العنوان قراءة في قصة الدكتور نجيب الكيلاني: اعترافات عبدالمتجلي
الكاتب يحيى بشير حاج يحيى
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1993
مشاهدات 27
نشر في العدد 1063
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 24-أغسطس-1993
عبدالمتجلي شاب يعيش في غير عصره، لا لأنه يأتي بعجائب وغرائب من المثل والقيم، ولكن لأنه يصر على السلوك المستقيم من خلال الثوابت الصحيحة والصفات الفاضلة، وهو شخصية نمطية تجدها في كثير من مجتمعاتنا.. إنه مجرد موظف بسيط غير مرغوب به في الدائرة التي يعمل فيها، ومع ذلك فإن الناس يحبونه لأنهم مؤمنون بصدق توجهاته وحسن نواياه؛ ولأنه لا يسعى من أجل نفع ذاتي أو غرض ملوث كما يفعل الآخرون، ومن ثم كانوا يشفقون عليه لأنه يتصدى لمفاسد أكبر من طاقته بكثير، وقد لخص معاناته أحد حكماء القرية قائلًا: إنه صوت أصيل يجب أن يظل مدويًا، ويجب أن نظل نسمعه حتى ولو لم يأت بنتيجة!
لم يسبق
لعبد المتجلي أن انتسب إلى أي حزب سياسي، ولا فكر في دخول أية جماعة من الجماعات،
ولا سجلت عليه دوائر الأمن بفروعها الكثيرة أي نشاط مخل بالأمن بحسب مفهومها.. قرأ
خبرًا في إحدى الصحف يقول: «ويسرقون الونش» فهاج وماج وشرح لأهل القرية خطورة هذا
العمل، وأنه تحدٍ خطير لإرادة الأمة، وأن من يسرق الونش يسرق المستقبل لأننا في
عصر التكنولوجيا، فتقدم بطلب إجازة لمدة شهرين دون راتب للبحث عن الونش المسروق في
القاهرة، وحذره العمدة بأن البلد فيها حركة اعتقالات، فهز رأسه غير مبالٍ، لأنه لم
يعمل بالسياسة ولا عرف عنه ذلك.
وفي
القاهرة ذهب إلى المنطقة التي سرق منها الونش، سأل الناس، تعرف على السائق، عاين
المكان، شك الناس في أمره، ولكن عندما عرفوا حقيقته قدم له بعضهم ما يعرف من
معلومات رأفةً به وشفقةً على حماسته وصدقه.. تعب من البحث، وأخيرًا اهتدى إلى فكرة
مداهمة الورش؛ لأن أحد الصبية العاملين أخبره أن كثيرًا من السيارات والمركبات
المسروقة تفكك «في المشرحة» قطعة قطعة، وتتحول إلى كومة من المعدن وتختفي معالمها،
وأخبرته إحدى البائعات المقيمات في المنطقة أنه لو وجد الونش فلن يستطيع أن يمسه،
أو حتى يقترب منه لأن حيازتهم له تعني أنه أصبح ملكهم، ولن يجرؤ أحد أن يسألهم من
أين أتوا به؟!
ومع ذلك
كان يتردد على الورش ومعه الملف الخاص بالونش وبالصور والمواصفات.. لاحظ أن أحد
المتسكعين يراقبه فلم يهتم به في البداية، وتكرر اللقاء به حتى قدم نفسه على أنه
من قرية مجاورة وأنه معجب بجهوده، وراح يثني على همته باعتباره مواطنًا شريفًا،
فاسترسل عبدالمتجلي معه في الحديث، وارتاح كل منهما إلى صاحبه، وفتحا ملف الفساد
والمعاناة بدءًا من الزيت المفقود ووصولًا إلى فساد الجمعيات الزراعية والتهرب من
الضرائب، وعرض عبدالمتجلي الأمور من خلال رؤيته، وأن سبب الخراب والضياع هو البعد
عن شرع الله! فوافقه صاحبه، وقال: سأدلك على من يستطيع أن يقدم لك العون الفعلي
للعثور على الونش المفقود، وبعدها تعود إلى بلدك مجبور الخاطر.. ومضى معه ولكن إلى
باب واسع يحرسه رجال مدججون بالسلاح، يتحاورون بالنظرات والإشارات، ويتفاهمون مع
القادمين بالضرب واللكمات، فناله منها ما ناله، وسمع صوتًا أجشَّ من خلفه يقول:
«وقعت أخيرًا في أيدينا» وانهالت على عبدالمتجلي الأسئلة عن نشاطاته؟ ومن المسؤول
عنه؟ وفي أي تنظيم هو؟!
أفهمهم
أنه جاء للبحث عن الونش، فتلاحقت اللكمات وقيل له: إن قضية الونش تمثيلية للتعمية،
وأن عمله هذا للتضليل؟ وتلقى مزيدًا من الضرب والركل بما لم يكن ليسمح له أن يلتقط
أنفاسه!
قاس
الزنزانة بنظراته الحزينة، ثم نظر إلى جلده الذي تسلخ من شدة الضرب، وحاول أن يجد مبررًا
لهذه المعاملة فلم يجد.
إن موضوع
الونش لم يكن مقنعًا للضابط بل هو حسبما يرى مجرد ستار يختفي وراءه عبدالمتجلي
الحقيقي.. عبدالمتجلي المتطرف ذو الوجه الإرهابي القبيح الذي ينقل الرسائل بين
الفصائل الإسلامية المتطرفة في المحافظات والقاهرة، وأسيوط والصعيد بصفة عامة، فهو
ممثل بارع من نوع فريد، وقد يكون لديه خيط يؤدي إلى اكتشاف تنظيم جديد، فقد ضبط في
بيته عدد من الكتب ومن جملتها "جمهورية أفلاطون"، فاستنتج المحقق أنه
يدعو الشباب للقيام بانقلاب لإعلان المدينة الفاضلة، وأنكر عبدالمتجلي أن يكون دعا
أو يدعو لزعزعة النظام، وأنه إنما يمارس حقه الديمقراطي في التنبيه على مواطن
الخلل، وإبداء الرأي، والمحافظة على التكنولوجيا وأدوات الإنتاج ممثلة في البحث عن
الونش المفقود!
وأغمض
عينيه حين طوقه السوط، لم يتأوه، ولكن تعبيرات وجهه الذي ازداد شحوبًا وذبولًا
كانت أقوى تعبيرًا عن الآلام التي يعانيها.. فقال للضابط: فعلتم بي هذا كله وأنا
بريء، فماذا لو كنت حقًا مذنبًا؟ قال الضابط: هل نسيت أننا في حالة طوارئ؟ أجابه:
وكيف أنسى.. إنني أراها في كل مكان.. نحن في بيوتنا أعلنا حالة الطوارئ قبل أن
تعلنها الحكومة، ويوافق عليها مجلس الشعب بالأغلبية الساحق... الطوارئ نعمة..
الحمد لله..
وجاءت
التحريات الإضافية لتقول: إن عبدالمتجلي لم يشترك في حياته في مظاهرة من
المظاهرات، ولم ينضم إلى حزب من الأحزاب، إنما دائمًا مع عامة الناس الذين يشكلون رأيًا
عامًا بعيدًا عن التكتلات السياسية والحزبية، ولكن الضابط -على الرغم من قناعته
ببراءة عبدالمتجلي ومن خلال حواره معه- كان يظن أن من يحمل تلك الأفكار يُخشى من
خطره في المستقبل؟! ثم أصدر الأمر بالإفراج عنه بعد تحسن حالته الصحية.
وفي
اللقاء الأخير مع المحقق أخبره أنه متأسف لما جرى له وأن عليه ألا يحدث أحدًا بما
حصل له، لأنه يضعهم في موقف حرج قد تستغله المعارضة.. وحين سأله عبدالمتجلي عن
الونش؟ قال له الضابط: هذا واجبنا نحن، هناك مسائل من عمل السلطة وليس من اختصاص
الأفراد، والخلط بين واجبات الفرد والسلطة خروج على القانون والنظام.
قال عبد
المتجلي: نحن والسلطة شيء واحد! أجابه الضابط: لا يا عبدالمتجلي، إنهما شيئان
منفصلان!
وبقي الونش مسروقًا، وعاد عبدالمتجلي إلى قريته ليجد اقتراحًا بفصله من الوظيفة بعد أن ثبت لمجلس القرية أنه متآمر، وعدو للديمقراطية، مع إرسال البرقيات إلى الجهات المسؤولة بهذا الخصوص! ولكن أهل القرية كل القرية كان لهم موقف آخر، فاستقبلوه بالزينات والفرح.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل