العنوان قرغيزستان ... صورة من بعيد لكن تهمنا
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2012
مشاهدات 51
نشر في العدد 2025
نشر في الصفحة 15
السبت 27-أكتوبر-2012
قرغيزستان
هي إحدى جمهوريات أسيا الوسطى الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي بعد انفكاكه،
وهي واحدة من ساحات الصراع الأمريكي الروسي من جانب ونموذج لهيمنة الحاكم الفرد
وفساده حاكما بعد آخر من طرف آخر.
بعد
استقلالها ظل النفوذ الروسي حاضرًا عبر منظومة من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية
التي فرشها الاتحاد السوفييتي السابق على دوله جميعًا كواحدة من أدوات فرض
الهيمنة، وبعد السقوط ورثت روسيا ذلك النفوذ وتحاول الإبقاء عليه بشتى الطرق.
وقد
فتحت روسيا أراضيها على مصراعيها للباحثين عن فرص عمل من الشعب القرغيزي (٥ ملايين نسمة)، وأصبح خُمس الشعب (من ٦٠٠ ألف - مليون شخص) يعمل في روسيا ويدر دخلًا على بلادهم يصل إلى قرابة ملياري
دولار سنويًّا، وهو مبلغ يصل إلى أكثر من خمسة أضعاف ميزانية الدولة (
٣٥٠ مليون دولار)!! كما أن ٦٠% من الدخل القومي لها يتحقق من تصدير الكهرباء لروسيا والدول
المجاورة «طاجيكستان -أوزبكستان» بواسطة محطاتها الكهربائية التي تعمل بقوة مياه الجداول التي ينساب ماؤها من
قمم الجبال بقوة ۸۰% من مساحتها عبارة عن جبال ينساب منها 3 آلاف جدول مياه تستخدم في توليد كهرباء.
أمام
تلك المصالح الاقتصادية والروابط الاجتماعية المتشابكة مع روسيا، كان اتجاه الولايات المتحدة لذلك البلد مدروسًا
دراسة جيدة، اكتشفت من خلالها أن تلك العلاقات الاقتصادية مع روسيا لم تف بحاجة
الشعب الذي بات في حاجة ماسَّة لمزيد من المساعدات، واكتشفت أمريكا ميزة في الشعب
القرغيزي، وهي قابليته للديمقراطية بسبب طبيعته المنبسطة، فربطت مساعداتها بما
تسميه «نشر ثقافة الديمقراطية»، واتجه العديد من المؤسسات الفكرية والتعليمية ومن أهمها
الجامعة الأمريكية إلى هناك، حيث تحولت إلى قلعة ثقافية تعليمية في وسط أسيا
بأسرها وركزت رسالتها على إعداد وتعليم كوادر وطنية حكومية على أعلى مستوى، ولكن
وفق الثقافة الأمريكية.. وفي الوقت نفسه فقد انهالت المنح الأمريكية لاستضافة قيادات
سياسية وفكرية في دورات سياسية وثقافية في الولايات المتحدة؛ بهدف التدريب على نشر
الديمقراطية، ولك أن تتصور أن ۱۰% فقط من الدعم الأمريكي موجه للخزانة، بينما 90% موجه للغزو الثقافي «المنح والدورات»، وبالتالي بات العقل الأمريكي موجودًا بقوة في جزء كبير من
إدارة الدولة، ولكن بأسماء وطنية!.
وأصبح
تجمع منظمات المجتمع المدني الأمريكية في قرغيزستان من أهم التجمعات في آسيا
الوسطى، وهو ما أفضى في النهاية إلى سيطرة أمريكية ناعمة على البلاد، مكنت
للولايات المتحدة من قلب نظام حكم الرئيس «أكاييف» بسهولة ذلك الرجل الذي فتح الباب على مصراعيه للولايات
المتحدة لتتحرك عبر منظماتها بذريعة نشر الديمقراطية، وقد سهل مهمة الانقلاب وجعل
له قبولًا شعبيا فساد الرئيس وعائلته على امتداد ستة عشر عامًا من حكمه (۱۹۹۰ - 2005م)، وقد رتبت الولايات المتحدة الأمور لنجاح تلك الثورة
بقيادة «باكي» حيث وصل إلى البلاد مسؤولون أمريكيون وحذورا في اجتماع مع جميع القيادات
الأمنية من إراقة قطرة دماء واحدة إذا تفجرت ثورة، وإلا فإن مصيرهم سيكون مثلما
جرى لـ «سلوبودان ميلوسوفيتش» دكتاتور يوغسلافيا السابق، وبالفعل قامت ثورة عام 2005م ونجحت في إزاحة «أكاييف» والمجيء بالرئيس «باكي».
وقد تسم
عهد الرئيس «باكي» بنهضة اقتصادية وعمرانية وحرية واسعة كثمرة من ثمار التعاون الأمريكي في هذا
المجال.
وفي عام ۲۰۰۸م حاول الضحك على القطبين المتصارعين «روسيا وأمريكا» على إحكام النفوذ على بلاده، لكنه فشل، ووجد نفسه بين شقي رحى لا ترحم، فقد زار موسكو، وهناك تم الاتفاق على أن تقدم موسكو منحة مالية كبيرة لتقوية محطات توليد الكهرباء القرغيزية في مقابل أن يعلن الرئيس عقب عودته إعادة النظر في وجود قاعدة «مناس» الأمريكية على أرض بلاده، وعندما عاد إلى بلاده أنشأ صندوقًا للاستثمار، وعين ابنه رئيسًا له، وقد لاحظت روسيا ذلك وأدركت أنه ينوي العبث بأموال منحتها لدعم المحطات الكهربائية وتحويلها إلى حسابه الخاص، وفي الوقت نفسه عندما أخبر الأمريكيين بإعادة النظر في وجود قاعدتهم وعدوه برفع إيجارها من 3 ملايين دولار إلى ٦ ملايين، وحتى لا يتعرض لحرج مع روسيا وينقض اتفاقه قرروا تحويل اسم القاعدة من قاعدة «مناس الجوية» إلى محطة الدعم اللوجستي العالمية لمكافحة الإرهاب، هنا علمت روسيا أن الرجل تلاعب بها ، فحركت المعارضة التي حققت ثورة ناجحة هرب على أثرها إلى دولة «بيلا روسيا» المجاورة.. وبقي الصراع الروسي والأمريكي على النفوذ هناك مستمرًّا.. والخاسر هو الشعب!
إن
العالم العربي يكاد لا يعلم شيئًا عن تلك البلاد، فلا توجد بها أي سفارة عربية،
بينما أكبر سفارة هناك هي السفارة الإيرانية، كما أن الصهاينة تمكنوا من نسج شبكة
عنكبوتية من المصالح سيطروا من خلالها على مفاتيح مهمة في البلاد، فـــ
«أكاييف»، الذي افتتح سفارة لبلاده في القدس، كان كبار معاونيه
الاقتصاديين من اليهود.
وفي
عهد «باكي» أصبح ١٥% من قيادات قصر الرئاسة من اليهود، وكانت سكرتيرة الرئيس الخاصة يهودية روسية
كان ملف الرئاسة تحت يدها بالكامل، حتى أنها كانت تحضر بعض المؤتمرات باسم الرئيس!!.
أليس
ما جرى ويجري في قرغيزستان صورة لما جرى ويجري في العديد من بلادنا..
إن أدوات الاستعمار واحدة ومكررة لا تختلف من بلد لآخر، لكن
الشيء المختلف هو درجة الوعي شبه الغائب لدى الشعوب المستعمرة!