العنوان قراءة في كتاب: من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام
الكاتب بدر محمد بدر
تاريخ النشر الاثنين 01-فبراير-2016
مشاهدات 62
نشر في العدد 2092
نشر في الصفحة 71
الاثنين 01-فبراير-2016
يقدم لنا المفكر الإسلامي د. محمد عمارة في كتابه الجديد «طه حسين.. من الانبهار بالغرب إلى الانتصار للإسلام»، دراسة علمية رصينة وموثقة، تتناول مراحل التطور الفكري للأديب الكبير، وتكشف ملامح المرحلة الأخيرة من حياته بالذات، والتي يراها المؤلف أهم مراحل حياته، التي يتغافل عنها «المعجبون به، والكارهون له على السواء»!
في مقدمة الكتاب، الذي صدر أخيراً في 192 صفحة كهدية مع مجلة «الأزهر», يستعرض المؤلف سيرة حياة طه حسين (1889 - 1973م) بداية من مولده في إحدى قرى مركز مغاغة بمحافظة المنيا (شمال الصعيد)، ومروراً بأهم المحطات الفكرية والسياسية والاجتماعية في حياته وحتى وفاته.
بدايات مترددة
ويقسم المؤلف التطور الفكري الذي مر به طه حسين إلى مراحل أربع:
المرحلة الأولى: أطلق عليها د. عمارة «مرحلة الشيخ طه حسين»، وهي بداياته الفكرية (1908 - 1914م) والتي بدأت بالتحاقه بالجامعة الأهلية المصرية، بعد حرمانه من نيل شهادة العالمية الأزهرية, وانتهت بسفره إلى فرنسا عام 1914م، مبعوثاً من الجامعة المصرية لنيل درجة الدكتوراه من جامعة السوربون.
وفي هذه المرحلة بدا طه حسين متردداً في الهوية الحضارية لمصر، بين مذهب «حزب الأمة» ومفكره أحمد لطفي السيد، الذي يدعو إلى الوطنية المصرية، الرافضة للعروبة القومية والانتماء الحضاري الإسلامي، وبين اتجاه «الحزب الوطني» وزعيمه مصطفى كامل، ذي الهوية الإسلامية والمدافع عن الجامعة الإسلامية والخلافة.
والمرحلة الثانية: (1919 - 1930م) أطلق عليه المؤلف «مرحلة الانبهار الشديد بالغرب»، وفيها كان طه حسين مبهوراً بكل ما هو غربي، وساعياً بكل ما يملك إلى إلحاق مصر بهذا النموذج الحضاري الغربي، وفيها ظهرت كتبه التي أثارت جدلاً واسعاً، منها مشاركته في تأليف والدفاع عن كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ علي عبدالرازق، ثم كتابه «في الشعر الجاهلي»، الذي بلغ فيه قمة الاستفزاز التغريبي، عندما طبق غلو الشك العبثي على المقدسات الإسلامية، ثم كتابه «في الأدب الجاهلي».
وكان طه حسين في هذه المرحلة مع فرعونية مصر والمصريين ضد الهوية العربية، ويتصدى لتجريح الانتماء الحضاري المصري للعروبة والإسلام.
ويشير المؤلف إلى أن أهم تطور فكري للدكتور طه حسين في تلك الفترة نتج عن زواجه في فرنسا من فتاة فرنسية مسيحية، أقنعها عمها القسيس بالزواج منه، فكانت عينه التي يقرأ بها، وأثَّرت كثيراً في قناعاته الفكرية والدينية.
والمرحلة الثالثة: (1932 - 1952م) يسميها المؤلف «مرحلة الإياب التدريجي والمخاض الحافل بالتناقضات»، ويلخص أهم معالمها في عدة نقاط، منها:
- خلو كتابات طه حسين في هذه الفترة من أي إساءة إلى الإسلام ومقدساته ورموزه.
- التوجه، ضمن كوكبة من كبار الكتَّاب، منهم عباس العقاد، ومحمد حسين هيكل، وأحمد أمين، وتوفيق الحكيم، وزكي مبارك، إلى الكتابة في الإسلاميات، والدفاع عن الإسلام ضد التنصير.
- وفي السياسة الإسلامية وعلاقة الدين بالدولة، توالت تأكيداته على شمول الإسلام للدين والدولة كمنهاج شامل للحياة، وبرزت كتاباته التي تقدم العدالة الاجتماعية الإسلامية حلاً ينقذ جماهير الفقراء والبؤساء.
- كما تصاعدت نبرة نقده للسياسة الاستعمارية الغربية، مع صعود حركات التحرر الوطني في البلاد الإسلامية.
- ولكن ظل التغريب الحضاري ملحوظاً في عطائه الفكري، وخاصة في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» عام 1938م، الذي مثل «ذروة التغريب الحضاري» في مشروعه الفكري.
وشكلت هذه المرحلة، التي امتدت عقدين، «المخاض»؛ حيث تصاعد فيها الخط البياني، مفصحاً عن تزايد وتيرة الإياب إلى أحضان الإسلام، مع بقاء العديد من المتناقضات الفكرية، مثل الدعوة إلى الفرعونية الرافضة للعروبة، والتغريب الحضاري الذي يشكك في التجديد الإسلامي، كبديل للتماهي مع النموذج الغربي.
الانتصار للإسلام
أما المرحلة الرابعة والأخيرة (1952 - 1960م) فيعتبرها المؤلف «مرحلة الإياب والانتصار الحاسم للعروبة والإسلام»، وأهم ملامحها تتجسد في:
- تأكيد طه حسين على «حاكمية القرآن الكريم والنصوص الدينية على الدستور والقوانين»، وذلك عندما شارك في مداولات «لجنة الخمسين» التي تولت إعداد الدستور عام 1953م، بعد حركة الجيش في يوليو 1952م.
- انحيازه إلى العروبة التي صاغها الإسلام، بعيداً عن الفرعونية التي تبناها من قبل، وكتب عام 1959م يؤكد أن «اللغة العربية والدين الإسلامي ورسول هذا الدين صلى الله عليه وسلم هم أركان العروبة والقومية، وأن الإسلام هو المكون الحقيقي والأول لهذه القومية وهذه الوحدة بفروعها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية والقانونية، وأن القرآن هو قانون هذه القومية».
ويشير د. عمارة إلى الأهمية الكبيرة للرحلة التي قام بها طه حسين إلى الأراضي الحجازية في عام 1955م، وهي الرحلة الإيمانية التي هزته من الأعماق، ومثلت «قمة الإياب الروحي إلى أحضان الإسلام»، وميلاداً جديداً له بعد مخاض عسير.
زار طه حسين مكة المكرمة والمدينة المنورة، فأحدثت له انقلاباً فكرياً وإيمانياً وروحياً كاملاً، جاء تتويجاً لمرحلة الاضطراب في العشرين عاماً التي سبقتها، ومخاضاً للعودة الكلية من الانبهار بالغرب والحضارة الغربية، إلى الانتصار الواضح للإسلام.
ويذكر المؤلف أن جريدة «البلاد» السعودية سألت الأديب الكبير بعد أدائه العمرة عن إحساسه في هذا اللحظات، وعن الدعاء الذي دعا به في المسجد الحرام، فقال: «أوثر أن يترك الجواب على هذين السؤالين لما بيني وبين الله من حساب، وإنه لعسير، أرجو أن يجعل الله من عسره يسراً».
ويضيف لنفس الصحيفة: «إن أول ما شعرت به، وما زلت أشعر به إلى الآن، هو هذا الذي يجده الغريب حين يؤوب، بعد غيبة طويلة جداً، إلى موطن عقله وقلبه وروحه بمعنى عام».
وينقل د. عمارة ما قاله الشيخ الأديب أمين الخولي، رفيق رحلة طه حسين لأداء العمرة، من أن طه حسين حين استلم الحجر الأسود ظل يتنهد ويبكي، ويقبّله حتى وقفت مواكب المعتمرين، انتظاراً لأن يغادر الأديب الكبير المكفوف البصر مكانه، ولكنه أطال البكاء والتنهد والتقبيل، ونسي نفسه، فتركوه في مكانه، وأجهشوا معه في البكاء والتنهيد.
وعندما ألح عليه صاحب جريدة «المدينة» السعودية، بعد انتهاء العمرة والزيارة، قال طه حسين: إن ما شاهدته في المدينة من المآثر الخالدة ملك عليّ قلبي وعقلي، حتى أصبحت لا أجد سبيلاً للكلام الآن، ولا بد لي من زمن ومهلة لتعود نفسي إليّ، حتى أستطيع الكلام، وما كان لي أن أرفع صوتي في المدينة.
- وتشكل المراجعات الفكرية أيضاً أحد ملامح تلك المرحلة، ومنها كتابه «مرآة الإسلام» الذي صدر عام 1959م، وفيه كشف عن ألوان من إعجاز النظم القرآني، ورفض الغرور العقلاني، الذي طغى على فكره في مرحلة الانبهار بالغرب، وفيه أيضاً تجلت العلاقة الحميمة بين طه حسين والإسلام، على أساس العقل والنقل والوجدان.
ثم جاء كتابه «الشيخان» عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، الذي صدر في عام 1960م، وهو آخر ما كتب، ليحمل الكثير والكثير من مراجعاته الفكرية، وأعلن فيه أن الإسلام أقام «أمة» سياسية، مصدر السياسة فيها هو الإسلام، وأقام «دولة» قانونها هو القرآن الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، وأن «القضاء» كان سلطة مستقلة من سلطات هذه الدولة الإسلامية، قانونها القرآن والسُّنة والاجتهاد.
وبعد صدور كتابه «الشيخان» أكمل طه حسين حياته، التي جاوزت السبعين في تلك الفترة، قارئاً أكثر منه كاتباً، حتى توفي في يوم عيد الفطر (غرة شوال 1393هـ - 28/10/1973م).
دعوة للإنصاف
في مقدمة د. عمارة، التي آثرنا أن نختم بها هذا العرض، يدعو المفكر الكبير إلى إنصاف الأديب الكبير من أصدقائه، الذين تعصبوا لآرائه، وقدموا أنفسهم باعتبارهم تلاميذه الأوفياء، ثم وقفوا عند أفكاره التي مثلت انبهاره بالنموذج الحضاري الغربي، وسعيه لإلحاق العقل الشرقي بالعقل الغربي.
وأمثال هؤلاء التلاميذ يتغنون بما كتبه طه حسين في هذه المرحلة من عمره، وبخاصة كتابه «في الشعر الجاهلي» الذي مثَّل قمة مجازفاته الفكرية، وعدوانه على عدد من عقائد ومقدسات الإسلام، وكذلك كتابه «مستقبل الثقافة في مصر»، الذي مثَّل قمة محاولاته إلحاق الشرق الإسلامي بالنموذج الحضاري الغربي.
لكن هؤلاء المريدين يتجاهلون التغيرات التي طرأت على فكر الرجل وآرائه وإبداعاته، والتي باعدت بينه وبين أفكار هذا الانبهار.
والمثير، كما يقول المؤلف، أن خصوم الأديب الكبير وقفوا أيضاً منه نفس الموقف، عندما توقفوا عند أفكاره في تلك المرحلة، حتى أخرجوا الرجل من الملة بعد رحيله عن عالمنا.
ويهدف الكتاب إلى سحب البساط من تحت أسرى التغريب والعلمانية والغزو الفكري، وكذلك مطالبة الإسلاميين بالتزام المنهج العلمي في دراسة تاريخ الأفكار، فيستردون الرموز الفكرية، بدلاً من التفريط فيها.>