; قصة العدد الطريد | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد الطريد

الكاتب عبد العزيز عطايا

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1979

مشاهدات 69

نشر في العدد 432

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 13-فبراير-1979

مقدمة:

ما قصدت بهذه القصة الجديدة إلا أن أقدم صورة حية وصادقة لجانب من الأحداث التي وقعت بعد غزوة بدر الكبرى. وتتكون هذه الصورة من خلال شخصية «وحشي»، ذلك العبد الأسود الذي تقدم بحربته ورماها على حمزة بن عبد المطلب، فقتله بها من أجل أن يحصل على حريته، ولكن الحرية ليست في كسر القيد بقدر ما هي إحساس في النفس. 

ولا تكون إحساسًا إلا إذا أتت من طريق شريف ونظيف.

أما إذا أتت من هذا الطريق الملوث بالغدر والدم فهي حرية أكثر قيدًا وضغطًا على النفس من العبودية، وكذلك كانت حياة وحشي.

- ١ -

فوق وجه الرجل لون الغبار الذي ثار حوله وطار في أثناء سعيه نحو مكة. قد تمرغ في فضاء مترب وقد أتى من أفق تغرب فيه عين الشمس. أتي مسرعًا مضطربًا. 

حين دخل مكة بدا غريبًا. دخلها راكبًا دابته، كأنه جثة محمولة إلى حفرة عميقة توشك أن تخفيه.

مطأطئ الرأس كمن يمسح الأرض بعينيه. لم يعرفه أحد من أهل قريش. أنكره الجميع في بادئ الأمر، حتى أحاطوا به من كل ناحية وأحدقوا فيه من كل زاوية، فصاح شخص بأعلى صوته:

- يا قوم.. إنه الحيسمان بن عبد الله الخزاعي.. وإنه قادم من بدر. وإنه يحمل خبر المعركة.

وإذا الناس يضيقون عليه الدائرة. 

لم يكد ينزل عن دابته حتى غاص في بحر من البشر تتلاطم أمواجه من حوله. الكل يريد أن يعرف ما حدث في بدر. ومن قبل أن يفتح فمه قرأ الناس أخبار المعركة على وجهه المقطب المترب، فهتف أحدهم فزعًا:

- أجيش قريش قد هزم: 

رفع الحيسمان عينيه إليه قائلًا:

- هذا ما حدث.

- صاح آخر بجنون:

- لا تقل ذلك أيها الرجل.

ولكن الحيسمان التفت إليه وقال: - وما فائدة السكوت... هزم المسلمون رجالات قريش في بدر.. وانتهى الأمر وقويت شوكة محمد.. وضعفت حجة عمرو بن هشام.. بل عمر بن هشام قد قتل.. وأمية بن خلف وغيرهما.

غرق الناس في صمت رهيب. حلق الذهول بجناحيه فوق الرؤوس وجعل يضرب بهما في سماء مكة وينشر الخبر المفزع. ومنذ تلك اللحظة ومكة لا تنام اشتدت بها الآلام. وأصيبت قريش بلوثة من الجنون. هبت أخيرًا عاصفة المنون واقتلعت جذور الكفر، وحصدت رؤوس الكبر، وصرخ شخص في جوف الليل وأخذ يبكي، فقال رجل من أصحاب الكلمة في مكة: 

- لا بكاء.. كيلا يشمت بنا المسلمون.

كتم كل موتور حزنه في قلبه، وكفت قريش عن النواح على قتلاها. 

تجمدت الدموع في العيون. وتحجر الحزن في الصدور. خافوا من الشماتة. إن في إراقة الدمع ترويحًا للنفس، ولكنهم فضلوا الكبت والكمد ولم يدركوا أن الشماتة ليست من شيم المسلمين، ونسوا قول الشاعر الحزين:

لم يخلق الدمع لأمرئ عبثًا

 

 

الله أدرى بلوعة الحزن

 

غير أنهم لعقوا دمعهم، وبلعوا حزنهم، وتاهوا في صحراء الألم.

وما إن سمع أبو لهب بالخبر حتى سقط على فراش المرض يحترق بالحمى التي اشتعلت في جسده وظلت مشتعلة حتى صعقته، فمات بعد أسبوع واحد من نهاية المعركة المعلنة عن هزيمة الباطل.

- ٢ -

برز في ظلام الليل بعينيه الحادتين الغاضبتين، واقترب من نافذة الدار حيث لصق أذنه لعله يسمع صوت سيده، ثم عاد إلى مكانه يجلس فيه وحده تحت ستار من الليل المعتم.

وأخذ يقلب ذهنه، ويفكر في نفسه التي فتتتها العبودية، وخالطتها باليأس والقنوط.

لم يعد هناك أمل في الحرية. ومن أين يأتي الأمل المجنح برغبة الإنسان والأبواب أمامه موصدة؟ فهو عبد أسود، وهو لا يعرف كيف يسلك السبيل الموصل إلى النجاة والتحرر، وكان قد فكر في الدين الجديد كغيره من العبيد، ولكنه لم يقبل عليه، ولم يحاول الذهاب إليه، ولم يرغب فيه.

تاه بصره في الظلام الكثيف، دفن وجهه بين كفيه أو أغرقه فيهما.

حينئذ ترامى إلى مسامعه صوت قدمين تتحسسان الطريق إليه. لم يكترث بهما، تحول إلى كتلة ضخمة متكومة لصق الجدار هو والجدار. جماد، كقطعة حجر ثبتت في مكانها وإن دمدمت عاصفة الهزيمة وهزت مكة، وإن دنت قدمان قادمتان نحوه، ولكن الشخص اقترب منه، وهو عبد من العبيد الذين عرفتهم مكة في ذلك الحين وقف قدامه يسأله:

- أأنت هنا في بطن الظلام يا وحشي؟ 

رفع رأسه، فصعد بصره إليه، قال:

- لا مكان لي إلا هذا المكان.. أجلس وراء الدار أنتظر نداء سيدي.. فأستجيب إذا نادى.. وقد سمعت صوته منذ وقت قصير.. ظننت أنه ينادي فذهبت إلى النافذة ووضعت أذني هناك.. فسمعته يحدث الخمر.. يكلمها.. أدركت أنه لا يحتاج إلي في تلك الساعة.. فعدت إلى مكاني كما تراني.

جلس العبد إلى جواره يقول:

- هكذا أنت دائمًا يا وحشي.. تميل إلى الجلوس وحدك.

- أفكر في نفسي.. وفي القيد الذي يطوق عنقي.

- تفكر في كيف تكون حرًّا دون أن تهتدي إلى السبيل.. وهذا هو سر عذابك.

قال وحشي وعينان في وجهه تنفذان في الظلام:

- منذ صرت عبدًا لسيد من سادات أهل مكة.. وهو.. وهو جبير بن مطعم.. منذ ذلك الحين وأنا مكتئب حزين.. بل وضيق الصدر بهذا الرق.

مال عليه العبد وقد عن له خاطر وهمس: 

- لو كنت في قومك.. لكان خليقًا أن تسود هناك. 

- أتقصد لصرت سيدًا؟

- نعم.. فأنت فيك صفات السيادة يا وحشي أنت قوي وشجاع.. وتصيب الهدف بضربة واحدة.

أطرق وحشي مفكرًا، متألمًا، ما فائدة هذا الثناء وهو عبد عاجز عن تحقيق حلمه الذي يراوده كل ليلة حتى صار يرى يقظته في منامه، ويرى في نهاره ما يحلم به في الليل، أو ما يفكر فيه أثناء النوم. اختلط عليه النوم والصحو. وأنه لعذاب يؤرقه. عاد يلتفت إلى صاحبه ويقول بصوت متقطع من شدة الحزن:

- قد فرض علي الخضوع فرضًا، وضرب علي الخنوع والذل والهوان.. ومع ذلك أفكر في الحرية كأي إنسان.

ضحك العبد منه، ثم قال:

- مثلك أو مثلي لن يصبح حرًّا يومًا ما.. خلقنا لنكون عبيدًا مطية لغضب السادة..

زفر وحشي بضيق وقال:

- ألا يوجد حديث غير ذلك الحديث؟

- بلی.. يوجد.. مكة كلها تتحدث عن هزيمتها في بدر. وقد منعت البكاء على القتلى..

وأوشك الحزن أن يهلك الصدور ويمزق القلوب.

أرسل وحشي بصره إلى نافذة الدار قائلًا:

- سيدي جبير بن مطعم.. انصرف إلى الخمر بعد أن علم بمقتل عمه في. بدر.. كما تعلم عمه طعيم بن عدي قد قتل بأيدي المسلمين شر قتلة.. إن سيدي يسكب الخمر في جوفه لينسي.. ولا ينسى.. أنصت.. إن صوته يعلو وهو يحدث الخمر.. ويتخيل أنه قادر على الانتقام من قاتل عمه.

في تلك اللحظة سمعا نائحة تبكي في الليل مولولة حزينة. حسب وحشي أن قريشًا قد أذنت للثاكلين أن يبكوا أعزاءهم الهالكين، وأحبابهم المدفونين في التراب، فقال:

- أتسمع.. هل أحلوا النواح والنحيب؟ 

قال العبد بعد أن نهض:

- كن في مكانك.. سأذهب وآتيك بالخبر اليقين.

وتسلل العبد تحت جناح الظلام متجهًا نحو مصدر التي تولول. 

اختفى عن بصر وحشي، فاستسلم الأخير إلى تفكيره، وغاص في أعماق ذاته، وذاب في عذابه.

- ٣ -

جاء العبد بعد فترة من الوقت طالت، ولكن الزمن لم يكن محسوبًا عند وحشي، لأنه كان غائبًا عنه بذهنه وعذابه. ولذلك لم يحس بالوقت، بيد أنه أفاق من غيبوبته. على صوت قدمي العائد إليه. آثر الصمت إلى أن ينقل إليه العبد خبرًا يحمله. قال العبد وهو يجلس:

- امرأة تبكي على جمل فقدته.

- يؤذن لها أن تبكي على بعير ولا يؤذن للآخرين أن يبكوا على بنين هلكوا في الحرب.

قال العبد بدهشة:

- إنها المفارقات العجيبة.. كأن قريشًا فقدت عقلها بعد ما حدث في بدر.. قتل كبار رجال قريش هناك.. إنهم سادة.. وطغاة..

وما إن قال وحشي ذلك حتى سمع صوت سيده يناديه. وكان النداء واضحًا لا شك فيه، وسرعان ما نهض وحشي وأستأذن من صاحبه وسار نحو الدار. كانت خطواته تتعجل قدميه بالحركة التي تسابق الريح. دلف إلى الداخل وجد سيده واقفًا قرب النافذة التي بعث منها صوته وهو يناديه، ألفاه مستندًا إلى متكأ خوفًا من السقوط، أسرع إليه يساعده على الجلوس فوق المتكأ الوثير. ثم وقف بين يديه وقفة العبد المطيع.

انتظر سيده إلى أن استوى فوق مقعده، ولما تحقق له ذلك، قال بفم يتلوى:

- لم أكن أريد أن أجلس.. ولكنى قد فعلت.. كيف أحس بالراحة وقد قتلوا في بدر عمي طعيم بن عدي.

لزم وحشي الصمت. إنه لا يحسن الكلام في تلك الحالات المثيرة للحزن والأسى. راح يرقب سيده بعين لا تكاد تبتعد عنه إن منظره مؤلم حقًا. ذهبت الخمر بهيبته. وبدد الحزن صلابته ومسح رونق وجهه. قال سیده: 

- اسمع ما أقول يا وحشي إني سأحدثك في أمر يهمك.

ركز وحشي كل ذهنه في أذنيه.

استطرد جبير.

- سأحدثك فيما تحب.

ازداد الشوق إلى قوله، فاقترب وحشي منه أكثر. قال:

- أعلم أنك تفكر في الحرية لأنك متشوق إليها..

قال وحشي متلهفًا:

- نعم.. نعم متشوق إليها يا سيدي.

رمى جبير قدحه من يده، وعاد بظهره إلى الوراء، وبدأ جبير في هيئة السادة الذين يملكون أمر عبيدهم في أيديهم، ويمنحون السعادة لهم أو يمنعونها. ثم قال بلسان يتلوى، ولكنه يتعالى:

- إني أعرض عليك هذه الحرية.

لم يستطع وحشي أن يتكلم.

أشار إلى نفسه كأنه أخرس لا يصدق ما يقال أمامه، قال جبير ليلهب شوقه إلى ما يعرض عليه من حديث:

- أعرض عليك هذه الحرية.. إن شئت.. فأد ثمنها.

ركع وحشي عند قدميه، وقال برذاذ يتطاير من فمه، من سرعة نطقه، ومن لهفته:

- كيف أدفع ثمن هذه الحرية.. لو أني أستطيع أن أبلغه في جو السماء أو في أقصى الأرض لفعلت. 

ليس ثمن الحرية في جو السماء ولا في أقصى الأرض.

سال وحشي بجنون: 

- أین؟ 

- أجاب جبير:

- إن ثمن الحرية أدنى إليك مما تتوقع. 

كاد وحشي يصرخ، لولا أنه يحدث سيده، فسأله:

- أين.. أین

 قال جبير بلهجة الأمر:

- اذهب مع قريش في حربها هذه التي تتجهز لها.. ثم عد إلي بمقتل حمزة بن عبد المطلب.

إلى اللقاء في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 312

75

الثلاثاء 10-أغسطس-1976

العمل الإسلامي في أمريكا

نشر في العدد 477

126

الثلاثاء 22-أبريل-1980

الدستور الإسلامي