; قصة العدد... أهلًا بالحاج | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد... أهلًا بالحاج

الكاتب أبو أسامة

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

مشاهدات 75

نشر في العدد 420

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (آل عمران: 97).

في إحدى القرى الوادعة المسبحة لخالقها التي تنام على زقزقة الطيور والصحو على تسبيح الديكة، تواعد رشيد مع أحمد سرًّا على نية زيارة مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم وأداء فريضة الحج وإتمام أركان الإسلام.

نامت القرية على صوت الهدوء التام استعدادًا لقطف ثمار الشجرة المباركة -شجرة الزيتون- لتصحو مبكرة بين مناد لجاره وبين من يهيئ حماره، وآخر يوقظ أولاده، والأم منشغلة في تجهيز الخبز من التنور؛ حيث لا يوجد لها فرن.

وفي خلال وقت بسيط انتظمت حياة القرية من جديد، وكل فرد فيها أخذ عمله، فامتلأت الطرقات بالمارة والدواب، وتوافد الأطفال إلى المدرسة التي تشع النور وتبدد الجهل أفرادًا وجماعات.

بدأ وجه الشمس الجميل يطل من بين بعض الغيوم كفتاة خدر تضع الملاءة على وجهها، وصاحب طلوع الشمس نسمة عليلة تحمل في طيات أردافها شيئًا من قساوة برد الشتاء تنذر به قارصًا.

خلت القرية تمامًا إلا من بعض المصلين الطاعنين في السن، ومن بعض الأمهات أو الفتيات المتخلفات في البيوت، وجاء الضحى بجماله يزيد القرية محبة بهذا النهار الذي يحمل في طياته شيئًا من علم الغيب -ولا يعلم الغيب إلا هو- يتحين الفرصة الذهبية ليزف بشرى سارة لأهل القرية.

حملت فدوى جرتها من البيت متجهة إلى العين -النبع- في وسط القرية لتملأها ماء. والعين لذيذة المذاق تحكي لأهل القرية قصة الأجيال القديمة والحديثة وتقول بلسان الحال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ (الرحمن: 26، 27).

وصلت فدوى إلى العين فوجدت عددًا لا بأس به يجلسن على الأرض ينتظرن لملء الجرار. ألقت سلامها على الجالسات، فردت إحداهن بفتور لانشغالهن بالحديث والسير التي تكثر في مثل هذه الاجتماعات بين النساء. اقتربت فدوى من عالية وهي إحدى بنات القرية التي تثق بها لتبث لها سرًّا دفينًا. قالت فدوى -وترقب النسوة ببالغ السر-: إن رشيدًا ينوي الحج. فاستقبلت عالية الخبر ببرود، وتشاغلت عن فدوى، فالتفتت إلى النسوة يحكين سيرة غير كلام فدوى.

ملأت عالية جرتها وعادت إلى بيتها الملاصق لبيت رشيد لتستطلع الخبر العظيم، ولكن البيت خال من أهله لأنهم في أعمالهم في قطف ثمار شجرة الزيتون. حملت عالية طعام الإفطار ونادت على بنات الجيران، واجتمعت النسوة في الطريق إلى البساتين القريبة من القرية ليشاركن الأهل في العمل، وعلى الوجوه ابتسامة تعلن الحمد والشكر لله وحده على هذه النعمة التي يتلوها الناس عبادة وهي: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (التين: 1- 3).

سرى الخبر في القرية مسرى النار في الهشيم، استقبله الكبار ببسمة كلها أمل، والصغار بالزغاريد والأناشيد النبوية طمعًا في مسباح أو حبات من التمر.

رجع أهل القرية في المساء ليناموا على أنغام الفرح بذهاب رشيد إلى بيت الله الحرام. وفي هدوء الليل أخذ رشيد يراجع حساباته الدنيوية.. إن رشيدًا هو الذي أكلت بقراته عدس أبو العبد في صبيحة يوم عيد من أعياد الله، وهو الذي رعت أغنامه قمح فلان، ورغم استحلافه بالله العظيم أنكر هذا وذاك، ورشيد الذي ضرب ابن أبي فائق ضربًا مبرحًا ظلمًا وعدوانًا، وهو الذي سعى في النميمة بين العائلتين المتخاصمتين في القرية.. كل هذا لا يهم؛ ولكنه لم يصل في حياته إلا قبل أشهر معلومات، وها قارب على العقد السادس، وما معنى صلاته وصيامه المتقطع؟ وما معنى أخذه قطعة الأرض من زوج أخته ظلمًا وبهتانًا بحجة الإرث؟ ناهيك عن حيواناته فهو أشد الناس قسوة بها، ولا تجد الرحمة مرتعها في قلبه حتى على أولاده، فلا يحب بعضًا منهم، وخاصة ولده الأكبر، وبنته الكبيرة باكورة زواجه من أقسى الناس نحوها، وتتمنى أن لا يكون أباها.

ومكسبه فيه الحرام الزاخر، حتى بيته الذي يسكنه أكل أجر كثير من العمال، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه». ثم زوجته التي هي شريكة حياته لا تخاف إذا سألها الناس عنه أنها لم تر يومًا سعيدًا بجانبه.

ونطق لسانه بكلمة لا يفقه منها سوى اسمها.. قال: يا رب عفوك، يا رب سامحني. وشعر بدمعة سخينة تترقرق على صدغه الأيمن، وحاول مسحها.. وقال بلهجة المستيقن على كل حال: الله غفور رحيم، وأنا نويت التوبة الصادقة عما سلف مني، وإن شاء الله سوف أتمم أعمالي بحجة مبرورة.. إن شاء الله.

أخذ رشيد يتملل في الليل الهادئ إلا من صفير الرياح التي تنذر قومها بالخطر، حاول النوم ولكنه طار من عينيه، أطبق جفونه لكن دون جدوى.. استرخى جسمه على سريره، وأطبق جفونه لينعم بنوم عميق. لبس رشيد ملابسه النظيفة ودهن جسمه بشيء من الطيب، وأعدت له زوجته عدة السفر من بعض الثياب والطعام والشراب، وعلى رأسها ملابس الإحرام. تفقد حقيبة السفر بنفسه، وأعلن ساعة السفر، فبدأت وفود القرية زرافات ووحدانًا تتقاطر على بيته لتطبع على جبينه قبلة السماح والدعاء له بالعودة سالمًا بإذن الله، كما هو مطلوب من المسلم أن يودع أخاه المسلم وقت السفر.

لمح أحد أبناء القرية السيارة التي ستقل رشيدًا إلى بيت الله الحرام فخف إلى بيته يعلمه بذلك، علمًا بأن صفارة إنذار السيارة جلجلت الأرض وزلزلتها وهي تنذر بقدومها، وتحذر الناس من الوقوف في طريقها.

ودعت القرية رشيدًا بدموع حزينة، ولوحت الأيدي في: حفظ الله ورعايته يا حاج بيت الله الحرام..

وصلت القافلة إلى أبيار علي -مكان إحرام أهل الشام وغيرهم من الشمال- ونادى مناد في القافلة، فتوقفت الحركة، وظهر أحد التقاة وأخذ يشرح للمسافرين كيفية الإحرام، فرأيت الحقائب تتساقط من بين أيدي الرجال في انتظام دقيق، فأخرجت ملابس الإحرام ولبسها الرجال. أما النسوة فبقيت على ملابسها، وبدأ الحجاج في التلبية والدعاء، ورشيد بينهم يحرك لسانه بكلمات حفظها من مسئول الحملة.

وجد رشيد نفسه بين خلق كثير كلهم متجشم عناء السفر.. فهذا ألماني، وذاك سوداني، وآخر هندي، وأمامه عراقي.. وهو في ذهول أمام خلق الله يقول بلسان المتمتم: سبحان الذي جمعنا من غير ميعاد!

وقف خاشعًا أمام مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ويقف الجبابرة والطغاة في هذا المكان لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وتجده يقف بجانبه أمير في بلاده ووزير في وزارة سابقة تخلى عن ملابسه سوى ملابس الإحرام التي هي ملك الإنسان من الدنيا في يوم الحق.. يوم الموت.

وهو أمام الحجر الأسود الذي يشع نورًا على بطاح مكة المكرمة.. ويا فوز من قبله، وتجده في حرم بيت الله الحرام بين مصل في خشوع خضبت الدموع شيبته البهية، وبين طائف يرتجف كالطائر خوفًا من الله راجيًا ثواب الله، وبين باسط كفيه يدعو الواحد الأحد راجيًا مغفرة ذنوبه.

وتجده بين صفوف المسلمين الهادرة وهي صاعدة إلى عرفات في التاسع من ذي الحجة ملبية نداء ربها بانتظام دقيق عجيب، يعجز الرسام أن يرسمه.. تجد هذه الجموع تلبي نداء ربها أسوة برسولها العظيم يوم وقف بعرفة يلقي بيانه للناس بدستور واضح لا لبس فيه ولا غموض. إنه لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى. ويأمرهم بالطاعة ما دام الحاكم مقيمًا لحدود الله، تجده وهو يقف ينتظر ليذبح أضحيته، ليريق دمًا في سبيل الله ليطعم البائس والمحتاج، وتجده يلبي دعوة أبيه إبراهيم يطهر الكعبة من الرجس والدنس، ويطهر نفسه من هواها ليرجع كيوم ولدته أمه، ويدخل الكعبة بقلب كله خشوع ورهبة من الله سبحانه.

تجده بين حمام حرم الله وقد أعطى لهذا الحمام الأمان يسبح خالقه ويشهد لمن دخل البيت الحرام، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ويوم لا تغني شهادة الخلق أمام الخالق.

تجده يزاحم الناس على ماء زمزم ليشفي قلبه بمائها العذب، ويحمل إلى أهله منها إذا رجع سالمًا.

وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقف في خشوع ليسمع منه رسول الله سلامه ويحظى بهذا اللقاء الحبيب.

وأخذ أهل رشيد يعدون الأيام فيضعون الحصى عن الأيام التي ذهبت، ونزل ولده سوق المدينة فاشترى لافتات الترحيب وعددًا من أعلام الزينة المخصصة لمثل هذه المناسبة، وجمع بعضًا من أغصان الأشجار، فازينت الدار واكتست بأبهى الحلل، وكتب على باب الدار: أهلًا بالحاج، وحجًّا مبرورًا وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، إن شاء الله.

وصاح الديك مسبحًا في داره معلنًا ميلاد يوم جديد، فهب رشيد من نومه ليفتح الباب أمام المهنئين الذين توافدوا على داره.

فانبلج الصباح، وسار رشيد إلى عمله لقطف الزيتون.

تمت

الرابط المختصر :