإرهاب يمكن أن يشمل جميع المسلمين في مختلف بلدان العالم لمجرد دفاعهم بالقول وليس بالعمل عن المسجد الأقصى في القدس الشريف أو مطالبتهم بحقوق إخوانهم في الفلبين أو استنكارهم لاقتحام البوليس للمساجد في مصر إن القانون الجديد بالإضافة إلى ما سبق يعطي سلطات الأمن والتحقيق الأمريكية مساحة واسعة من حرية الحركة لم تكن تحلم بها، فالمكالمات التليفونية التي ظل التصنت عليها وتسجيلها أمرا محظورا تماما سيكون من سلطة البوليس مراقبتها دون حاجة إلى تصريح مسبق بذلك، وفي إطار سياسة تجفيف المنابع التي يتبناها القانون وتعني تجريم جمع التبرعات وإعانات الإغاثة بواسطة الهيئات التي يشك في دعمها للمقاومة الإسلامية والتي للرئيس الأمريكي وحده حق تحديدها، لن يكون من المستغرب اعتقال القائمين على هذه الهيئات الخيرية ومنع وصول الإغاثة لمستحقيها في مناطق الكوارث في العالم الإسلامي، وليس ببعيد الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس كلينتون في مطلع هذا العام وألصق به تهمة الإرهاب بعشرة منظمات عربية وثمانية عشر شخصية عربية وإسلامية جمدت أرصدتها الماليةووضعت قيود شديدة على حركتها وأنشطتها.
سيصبح من السهل بعد ذلك أن تتسع قائمة المنظمات الإرهابية لتشمل حتى المعتدل منها، وربما جمعيات تحفيظ القرآن وجماعات الصوفية ما دام أنها تبدي تعاطفا مع المسلمين المضطهدين.
إن بنود هذا التشريع تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الإسلام والمسلمين هم المستهدف الأول منه، أما أصحاب المصلحة منه فلا يخرجون عن طرفين هما: إسرائيل وبعض الأنظمة العربية الصديقة للولايات المتحدة والتي تأمل أن تساعدها في القضاء على الجماعات المعارضة لتوجهاتها العلمانية والصهيونية.
لقد وعى العرب والمسلمون في أمريكا خطورة القانون المقترح على الوجود الإسلامي فيها واتخذت خطوات ندعو الله أن تكلل بالتوفيق في معارضة هذا التشريع وتنقيته مما يعوق الحركة الإسلامية، أما الحكومات العربية فقد تجاهلت الأمر كما لو كان شأنا أمريكيا داخليا لا يجب أن يكون لها فيه ناقة ولا جمل وهنا مكمن الخطر، فهذه الأنظمة التي تحتمي بالصديق الأمريكي قد تجد نفسها بين يوم وليلة متهمة بالإرهاب، وعندئذ لن ينفع الندم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل