العنوان قراءة في كتاب «مقدمة ابن خلدون» (7)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الأربعاء 31-أغسطس-2022
مشاهدات 73
نشر في العدد 2171
نشر في الصفحة 43
الأربعاء 31-أغسطس-2022
كيف نشأت الدول؟
ابن خلدون نادي بالعناية بالناشئة وتثقيفهم وصقل قدراتهم واستيعابهم
كان كأنه في مختبر للتاريخ يقيس الحاضر بالماضي ويستشرف المستقبل
مقدمته تضع يدك على علل الكوائن وأسبابها والأحداث وتفسيراتها
د. محمد سليم العوَّا
أعدها للنشر- حسن القباني:
وقفنا في الحلقة السابقة عند انتقاد ابن خلدون للمؤرخين من قبله، وذكره أنهم لم يوفوا بالغرض الذي رآه هو الغرض الصحيح، وهو معرفة تاريخ أحوال الناس والبلدان والنماء الاجتماعي والحكم وكيف يسير.. إلخ.
واصل ابن خلدون فقال: «وصفاحاً انتُضيت من أغمادها، ومعارف تستنكر لأنهم جاهلون بطارفها وتلادها ما يعرفون الجديد من القديم، إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها، يكررون في موضوعاتها الأخبار المتداولة بأعيانها، اتباعاً لمن عني من المتقدمين بشأنها»، ويعني ابن خلدون «بالصفحة» صفحة السيف وجانبه الذي يكون في الغمد وبخروجه تظهر مادته، وبغير هذا لا تعرف الناس عنه شيئاً، في إشارة إلى منهج مخالفيه في الكتابة التي لا تقدم ولا تؤخر.
قال: «ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها بما أعوز عليهم من ترجمانها»، ويقصد بالناشئة أجيال الشباب الصاعدة، وينتقد الغفلة عن الاهتمام بهؤلاء الناشئة وإعطائهم الفرصة كي يتعلموا ويتثقفوا ليُكوِّنوا بأنفسهم آراءهم وقدراتهم، كما يدعو إلى أن نغرس في نفوسهم وعلى ألسنتهم وفي آذانهم وفي وجدانهم التكلم باللغة الصحيحة، فاللغة استعمال، فإذا لم تستقم على الاستعمال الصحيح ضاعت منك اللغة، وهذا لا يأتي إلا بقراءة القرآن والسُّنة، ومن الأهمية كذلك استيعاب لغة هذه الأجيال الصاعدة، بدلاً من الاكتفاء بنقدهم، فقد يتكلمون بطريقة محترمة ونحن لا نفقه كلامهم وهو ما يحتاج لاستيعابهم ولغتهم.
قال: «ويغفلون من أمر الأجيال الناشئة في ديوانها، بما أعوز عليهم من ترجمانها، فتستعجم صحفهم عن بيانها، ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقاً، محافظين على نقلها وهماً أو صدقاً، لا يتعرضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها، وأظهر من آيتها ولا علة الوقوف عند غايتها، فيبقى الناظر متطلعاً إلى مبادئ الأحوال ومراتبها،
مفتشاً عن أسباب تزاحمها وتعاقبها، باحثاً عن المقنع في تباينها أو تناسبها حسبما نذكر ذلك كله في مقدمة الكتاب».
ثم انتقل إلى نفسه فقال: «ولما طالعت كتب القوم، وسبرت غور الأمس واليوم، نبهتُ عين القريحة من سِنة الغفلة، وسمتُ التصنيف من نفسي وأنا المفلس أحسن السوم»، والسبر هو الاختبار، والسِّنة هي
النوم، و«وسمت» يعني أردت ورغبت، أما «السوم» فهو «الفصال» كما يحدث عند التجار من المساومة، وسام الشيء أي قدره، فهو يقول: إنه لما قرأ كتب القوم وعرف الأخطاء التي وقعوا فيها بادر إلى التصحيح والتصنيف، ولكن لتواضعه وعدم الاستكبار بعلمه وصم نفسه بالمفلس الذي لا مال له، يدخل السوق بحماسة ويفاصل بقوة مفاصلة لا معنى لها إلا أنه مفلس، لن يشتري على عكس من يملك مالاً فهو يفاصل على قدر ماله وآماله.
قال: «فأنشأتُ في التاريخ كتاباً رفعتُ فيه عن أحوال الناشئة من الأجيال حجاباً»، وهنا هو يريد أن يقيس الحاضر بما كان ماضياً، ويستشرف من هذا القياس كيف يكون المستقبل، كأنه في مختبر للتاريخ يخرج مما سبق ويحدث ما سيكون عليه المستقبل من توقعات.
قال: «وفصلته في الأخبار والاعتبار باباً باباً»، ماذا صنع الرجل: بيّن أحوال عصره وفصّل في الأخبار والاعتبار، الأخبار جمع خبر، والاعتبار هو ما يقاس به، ورب العالمين يقول: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} (الحشر: 2)، يعني قيسوا الأمور بأشباهها وخذوا النظائر من نظائرها.
قال: «وأبديت فيه لأولية الدول والعمران عللاً وأسباباً»، وهذه الكلمات هي مفاتيح العمل برمته، فكلمة العمران تفتح لنا الباب على منهج ابن خلدون في العمل، فهو ليس سارداً ولا قاصاً لوقائع التاريخ الصحيحة، ومحققاً لزائفها فيمحوه.
إن ابن خلدون مفكر دقيق ورصين، ينظر في التاريخ لكي يرى أين سيقوده في المستقبل، ولذلك فهو أعد «أولية للدول والعمران» يعني: كيف نشأت الدول؟ وكيف بدأ هذا العمران؟ ويبحث عن علة وجود الدولة أو زوالها، فالدولة التي ضعفت فيها أولاد الملك أو الملوك الذين من بعده يتصارعون ويُكثرون من الجواري
والفساد في القصر، وتركوا الجهاد واشتغلوا بجمع الأموال، ففسد الحكم، وضعُفت شوكتهم، فيوثق علة من علل زوال الدول أو بعض علل زوال الدول، ثم يوثق علة قيام دولة أخرى،
بسبب وجود جماعة مستعدة وجاهزة لانتزاع الحكم ممن ضيعوا حقهم فيه.
قال: «وبنيتُه على أخبار الجيلين اللذين عمروا المغرب في هذه الأعصار، وملؤوا أكناف الضواحي منه والأمصار، وما كان لهم من الدول الطوال والقصار، ومن سلف لهم من الملوك
والأنصار، إذ هما الجيلان اللذان عرف بالمغرب مأواهما وطال فيه على الأحقاب مثواهما، حتى لا يكاد يتصور عنه منتواهما».
و«عمَّروا أو عمَّرا» صحيحان؛ لأن العرب تجمع المثنى فتستعمل لفظ الجمع في المثنى، وتستعمل لفظ المثنى في المثنى، وهذا جائز، ويشير إلى أنه سيتحدث عن هذين الجيلين من العرب والبربر، في المغرب وهو عند ابن خلدون يشمل الجزائر وتونس والمغرب الأقصى الذي نسميه الآن المملكة المغربية، وعاصمتها مراكش، و«منتواهما» من «النأي» أي البعد،
فهو لا يتصور أن يخلو المغرب من العرب والبربر، لأن هذه بلادهم وأرضهم وهم حكامها وملوكها.
قال: «ولا يعرف أهله من أجيال الآدميين سواهما، فهذبت مناحيه تهذيباً وقربته لأفهام العلماء والخاصة تقريباً»، نحن نقول: الخاصة والعامة، نقصد بالخاصة العلماء والمثقفين، ونقصد بالعامة عوام الخلق من أمثالنا، وهو قال: «العلماء والخاصة»، فمن قبله لم يدرس أسباب القيام والسقوط وطبائع الشعوب واحتياجاتها، ولكنه هو من صنع ذلك، وكتبها بلغة سهلة يفهمها الخاصة والعلماء، فالعلماء يريدون العبرة، والخاصة يريدون خلاصة ما سبق حتى لا يقعوا في أخطاء السابقين، أو حتى يعملوا مثل عملهم الصالح فتقوم دولهم وتستمر، وبكل جرأة لا تنفي تواضعه، يؤكد أن كتابه قربه للعلماء وللخاصة، والعامة ليس لهم فيه.
وعلى رغم تواضع الرجل الذي أكثر من قول: «إنه المفلس أحسن السوم»، فإنه مدرك تمام الإدراك لقيمة ما يكتب، وأن الذي هُديَ إليه من رب العالمين لم يُهدَ إليه أحدٌ قبله، وقد صدق، وهذا ما جعل الاعتناء بهذا الكتاب وبالعلم الذي اخترعه ابن خلدون في محله، إن شاء الله تعالى.
قال: «وسلكت في ترتيبه وتبويبه مسلكاً غريباً، واخترعته من بين المناحي مذهباً عجيباً، وطريقة مبتدعة وأسلوباً، وشرحت فيه أحوال العمران والتمدن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني من الأعراض الذاتية، ما يُمتعك بعلل الكوائن وأسبابها ويعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها»، فهو يذكر مجدداً بمنهجه، ويوضح مسيرته فيه، ويضع يدك على علل الكوائن وأسبابها وعلل الأحداث وتفسيراتها، واستعمل الدولة هنا كما لو كانت بيتاً وصاحب الدولة دخل من باب البيت، فأقام فيه وأصبح البيت ملكاً له.
وهنا السؤال: لماذا أرهق ابن خلدون نفسه ووضع سبعة مجلدات؟ أجاب بنفسه فقال: «لتنزع من التقليد يدك وتقف على أحوال ما قبلك من الأيام والأجيال وما بعدك»، وهذا هو كل الهدف، ألا يصنع من الناس مجرد أتباع لمن كتب قبله من المؤرخين، وألا يكونوا من المستمعين للقول فيتبعونه بصرف النظر عما إذا كان أحسن الأقوال أو أسوأها، أصح الأقوال أو أفسدها