; قراءة للنتائج الأخرى للانتخابات الرئاسية في موريتانيا | مجلة المجتمع

العنوان قراءة للنتائج الأخرى للانتخابات الرئاسية في موريتانيا

الكاتب محمد سالم الصوفي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

مشاهدات 66

نشر في العدد 1279

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 09-ديسمبر-1997

الحملة الانتخابية في موريتانيا شارفت على نهايتها وبدأ العد التنازلي لعمليات الاقتراع المقررة يوم 12 من شهر ديسمبر الجاري، حيث يفترض أن يشارك أكثر من مليون مواطن موريتاني في ثاني انتخابات رئاسية منذ المصادقة بأغلبية ساحقة على دستور 20 يوليو سنة 1990م الذي أذن بانطلاق مسيرة التعددية الديمقراطية.

الانتخابات التي لن تحمل جديدًا سوى ضجيج أبواق المرشحين الذي لن يترك صدى بين الناخبين- سيشارك فيها خمسة مرشحين وهم فضلًا عن الرئيس الحالي معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، الدكتور محمد محمود ولد أماه وهو أستاذ جامعي وعمدة بلدية «نواكشوط الأسبق» ورغم مزاجه المرح وأسلوبه الساخر لم تتجاوز نسبته من الأصوات في الانتخابات الرئاسية الأولى سنة 1992م سوى 1.45% كما أخفق في الانتخابات التريعية الماضية في أكتوبر 1996م.

المرشح الثالث مولاي الحسن ولد الجيد شاب طموح يتزعم حزبًا صغيرًا- حزب التجديد- وقد أخفق هو الآخر في الحصول على مقعد برلماني في الانتخابات التشريعية الماضية.

والمرشح الرابع محمد الأمين الشبيه ولد الشيخ ماء العينين، كان قد أسس حزبًا مؤخرًا بعد خروجه من حزب «التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة» الذي مثله في الحكومة حيث تولى حقيبة وزارة التنمية الريفية حتى نهاية السنة المنصرمة.

والمرشح الخامس «كان أحدو مختار» لم يكن له حضور يذكر في المحافل السياسية- مما جعل بعض المراقبين يتوقعون أن يكون لترشحه دوافع وعلاقات بالجانب «الإخراجي» أو التلميعي لعملية الانتخابات خصوصًا أنه أول مرشح زنجي يشارك في الرئاسيات وقد تميز خطابه الدعاتي بطابع إسلامي وقيمي جيد رغم كل ذلك.

وفي العادة فإن هذه المرحلة من مراحل الحملة الانتخابية التي لم يبق منها سوى يومين تكون حركة المرشحين دؤوبة ونشاطهم مكثفًا إلا أن خصوصية هذه الانتخابات لكون نتيجتها محسومة مسبقة للرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع جعلت الجميع ينتظرون وضوح الارتياب الوحيد الباقي المتعلق بحجم هذا الفوز وحجم المشاركة الشعبية في الانتخابات وهما أمران يحملان دلالات مهمة في تقييم المسيرة الديمقراطية في موريتانيا، باعتبار أن ولد الطايع كان قد خسر ثلاث الأصوات في انتخابات يناير 92 حيث نجح بنسبة 63% وتقدم عليه منافسة الرئيسي حينها أحمد ولد داداه في أبرز المدن الكبرى مثل نواكشوط وانوذيبو ورصو وإن كان العديد من المراقبين أرجعوا ذلك إلى النقمة الشعبية العارمة ضد المتاعب الاقتصادية وسوء الأحوال العامة.

هذه النسبة رغم ذلك ورغم ما رافقها من تجاوزات منحت المعارضة شيئًا من التفاؤل بمستقبل المسيرة الديمقراطية وظل هذا التفاؤل في حالات مد وجزر ينمو أحيانًا فيشارك الناخبون في المواسم الانتخابية ويهبط أحيانًا أخرى فيقاطعونها، وهكذا اتسمت العلاقة بهذا النمط طوال السنوات السبع الماضية، ومن هنا فإن القضية الثانية المنتظرة من هذه الانتخابات هي معاينة مستوى الإسهام والمشاركة عند صناديق الاقتراع والتي ستمثل علامات مهمة من أوجه عديدة من أهمها تقييم رهان المعارضة في حملتها المضادة الداعية لمقاطعة الاقتراع، وهذا الرهان سيحدد بالتالي مصداقيتها في تقديم نفسها كبديل للنظام القائم وخصوصًا أحزاب المعارضة الرئيسية التي شكلت جبهة متحالفة وكانت قد ربطت مشاركتها في الانتخابات الرئاسية بتحقيق عدد من المطالب منها توفير الحد الأدنى من الشفافية وفتح حوار وطني حول الديمقراطية والأزمات، وإنجاز حالة مدنية مبنية على أساس إحصاء دقيق، ومراجعة القوانين التي تنظم الانتخابات وتقديم ضمانات بحياد الإدارة وفتح الإعلام الرسمي أمام الأحزاب المتنافسة بالتساوي.

وللسلطة من هذه المطالب مواقف وردود كلها تصب في اتجاه الرفض القاطع، لكن الأهمية الحقيقة لهذه المطالب تكمن في كونها تكاد تكون القاسم المشترك الوحيد بين أطراف المعارضة المتباعدة في التوجهات الفكرية والمتباينة في البرامج السياسية، ومع ذلك فالساحة السياسية تزدحم بصيغ وتشكيلات تترجم طموح الأطراف السياسية لإيجاد أرضيات مشتركة، وفي مقدمة تلك التشكيلات جبهة الأحزاب الخمسة والتي تتشكل من:

- حزب «الاتحاد القومي الديمقراطي- عهد جديد» بزعامة أحمد ولد داداه شقيق الرئيس الأسبق المختار ولد داداه.

- حزب «العمل من أجل التغيير» بقيادة الوزير السابق مسعود ولد بلخير والذي يضم فئات اجتماعية وقومية محددة.

- حزب «الطليعة الوطنية» وهو حزب بعثي.

- حزب «التحالف الشعبي» ويتشكل أساسًا من الناصريين وكان زعيمه في المعتقل- محمد الحافظ ولد إسماعيل على مدى شهور خلال السنة الماضية.

- حزب «الاتحاد من أجل الديمقراطية والوحدة» بزعامة وزير الدفاع الأسبق «محمذن» ولد باباه وهو من الشخصيات السياسية المرموقة والمعتدلة على المستوى الوطني.

وفي سياق التشكيلات السياسية كان قد تم الإعلان في شهر أغسطس الماضي عن تشكيل تحالف سياسي يسمى «التحالف من أجل الديمقراطية» ضم وزراء سابقين وزعامات قبلية تنتمي كلها إلى الولايت الشرقية من موريتانيا ذات الكثافة السكانية العالية ورغم أن جميع المشاركين في هذا التحالف أعضاء الحزب الجمهوري الحاكم، فإنه كان تعبيرًا عن استياء عام تم الإعلان عنه قبيل الانتخابات الرئاسية كوسيلة ضغط لكسب مواقع سياسية أفضل في إطار الحزب والنظام.

ويندرج في إطار التشكيلات السياسية والاستياء، الاستقالات الجماعية التي قام بها موظفون كبار مؤخرًا من بينهم أساتذة ومدراء ووزعوا في حينها بيانًا قالوا فيه إن خطوتهم جاءت كردة فعل على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية واحتكار الثروة في أيدي ثلة قليلة من الناس، والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل تشكل هذه المظاهر والتحالفات عائقًا كبيرًا أمام الحزب الجمهوري الديمقراطي والاجتماعي الحاكم في سبيل إخراج هذه الانتخابات وتجبيرها لتكون حلقة ناجحة من حلقات المسلسل الديمقراطي؟

كثير من المراقبين لا يعتقدون أن ذلك سيكون متعذرًا بالنظر إلى أن الحزب الحاكم يتمتع بنسبة تفوق 95% من عموم المجالس المنتخبة في البلاد كالجمعية الوطنية «البرلمان» ومجلس الشيوخ والمجالس البلدية فضلًا عن دوائر أخرى تمثل ظهيرًا قويًا للحزب كالزعامات القبلية والإدارة والمؤسسة العسكرية.

ولا يعني كل هذا أن المرشحين الأربعة سيخرجون بخفي حنين حيث من المؤكد أن نتيجية واحدة على الأقل سيحققونها وهي أن أسماءهم وربما وجوههم ستصبح مألوفة لدى قطاع واسع من الشعب الموريتاني، كما أن الجمهور الانتخابي سيستفيد هو الآخر من الجانب «الفولكلوري» والاستعراضي للحملة والذي ينتظره الكثيرون كل ست سنوات وهو مناسبة جيدة للعديد من السياسيين ليمارسوا هواياتهم المفضلة في الخطابة وقطع الوعود والاستماع مطولًا إلى التصفيق الحار وترديد هتافات الإشادة والتأييد والتمجيد.

الرابط المختصر :