العنوان قراءة نقدية في ديوان (من أوراق العمر)
الكاتب زهير العيسى
تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996
مشاهدات 99
نشر في العدد 1195
نشر في الصفحة 55
الثلاثاء 09-أبريل-1996
للشاعر اليمني عبد الغني المقرمي
إذا كانت عملية نشر الإبداعات الأدبية هي إحدى مهمات حركة الأدب الإسلامي، فإن (النقد) – كذلك - هو المهمة المقابلة لعملية النشر، استعراضًا وبيانًا لمواطن الجمال والإبداع.
وتنبيها لمواقع الزلل والقصور.. فبدون (النقد) تصير عملية (النشر) مفتقدة للبوصلة الهادية أو الفنار المرشد، وتكون أشبه ما تكون ببركة مياه ركدت حركتها تنتظر من يلقي بأحجار (النقد) فيها فتتولد دوامات - صغيرة أو كبيرة. تنبض بالحركة- الحياة المثيرة للتأمل والمتابعة.
وفي الآونة الأخيرة، صدر في اليمن ديوان شعري هو الأول في مسيرة الشاعر الإسلامي الشاب «عبد الغني المقرمي»، يضم (٣٦) مقطوعةً شعريةً، قدم لها الباحث اليمني الكبير (عبد الرحمن بعكر).
مأساة قلم
ويبدو أن الأديب الكبير (مصطفى صادق الرافعي) له تأثير روحي حقيقي على صاحب الديوان الشاب، وقد اتضح ذلك في الإهداء الخاص الذي خص الشاعر به ديوانه الأول: (إلى أديب الأمة المسلمة مصطفي صادق الرافعي).
ويبدو - ثانية - في القصيدة الأولى في الديوان (مأساة القلم) التي جاءت في ذكرى رحيل الرافعي ...
ويبدو التأثير - أخيرًا - في تلك الروح المحزونة التي تغلب على الديوان، وتطبعه بظلال خاصة تتجاوز الأسى بشأن هموم الأمة إلى خصوصيات الشاعر نفسه ...
ولولا أن ديوان (أوراق العمر) هو باكورة الشاعر (المقرمي)، لكان للمرء أن يتمنى لو أنه جعل مأساة (الرافعي) محور الديوان كله، مع تنويع مظاهر المأساة التي هي مأساة أمة.. ومأساة إنسان.. ومأساة مجتمع...
ومع ذلك، فقد غلبت روح المأساة بظلالها على الديوان كله، حتى كاد الشعور بالإحباط والأسى يغلف قصائد أوراق العمر باستثناء ومضات الانتعاش التي تظهر عند تناول (ثورة الحجارة) في أرض الإسراء والمعراج!
وثمة جانب مهم ينبغي الإشارة إليه قبل الولوج في (أوراق العمر).. فقد جاءت قصائد الديوان رغم أنه الباكورة تنبئ عن ميلاد شاعر حقيقي، يمتلك قدرًا متميزًا من الثراء اللفظي، والتعبيرات الموحية القادرة على تصوير مشاعره باستخدام اللفظة الرشيقة والصورة المعبرة التي تعكس ما يريد الشاعر قوله بالحركة والكلمة معًا.
أوراق العمر
في مقدمة الباحث اليمني الكبير (عبد الرحمن بعكر)، لفتة موفقة عن تغلب نفسية (ابن الستين) على الشاعر الذي لما يتجاوز الثلاثين.. ويبدو ذلك واضحًا في أوراق العمر كما سنرى...
وبصورة عامة، تتوزع قصائد الديوان في سبعة مواضيع، يدور حولها إبداع الشاعر، يربطها تصور إسلامي واضح للمعاني والأفكار.. مع تنوع مقتدر في الشكل الفني للقصيدة من الشعر المقفى إلى شعر التفعيلة إلى المقطوعة
القصيرة.
وفي قصيدة (مأساة القلم) التي يستلهم الشاعر فيها مأساة الرافعي:
كيف لا تكتب شعرًا؟
قلت: قد جف القلم
جف إلا من صدى القهر ومن وجع الندم
جف إلا من خرير الصمت في قعر العدم
قد تبدو مسحة الحزن واليأس غريبة في الشعر الإسلامي المعاصر، الذي حمل لواء إحياء الأمل في استعادة مجد الأمة.. ولكن الشاعر (المقرمي) يرى بواعث الأمل موجودة في ساحة أخرى هناك حيث:
يا حجار القدس ثوري واعصفي
فجري فينا براكين الغضب
واسحقي الطغيان ما أنت سوى
صفعة الإيمان في وجه الكذب
وفي مقطوعة أخرى، يبدو الشاعر قد نسى بأسه وأساه فيهتف مخاطبًا أطفال الحجارة:
يا طفلًا ينقش في هام الأيام لأمته ذكرًا
علمنا .. كيف يحوك الناس لليل مهانتهم فجرًا
علمنا .. كيف يشيد المؤمن من دمها الطاهر جسرًا
علمنا .. كيف يصير البلبل في طرفة عين صقرًا
واهتف للعالم أجمعه هذا التاريخ.. فمن يقرا؟
قصة الإنسان
وفي قصيدة متميزة، بسط الشاعر قصة الإنسان منذ كان ترابًا حتى يعود إليه.. وهي تجربة مليئة بالنظرات والتأملات التي تتناسب مع أطوار الإنسان الثلاثة:
الطفولة - الشباب - الشيخوخة.. وهذا جزء من تأملاته في حياة الإنسان – الطفل:
أتى طفلًا إلى الدنيا بريئًا
يرى الدنيا بعين الطفل طفلا
وكل الكون في عينيه بيتًا
وكل الناس من حوليه أهلا
فألفى العيش ذا طعم لذيذ
كطعم الشهد بل ألفاه أحلى
وتلك الشمس عالية ولكن
له شمس من الآمال أعلى
فأضحي بلبلًا للكون يشدو
بما الرحمن في أذنيه أملى
إلى أن غازل الدنيا فبانت
على أغصانه زهر الشباب
مأساة أمة!
وكأي شاعر مسلم، تحتل مأساة الأمة جانبًا مهمًا من إبداعه: بكاءً ونحيبًا.. أو تشخيصًا للمرض أو هداية إلى طريق الانبعاث...
أطلقتُ صرخة مكلومة الإيقاع توشك من
ضراوتها تقاتل
ونحرت كل الأبجديات التي ترمي إلى نحر
الضمائر في المحافل
أو كلما صحنا: نموت على الهدى عاد
الصدى: نحيا على دخن وباطل
حتى متى نلهو وحول رقابنا تلهو الخناجر
والمشانق والسلاسل
شيء من الغزل!
والآن حان وقت التطرق إلى غزليات الشاعر الشاب المليئة بالعفة والسمو؛ حتى لكأن زمن الشعر العذري قد عاد بكل طهره وعنفوانه.. وهو أمر ربما يطرح أسئلة على المدى الذي يمكن أن يذهب إليه شاعر مسلم في التعبير عن عواطفه وأحاسيسه:
هواك شعلة في النفس في الإحساس في الفكر
وظل من عفاف الحب والإخلاص والطهر
هواك نغمة الأطيار في إشراقة الفجر
هواك الجدول الرقراق في صدر الربا يجري
ربيع خالد قد فاح بالأنسام والعطر
وبعد..
فإن الشاعر كان يمكن له أن يجعل من باكورة إبداعه أكثر متعةً لو أنه اختار لكل نوع من تجاربه الشعرية نموذجًا أو نموذجين فقط.. ويزيد من القصائد الأخرى التي تتنوع تجاربها لكي تغني الديوان بآفاقها..
ولأن هذا هو الديوان الأول للشاعر.. فإن الهنات الموجودة لا تشكل شيئًا في ضوء حقيقة أن الديوان يعني ميلاد شاعر مطبوع يتوقع كثيرون أن يكون له شأن في مستقبل الأيام.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل