; قراءة في مشروع علي عزت بيجوفيتش الفكري(٢): الثقافة والحضارة | مجلة المجتمع

العنوان قراءة في مشروع علي عزت بيجوفيتش الفكري(٢): الثقافة والحضارة

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 11-ديسمبر-2010

مشاهدات 57

نشر في العدد 1930

نشر في الصفحة 46

السبت 11-ديسمبر-2010

 ● هناك حقيقتان ارتبطتا بظهور الإنسان.. الأداة الأولى التي استخدمها، والعبادة الأولى التي مارسها. 

● يعطي الرومان انطباعا بأنهم برابرة متحضرون.. فروما هي النموذج الحضارة قوية محرومة من الثقافة.

● الثقافة تهتم بعلاقة الإنسان بالسماء التي هبط منها.. أما الحضارة فهي التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة.

● الثقافة هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير المجتمع أو الإنسان على نفسه... بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي.

في أعماله الكاملة التي طبعت مؤخرًا في سراييفو، بمناسبة الذكرى السابعة لوفاته (١٩٢٥ - ٢٠٠٣م).

يشير المفكر الراحل علي عزت بيجوفيتش يرحمه الله إلى حقيقة مهمة، كمدخل لحديثه عن الثقافة وهي دور العوامل والظواهر الخارجية في التأثير على الإنسان، إلى درجة حرفت مساره التعبدي، فعبدها لذاتها، أو كواسطة أو رمز للمعبود، بينما هي في الحقيقة عبادة للظواهر الطاغية على عالم الإنسان. وفي الوقت نفسه يكشف عن أهمية العبادة، أو الهوية الجماعية والانتماء الذي نراه في الملاعب الرياضية والانتماءات السياسية وغيرها.

الأداة الأولى والعبادة الأولى هناك حقيقتان ارتبطتا بظهور الإنسان الأداة الأولى التي استخدمها. والعبادة الأولى التي مارسها، ولعل الأداة كانت عبارة عن قطعة من الخشب أو من الحجر مشكلة بطريقة غير مصقولة، لقد كانت صناعة الأدوات واستخدامها تمثل استمرارية للتطور البيولوجي، وهو تطور خارجي وكمي يمكن تتبعه من الأشكال البدائية للحياة.... ويمضي قائلا: إن الإنسان عندما استخدم لأول مرة حجرًا لكسر ثمرة جافة أو لضرب حيوان فقد فعل شيئًا مهما جدا، ولكنه ليس جديدًا كل الجدة؛ لأن آباءه الأوائل قد حاولوا فعل الشيء نفسه.

لكنه عندما وضع الحجر أمام عينيه ونظر إليه باعتباره رمزا لروح، فإنه بذلك قد قام بعمل أصبح السمة العامة التي لازمت الإنسان في العالم كله، وهو أمر جديد تمامًا في مجرى تطوره.

وكذلك عندما قام الإنسان لأول مرة برسم خط حول ظله على الرمال، فإنه بهذا العمل قد رسم أول صورة، ومن ثم بدأ نشاطًا متفردًا اختص به من دون سائر الكائنات. فمن البديهي أن أي حيوان غير قادر على فعل هذا بصرف النظر عن درجته في سلم التطور، حاضرا أو مستقبلًا».

بهذا قسم علي عزت بيجوفيتش حياة الإنسان بين الكسب المادي بما فيه من اكتشاف وإبداع، والكسب الروحي بما فيه من صفاء وتجرد وتوحيد.

● الإنسان من السماء:

إن الرحمة والحب والفداء، والتضحية والصدقة، والإكرام، والرأفة، وحب العدل وكراهية الظلم؛ صفات تخالف الطبيعة الحيوانية، إلا ما جبلت عليه داخل النوع الواحد، واستثناءات لا تكاد تذكر، لذلك يؤكد علي عزت بيجوفيتش أن الجوانب البيولوجية لظهور الانسان يمكن تفسيرها بالتاريخ السابق، أما الجوانب الروحية فلا يمكن استنتاجها أو تفسيرها بأي شيء وجد قبله، فالإنسان قد هبط من عالم آخر مختلف، حيث هبط من السماء.... كما يشير إلى أن العبادة والأداة يمثلان طبيعتين وتاريخين للإنسان: تاريخ هو دراما إنسانية، تبدأ من المرحلة التمهيدية لوجود الإنسان بالجنة، ثم تتطور خلال انتصار فكرة الحرية، وتنتهي بيوم الحساب في الآخرة وهي الوازع الأخلاقي للتاريخ. أما الثاني: فهو تاريخ الأشياء الذي ينتهي بالدخول في المجتمع الطبقي هذان التاريخان لهما العلاقة نفسها التي بين العبادة والأداة، وهي العلاقة نفسها بين الثقافة والحضارة.

● الحضارة والثقافة:

يضع علي عزت خطًا فاصلًا بين الثقافة والحضارة، هناك خلط غريب بين فكرة الثقافة وفكرة الحضارة.. «الثقافة» تبدأ بالتمهيد السماوي، بما اشتمل عليه من دين وفن وأخلاق، وفلسفة، وستظل الثقافة تعنى بعلاقة الإنسان بتلك السماء التي هبط منها، فكل شيء في إطار الثقافة إما تأكيد أو رفض أو شك أو تأمل في ذكريات ذلك الأصل السماوي للإنسان. أما «الحضارة» فهي استمرار للحياة الحيوانية ذات البعد الواحد التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة هذا الجانب من الحياة يختلف عن الحيوان فقط في الدرجة والمستوى والتنظيم. هنا لا نرى إنسانا مرتبكا في مشكلاته الدينية، وإنما هو عضو المجتمع الغفل، وظيفته أن يتعامل مع سلع الطبيعة، ويغير العالم بعمله وفقا لاحتياجاته...

ويضرب علي عزت بيجوفيتش عدة أمثلة لبيان ما تختلف فيه الثقافة عن الحضارة.. «الثقافة» هي تأثير الدين على الإنسان أو تأثير المجتمع أو الإنسان على نفسه بينما الحضارة هي تأثير الذكاء على الطبيعة أو العالم الخارجي، «الثقافة معناها الفن الذي يكون به الإنسان إنسانا أما الحضارة فتعني فن العمل وصناعة الأشياء صناعة دقيقة «الثقافة» هي الخلق المستمر للذات، أما الحضارة فهي التغيير المستمر للعالم.

ويحدد علي عزت بيجوفيتش عناصر الثقافة، أو مكوناتها، أو المؤثرات التي تصطبغ بها: الدين والعقائد والدراما والشعر والألعاب والفنون الشعبية والقصص الشعبية والأساطير والأخلاق، والجمال وعناصر الحياة السياسية والقانونية التي تؤكد قيم الشخصية، والحرية والتسامح والفلسفة والمسرح والمعارض والمتاحف والمكتبات.. يمثل هذا كله الخط المتصل للثقافة الإنسانية الذي بدأ مشهده الأول في السماء بين الله والإنسان.

وعندما يضرب علي عزت الأمثلة المتعددة، فإنه بذلك يكرس تعزيز حججه القوية حول آرائه مما يكشف عن مقدرة عجيبة على الإقناع الحضارة هي استمرار للتقدم التقني لا الروحي والتطور الدارويني استمرار للتقدم البيولوجي لا التقدم الإنساني. تمثل الحضارة تطور القوى الكامنة التي وجدت في آبائنا الأوائل الذين كانوا أقل درجة من مراحل التطور، إنها استمرار للعناصر الآلية، أي العناصر غير الواعية التي لا معنى لها في وجودنا... إن تأكيد علي عزت على أن الحضارة هي الجانب المادي في حياة الإنسان، لا يعني أنه يدعو لازدرائها، بل للفت النظر لأهمية الثقافة حتى لا تكون الحياة عرجاء.. ولذا فإن الحضارة ليست في ذاتها خيرًا ولا شراء وعلى الإنسان أن يبني الحضارة تماما كما أن عليه أن يتنفس ويأكل، إنها تعبير عن الضرورة وعن النقص في حريتنا، أما الثقافة فعلى العكس من ذلك، هي الشعور الأبدي بالاختيار والتعبير عن حرية الإنسان.

● الإنسان والمجتمع:

يرى علي عزت أن الحضارة في خلقها الدائم لضرورات جديدة وقدرتها على فرض الحاجة على من لا حاجة له، تعزز التبادل المادي بين الإنسان وبين الطبيعة، وتغري الإنسان بالحياة المظهرية، أما الثقافة وفقًا لطبيعتها الدينية، فتميل إلى التقليل من حاجيات الإنسان أو الحد من درجة إشباعها، وبهذه الطريقة توسع في آفاق الحرية الداخلية (الروحية) للإنسان. يقر علي عزت بأن ثنائية الثقافة والحضارة عرفتها حقب تاريخية بقطع النظر عن طبيعة الثقافة أو الدين الذي كان سائدا.. وهذا هو المعنى الحقيقي لأنواع من التنسك تفترض قلة النظافة كالتي نراها عند الرهبان كانوا يتقربون إلى الله بكثرة الأوساخ حتى كان يقال: فلان ناسك لم يلمس الماء بدنه منذ ٤٠ عاما)، أما الحضارة وهي محكومة بمنطق مضاد عليها أن ترفع شعارا مضادا، أطلق رغبات جديدة دائما وأبدا... وينقل عن تاسيروس قوله: «إن البرابرة كانوا يعاملون العبيد أفضل بكثير من الرومان.. فلا يثير عجبنا في الحضارة الرومانية الحروب والسطو، وقسوة الطبقات الحاكمة والجماهير الممسوخة والمكائد السياسية واضطهاد المخالفين وألعاب المصارعة حتى الموت، ولكننا نعجب كم بقي بعد هذا من ثقافة في هذه الحضارة.

● برابرة متحضرون:

ويقول: يعطي الرومان انطباعًا بأنهم برابرة متحضرون فروما هي النموذج الحضارة قوية محرومة من الثقافة والسلافيون القدامى يبدو أنهم كانوا على مستوى أرفع من الثقافة من الرومان، كذلك كان الهنود الحمر أكثر ثقافة من المستعمرين البيض. ويخلص للقول: يمثل عصر النهضة الأوروبية نموذجا لهذه الظاهرة، فتلك الفترة الثقافية كانت أكثر الفترات إثارة في التاريخ الإنساني، ومع ذلك تعتبر تدهورا من وجهة نظر الحضارة.

بيد أن علي عزت لم يكن واضحًا بما فيه الكفاية في ما إذا كانت الثقافة الدين جماعية في الدنيا، وفردية في الآخرة، وهو والإسلام تحديدا قيمة فردية أو مجتمعية والحقيقة أن الدين كما هو الإسلام، قيمة ما فات مفكرنا الكبير أو هكذا خيل إلينا حامل الثقافة هو الإنسان، وحامل الحضارة هو المجتمع.

ومعنى الثقافة القوة الذاتية التي تكتسب بالتنشئة، أما الحضارة فهي قوة على الطبيعة عن طريق العلم..

الرابط المختصر :