; مفاهيم إسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مفاهيم إسلامية

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1977

مشاهدات 50

نشر في العدد 365

نشر في الصفحة 50

الثلاثاء 30-أغسطس-1977

صفحة للقراءة

مفاهيم إسلامية

الإيمان بالقضاء والقدر وأثره في سلوك الإنسان

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المسلمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد أخي القارئ فهذه صفحة نعرض لك فيها بعض المفاهيم الإسلامية التي من الضروري أن يحيط بها المسلم ويدركها، نختارها لك من بين كتب مكتبتنا الإسلامية الموثوقة إن شاء الله تعالى منوعين لك ما بين مفاهيم العقيدة والتشريع والعبادة وغيرها من مجالات الإسلام وأساسياته راجين من الله -عز وجل- أن ينفعنا بها وأن يعيننا على مواصلة استجلاء ما في كتبنا الإسلامية الموثوقة من مفاهيم إسلامية ضرورية بصورة مختصرة موجزة في غير إخلال ولا تشويه إنه نعم المولى ونعم النصير.

ونبدأ اليوم مسيرتنا بعرض مفهوم مهم من مفاهيم العقيدة الإسلامية ألا وهو مفهوم القضاء والقدر وأثره في حياة الإنسان بعد أن وقع كثير من الناس في اللبس بصدد هذا الموضوع فننقل لك وبالله التوفيق من كتاب مجموعة بحوث فقهية - للدكتور عبد الكريم زيدان هذا المبحث الجيد في القضاء والقدر:

ما المقصود بالقضاء والقدر؟

 المقصود هو أن الله تعالى سبق علمه بكل مخلوق وشاء وجوده، وأوجده وفق ما قدره له، وشاء ما يصدر عنه بعد وجوده، لا يخرج عن ذلك شيء لا أفعال الإنسان ولا غيرها، سواء كانت هذه الأفعال خيرًا أو شرًا أو معصية، كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في الكون من أحداث وبهذا كله يجب الإيمان وبه يتحقق الإيمان الشرعي المطلوب بالقضاء والقدر الذي أمر به القرآن وجاءت به السنة النبوية المطهرة.

الأصول القطعية في القضاء والقدر: ما ذكر من معنى موجز للقضاء والقدر يقوم على أصول قطعية يقينية تقوم عليها معاني القضاء والقدر وما يتصل بهذه المعاني ونذكر فيما يلي هذه الأصول.

أولًا: سبق علم الله بالأشياء: فقد سبق علم الله تعالى بالأشياء قبل وجودها وعلم ما سيحدث لها بعد وجودها وما يصدر عنها وما يصيبها ويدخل في ذلك بداهة علمه تعالى بالإنسان وما يصدر عنه وما يحدث له «إن الله بكل شيء عليم». 

وعلم الله تعالى يتناول أيضًا ما لم يكن لو كان كيف يكون قال تعالى ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (الأنفال: ٢٣).

ثانيًا: الله خالق كل شيء: والأصل الثاني أن الله تعالى هو الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد فهو خالق كل شيء بلا استثناء، فما من شيء وجد بعد أن لم يكن موجودًا إلا والله خالقه، ويدخل في ذلك بداهة أفعال الإنسان من طاعات ومعاصي وخير وشر فهذه الأفعال كانت معدومة ثم وجدت فلا بد أن تدخل في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ ﴾ (الزمر: 62)

ومن استثنى من هذا العموم شيئًا فقد أثبت مع الله خالقًا آخر وهذا هو الشرك وخلق الله تعالى للأشياء يكون وفق ما قدره الله لهذه الأشياء من مقادير قال تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢).

وفي الحديث الصحيح «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» والمقادير التي قدرها الله تعالى للأشياء التي خلقها ويخلقها تعني صفات هذه الأشياء ومقوماتها وما تتميز به عن غيرها من حيث الجنس والنوع والآحاد ومن جهة تركيبها وشكلها ولونها وحجمها وأجزائها ونحو ذلك.

ثالثًا: عموم مشيئة الله تعالى: فلا يقع شيء في الكون إلا بمشيئة الله تعالى، أي أن الله تعالى شاء وقوع ما وقع ولم يشأ وقوع ما لم يقع، لا يخرج عن ذلك شيء لا أفعال إنسان ولا غيرها، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن والدليل على هذا الأصل نصوص القرآن الكريم منها قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ (البقرة: ٢٥٣).

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: ١١٢).

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: ٢٩).

ويدخل في عموم مشيئة الله تعالى وإرادته العامة ما يصيب الإنسان من مصائب قال تعالى ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: ٥١) 

رابعًا: مسؤولية الإنسان عن أفعاله: وهذا الأصل معروف من الدين بالضرورة فمن أصول الإيمان: الإيمان بيوم الحساب حيث يصير الناس بعد حسابهم يوم القيامة إما إلى الجنة وإما إلى النار.

خامسًا: استحالة الظلم على الله تعالى: فالله منزه عن الظلم وكل أفعاله عدل ورحمة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.

سادسًا: لا حجة لأحد بالقدر: إذ لو كان القدر حجة لاحد لما عذب الله أحدًا ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ۖ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام: ١٤٩)

سابعًا: لا يسأل عما يفعل: فالله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يخلقه وعما يشاء وجوده سؤال اعتراض ومحاسبة ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.

ثامنًا: ربط الأسباب بالمسببات: فما قدرة الله وقضاه من أفعال الإنسان وأحواله إنما قدره بأسباب، وربط الأسباب بالمسببات سنة إلهية في جميع الموجودات فهي قانون عام شامل وليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب فنزول المطر كما يقرر القرآن سبب حياة الأرض واتباع الإسلام سبب دخول الجنة وهكذا.

تاسعًا: ضرورة مباشرة الأسباب فالأسباب والمسببات جميعها من أقدار الله تعالى فلا بد لنا من مباشرتها للحصول على ما ربط بها من نتائج أو مسببات، بل إن الإعراض عن مباشرة الأسباب إعراض عن شرع الله وقدح فيه ومناقضة له لأن الشرع الإسلامي جعل الإيمان والأعمال الصالحة أسبابًا لما ربط بها من نتائج كالسعادة والفلاح ودخول الجنة وكذا الكفر والمعاصي سببًا لدخول النار.

ولكن يجب أن يعلم هنا أن مباشرة الأسباب لا يعني تعلق القلب بها أو الاعتقاد بأنها مفضية قطعًا إلى نتائجها فليس في المخلوقات كلها سبب يفضي إلى مسببه بصورة حتمية وقطعية، بل لا بد من تضافر أسباب أخرى وإزالة موانع حتى يؤدي السبب إلى نتيجة ولهذا كان الاعتماد القلبي في حصول النتيجة على الله وحده لا على مباشرة السبب.

أثر الإيمان بالقضاء والقدر في سلوك الفرد: 

أولًا: السلوك المستقيم مع الآخرين القائم على الصدق والوضوح والاستقامة حيث يعتقد المؤمن بالقضاء والقدر أن النفع والضرر بيد الله وحده فيورثه هذا الاعتقاد أيضًا الشجاعة والقوة في مواجهة الأعداء كما يتبين السلوك المستقيم في العفو عمن ظلمه حيث يعلم المؤمن بالقضاء والقدر أن ما أصابه من الظلم مقدور عليه وإنما الغير واسطة لوصول المقدور إليه.

ثانيًا: الاستعانة بالله: فصاحب الإيمان الصحيح يعلم يقينًا أن الأمر كله بيد الله خلقًا ومشيئة وتقديرًا وإيجادًا فالمستعان على حصول المراد هو الله وحده دون غيره، ولهذا فهو يستعين بالله على حصول مراده ويباشر الأسباب فإن حصل مقصوده فهذا من فضل الله وإن لم يحصل المقصود لا ييأس فقد يكون في تأخير حصول المطلوب خير لا يعرف وجهه فالله يعلم ونحن لا نعلم. 

ثالثًا: الاعتماد على الله وحده: فصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يباشر الأسباب بيده ولكن اعتماده على الله وحده لا على السبب فقد اختفى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الغار وهذه مباشرة لسبب الخلاص من المشركين ولكن ما كان اعتماده في الخلاص من المشركين على هذا السبب وإنما كان على الله وحده قال تعالى ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٤٠).

فثقته -صلى الله عليه وسلم- واطمئنانه بسبب معية الله له لا لسبب الاختفاء في الغار.

رابعًا: ينازع الأقدار بالأقدار، بمعنى أن لا يستسلم للقدر ما لم دام له دافع أو رافع أو مانع فيأخذ من الأسباب ما يحقق ذلك. وتفصيل ذلك أن المسلم مطالب يأخذ الوقاية من المحذور لئلا يقع ويرفعه ودفعه إذا وقع.

خامسًا: مشاهدة القدر عند فعل الحسنات وما يترتب على ذلك: فصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يستحضره في ذهنه عند فعل الحسنات وعمل الصالحات فيؤدي ذلك إلى الاعتراف بأن ما صدر منه هو بمحض فضل الله عليه ليس له فيه شيء وهذا يؤدي بدوره إلى قمع نوازع الكبر والغرور والعجب بنفسه والمن على الناس، كما أن مشاهدة القدر عند فعل الحسنات تفيد المسلم من ناحية أخرى هي استدامة افتقاره إلى الله وتصرفه بهذه الكيفية وتشبثه الدائم برحمة الله وطلب عفوه وعدم الالتفات إلى عمله ويظن أن فوزه بالآخرة إنما هو بمحض فضل الله عز وجل.

سادسًا: مشاهدة النفس عند فعل السيئات وما يترتب على ذلك: فصاحب الإيمان الصحيح بالقدر يشاهد نفسه عند فعل السيئات وارتكاب المنهيات ولا يحتج بالقدر على عصيانه لأنه لا حجة لأحد فيه كما بينا وإنما يرجع إلى نفسه ليوبخها وينهض من كبوته حالًا كما ينهض من الوحل إذا وقع فيه ويعقد العزم على عدم العودة إلى الذنب ويتوجه إلى الله بالاعتراف بالذنب بانكسار قلب.

والحمد لله رب العالمين

بإشراف: صالح بن حمد الراشد

الرابط المختصر :