; قراءة مختلفة لنتائج الانتخابات البرلمانية الأردنية | مجلة المجتمع

العنوان قراءة مختلفة لنتائج الانتخابات البرلمانية الأردنية

الكاتب عزام التميمي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

مشاهدات 77

نشر في العدد 1078

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 07-ديسمبر-1993

لم تأت نتائج الانتخابات البرلمانية في الأردن مخالفة للتوقعات التي أجمعت على تدني حصة الإسلاميين من مقاعد البرلمان الثمانين وعلى حصول من يسمون بالمعتدلين «أي الموالين لسياسات الحكم أيًّا كانت» بالنصيب الأكبر من هذه المقاعد، إلا أن الذي يختلف فيه المراقبون هو تحليل هذه النتائج واستخلاص العبر منها، خاصة وأن الانتخابات جاءت في ظل ظروف جديدة وغير عادية بسبب انخراط المنطقة بأكملها في مشروع «السلام»، والأهم من ذلك بسبب الاتفاق الذي توصل إليه الفلسطينيون بشكل مباشر ومغاير للتوقعات مع الإسرائيليين وتبلور في صيغة غزة- أريحا أولًا.

تصب التحليلات الإعلامية بشكل خاص وهي تحليلات تنزع إلى الإثارة وتتصف بالانحياز، في اتجاه القول بأن الإسلاميين فقدوا شعبيتهم، إما بسبب معارضتهم للعملية السلمية التي يدعى أن معظم الأردنيين يريدونها، أو بسبب فشلهم في تحقيق الشعارات البراقة التي رفعوها خلال الحملات الانتخابية في عام 1989م وفي هذا العام، أو بسبب اجتماع العاملين معًا.

وعلى الرغم من أنه من غير المستبعد أن يكون أحد هذين السببين أو كلاهما قد بدل القناعة التي كانت لدى قطاعات معينة من الناس، إلا أن هذه القطاعات محدودة جدًا، والسببان المشار إليهما تعرضا للتضخيم والتهويل دون استناد إلى دراسة عملية أو تحليل واقعي للنتائج وأسبابها، والدليل على ذلك يمكن استخلاصه من النتائج ذاتها.

فالإسلاميون الذين حصلوا عبر جبهة العمل الإسلامي على 16 مقعدًا وعلى ما لا يقل عن عشرة مقاعد متفرقة عبر من يسمون بالإسلاميين المستقلين، «وبعضهم ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين أو يتعاطف معها»، حافظوا على مكتسباتهم في المناطق ذات الطابع غير العشائري مثل: عمان العاصمة والزرقاء وإربد وخسروا المقاعد التي نافسوا عليها في المواقع العشائرية مثل: مأدبا والسلط والكرك ومعان، بل وحصل معظم الفائزين من مرشحيهم على أعلى نسبة من الأصوات في الأماكن التي ترشحوا وفازوا فيها.

وفي محاولة لنقض التحليل الإعلامي السائد، وغير العلمي حسبما أرى، فإنني سأطرح فيما يلي تحليلًا مختلفًا أثبت من خلاله أن النتائج لا تثبت بأي شكل من الأشكال تدني شعبية الإسلاميين، وأنها لا تعتبر من قريب أو من بعيد مقياسًا للرأي العام الأردني أو الفلسطيني وموقفه من عملية السلام أو من أداء الإسلاميين خلال الدورة البرلمانية السابقة.

أولًا- أثر تعديل قانون الانتخاب على النتائج:

 لا يعني انتقاد التعديل الذي أدخلته حكومة عبد السلام المجالي على قانون الانتخاب أن القانون في صيغته السابقة كان تامًا لا يعتريه نقص، بل من الإنصاف القول بأن القانون كان قد صمم أصلًا ليخدم مصلحة الدولة في إيصال نماذج معينة من النواب إلى مجلس الأمة، ولم يكن القانون قائمًا على أسس علمية مدروسة، بل كان مزيجًا مريحًا لفترة طويلة وكانت اتجاهات السياسة المعارضة تبدي تحفظاتها عليه وتطالب بتعديله وتطويره ليناسب تطور المجتمع ويلبي احتياجاته المستجدة، إلا أن المشكلة نجمت عن رغبة الحكومة بتعديل القانون في الوقت الذي أرادته هي وبالأسلوب الذي اختارته ليخدم حاجة في نفسها، والأدهى والأمر من ذلك أن التعديل أعد وأقر ونفذ في فترة حل البرلمان لشعور الحكومة بأن البرلمان ما كان ليوافق على مثل هذا التعديل الجزئي المقصود والموجه ضد فئة معينة من المعارضة السياسية.

كانت المملكة ولا زالت مقسمة إلى دوائر انتخابية، وتحدد الدولة عدد المقاعد الممثلة داخل البرلمان لكل دائرة من هذه الدوائر بغض النظر عن كثافتها السكانية، ومن الثغرات التي كانت ولا زالت موجودة في هذا القانون أن بعض المقاعد تمثل مئات الآلاف من المواطنين بينما لا تمثل مقاعد أخرى سوى آلاف قليلة، إلا أن كافة المسجلين في دائرة من الدوائر كانوا بموجب القانون غير المعدل يشاركون في انتخاب المرشحين لكافة المقاعد، إن مقاعد أي دائرة من الدوائر كانت تمثل كافة الدائرة، وبعض هذه الدوائر مثل بثمانية مقاعد، بينما مثل بعضها بثلاثة فقط، وفي الحالة الأولى كان الناخب يعطي صوته لثمانية مرشحين وفي الحالة الثانية لثلاثة مرشحين، مما فتح المجال أمام إبرام التحالفات السياسية، والاتفاقات العشائرية، وأبرع من أجاد في ذلك هم الإخوان المسلمون الذين تمكنوا على الأقل في دائرتين مهمتين من إنجاح المرشح المسيحي الذي وافق على التحالف معهم.

وإزاء الشعبية المتزايدة للتيار الإسلامي وفي مواجهة القدرات التنظيمية البارعة التي يتمتع بها الإسلاميون بحث الطرف الثاني عن ثغرة في القانون يتمكن بواسطتها من إضعاف قدرة الإسلاميين على تحقيق نجاح كبير، ونظرًا للطبيعة العشائرية للقطر الأردني، وباعتبار ما للدولة من نفوذ سياسي ومعنوي وأمني على العشائر بشكل خاص، فقد ادعت أن التصويت بموجب القانون السابق لم يكن عادلًا، فأدخلت التعديل المذكور الذي قصر حق الناخب على التصويت لمرشح واحد داخل الدائرة، كما لو أن النواب الآخرين لم يكونوا ممثلين لنفس هذه الدائرة التي من المفروض أن يمثل نوابها كل واحد من مواطنيها، وإذا كان المواطن لا يستطيع إلا انتخاب مرشح واحد من ثمانية مثلًا، ففي المناطق العشائرية لا مفر من إعطاء الصوت للقريب عشائريًا بغض النظر عن برنامجه أو توجهه أو حتى ثقافته؛ وذلك انطلاقًا من الحمية العشائرية المعروفة.

ولقد كان لتعديل قانون الانتخاب أثر سلبي آخر خسر الإسلاميون بسببه ما لا يقل عن أربعة مقاعد جراء اقتسام مرشحيها أصوات المؤيدين للتيار الإسلامي، فقد أدى التعديل إلى اختلاط الأمر على الناخبين والمرشحين على حد سواء، وعلى الرغم من أن جبهة العمل الإسلامي على سبيل المثال نصحت بعض المنتمين إلى التيار الإسلامي بعدم خوض الانتخابات حتى تتحسن فرص النجاح أمام المرشحين الرسميين للجبهة، إلا أن إصرار هؤلاء على ترشيح أنفسهم تسبب في سقوطهم وسقوط مرشحي الجبهة ومن أمثلة ذلك ما حدث من سقوط مرشح الجبهة الرئيس السابق للبرلمان الدكتور عبد اللطيف عربيات أمام إصرار إبراهيم مسعود على ترشيح نفسه في الدائرة نفسها، وكذلك سقوط مرشح الجبهة نمر العساف أمام إصرار الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس على ترشيح نفسه رغم عدم رغبة الجبهة في ترشيحه.

ثانيًا- تدخل وسائل الإعلام لصالح المعتدلين:

 أيضًا قامت وسائل الإعلام بالدعاية لصالح المعتدلين ضد الإسلاميين بحجة أنهم بمعارضتهم عملية السلام سيعرضون البلاد لشر مستطير، وبحجة أن هؤلاء إنما هم رافعو شعارات براقة لا يملكون القدرة على الوفاء بها، وذلك على الرغم من أنه لم يوفق كل من ادعى تقلص شعبية الإسلاميين بسبب فشلهم في تحقيق وعودهم أو إنفاذ شعاراتهم في تقديم دليل علمي على زعمه، فالإسلاميون لم يسمح لهم إطلاقًا بتطبيق برامجهم، وحتى الآن لم تقدم دراسة علمية واحدة لتقييم أداء وإنجازات الإسلاميين خلال الفترة القصيرة التي اشتركوا فيها في الحكم عبر خمس حقائب وزارية هي: التعليم والأوقاف والشؤون الاجتماعية والصحة والعدل، بل لم يشهد الأردن في تاريخه حملات إعلامية مكثفة وموجهة ضد وزراء في الحكومة كما شهدت تلك الفترة، وكما تعرض له وزراء الإسلاميون بهدف محاربة محاولاتهم رغم القيود والضغوط لإصلاح أوضاع مهترئة وبث روح من الديناميكية في بيروقراطية تراكمت عبر أجيال من الحكومات السابقة.

وقد جندت أجهزة الإعلام لذلك، بينما حرم الإسلاميون في المقابل وحتى الأيام القليلة التي سبقت الاقتراع من إقامة المهرجانات الخطابية التي تعتبر وسيلتهم الإعلامية الوحيدة للوصول إلى الناخب، ثم كثفت الحملة على الإسلاميين بإصدار أمر بنقل كافة الموظفين الذين اشتبه بتأييدهم لمرشحي الإسلاميين إلى مناطق عمل بعيدة عن مراكز تواجدهم الاعتيادية حتى لا يشاركوا في الحملات الانتخابية، ورغم احتجاج جبهة العمل الإسلامي على ذلك إلا أن السلطات لم تتراجع عن قرارها.

ثالثًا- إثارة النعرة الإقليمية من جديد:

 لقد لعبت الأوساط السياسية المؤيدة لمنظمة التحرير دورًا مهمًا منذ إبرام اتفاقية غزة- أريحا أولًا في إثارة النعرة الإقليمية المزيفة؛ وذلك بتكثيف الحديث عن نوعين من الأردنيين، نوع من أصل فلسطيني ونوع أردني قح، وكم تناقلت وسائل الإعلام تصريحات لأشخاص غير مسؤولين، يروجون لهذه الفكرة خدمة لمنظمة التحرير، وإثارة للعصبية التي وجدت مجالًا مناسبًا لتعبر عن نفسها من جديد في الانتخابات البرلمانية الأردنية، وقد أسهمت هذه الحملة المشبوهة في إقناع كثير من الأردنيين الذين لا يعتبرون أنفسهم فلسطينيين في تغليب الجانب الشرق أردني أثناء التصويت، كما أسهمت في إيهام بعض الأردنيين الذين يعتبرون أنفسهم فلسطينيين في أن مصلحتهم تقتضي الالتفاف حول من ينتمون إلى معسكرهم بغض النظر عن هوياتهم الفكرية أو توجهاتهم السياسية، وقد أثر ذلك سلبًا ولو بقدر ضئيل على مرشحي التيارات الإسلامية؛ لأنهم الوحيدون –تقريبًا– الذين يرفضون الطائفية والإقليمية، ويعتبرون الشعب وحدة واحدة سواء كان مولده أو مولد أصوله غربي النهر أو شرقيه، وهم الوحيدون الذين يصرون على أن إثارة النعرة إنما يقصد منها النيل من وحدة الشعب وقوته، وخاصة أن كبرى عشائر الأردن وهي عشيرة المجالي التي ينتمي إليها رئيس الوزراء عبد السلام المجالي وكذلك أخوه عبد الهادي الذي أسس حزب العهد الذي يدعو إلى الأردنة «العنصرية الأردنية»، إنما هي أصلًا من مدينة الخليل، ومن آل تميم بدليل انضمام المجالية إلى ديوان آل تميم في عمان، وهذه كلها حقائق يغفلها الداعون إلى العصبية المزيفة وعلى الرغم من تأثير هذه النعرة على العوام، إلا أنها لا تعتبر في نظري في أهمية العاملين الذين سبقاها من حيث التأثير على نتائج الانتخابات إن أهم ما أغفله الذين تناولوا نتائج الانتخابات الأردنية بالتحليل هو أن الشروط التي أجريت بموجبها الانتخابات هذه المرة تختلف بشكل كبير عن تلك التي كانت معتمدة أثناء انتخابات عام 1989؛ ولذلك لا يصح إطلاقًا استنتاج دلالة نتائج الانتخابات الأخيرة على تقلص أو تزايد شعبية تيار من التيارات، فمثل هذا الاستنتاج يستدعي كما هو حال البحث العلمي الحفاظ على نفس الشروط والالتزام بنفس الإجراءات وبالنظر إلى الشروط والإجراءات غير المحايدة التي استجدت أثناء الحملة الانتخابية يمكن القول إن ما حصده الإسلاميون من مقاعد يعتبر بحق دليلًا على تمتعهم بشعبية كبيرة وبنفوذ لا يستهان به وخاصة أن أصحاب التيارات السياسية الأخرى كلها منيت بخسارة كبيرة بينما ظل الإسلاميون أكبر كتلة سياسية معارضة داخل المجلس.

 

الرابط المختصر :