العنوان الدستور الإسلامي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1980
مشاهدات 127
نشر في العدد 477
نشر في الصفحة 5
الثلاثاء 22-أبريل-1980
إعداد هيئة التحرير
•مقدمة في معنى الدستور الإسلامي.
•مصادر الدستور الإسلامي.
•محاولات تدوين الدستور.
•الإسلام وحكومة رجال الدين.
السيد الفاضل/ عضو لجنة تنقيح الدستور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد:
لقد آن الأوان كي يعدل المسلمون مسار حياتهم الدستورية بعد التجارب المريرة منذ أن نحيت الشريعة الإسلامية عن حياتهم العملية واستبدلت بقوانين الشرق والغرب، ظانين أنها ستحقق السعادة والطمأنينة المنشودة، فإذا بها تقلب حياة المسلمين وأوضاعهم إلى أسوأ حال، فوجدوا أنفسهم في مؤخرة ركب الحضارة بعد أن كانوا بشريعة الله عز وجل موضع الصدارة والريادة. ونريد إعادة ذلك اليوم، يوم كنا خير أمة، كنا للأرض منارًا وهاديًا ومرشدًا، فالناس يتنادون معترفين بقصور دساتيرهم وقوانينهم. ولكي لا يكون علاج الداء بالداء، نضع بين أيديكم مذكرة فيها صوت الإسلام الشامل ليكون منهج حياتنا ودستور بلادنا. ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
وتذكروا مسؤوليتكم أمام الله عز وجل، ومن ثم أمام الشعب المسلم في الكويت.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جمعية الإصلاح الاجتماعي
مقدمة في معنى الدستور الإسلامي
شاع استخدام لفظة الدستور والقانون الدستوري حديثًا للدلالة على القواعد العامة التي تحدد شكل الحكم واختصاصاته في دولة من الدول، وقد استخدمت قبل ذلك عبارة القانون السياسي لتؤدي نفس المعنى. والحقيقة أن لفظة الدستور ليست عربية، بل الراجح أنها فارسية المنبت وتعني القاعدة أو الأساس. وقد ألقى هذا المعنى اللغوي ظلاله على المصطلح القانوني الحديث الذي يعرف الدستور بأنه الوثيقة الأساسية التي تتضمن الأصول العامة والقواعد الكلية التي يرتضيها مجتمع معين في زمن لتحديد نظام الحكم وممارسة السلطة ومبادئ الاقتصاد والاجتماع والإدارة لدولة من الدول، والدستور مرتبط بالجماعة المنظمة والمبدأ الذي تؤمن به. وهو يتناول مسائل أساسية تتعلق بالسيادة ولمن تكون، وطريقة تشكيل السلطة السياسية وتنظيم اختصاصاتها وأهدافها ومسؤولياتها. كما يتناول الدستور القواعد العامة لاكتساب الجنسية والحقوق والحريات العامة والنظامين الاقتصادي والاجتماعي. وأما تفصيل تنظيم هذه المسائل فتتناولها قوانين أخرى تندرج تحت فروع القانون العام والخاص، مثل القانون المدني والتجاري والجنسية والانتخاب، ويجب أن تكون هذه القوانين مستهدية بروح ونص الدستور.
ولذا توجد المحكمة الدستورية التي تنظر في قضايا الطعون بدستورية القوانين والدساتير، إما أن تكون مدونة «مكتوبة» كما في أغلب دول العالم، وإما أن تكون غير مدونة كما في بريطانيا.
ومصادر الدساتير الوضعية «من صنع البشر» المطبقة في مختلف دول العالم، هي العرف والقوانين المدونة وأحكام القضاء. وهكذا يمكن القول باختصار إن الدستور هو وثيقة منهج لحياة دولة من الدول، والدستور الإسلامي له نفس المعنى باعتبار أنه دستور من الدساتير.
غير أن كلمة «دستور» هي التي تميزه عن غيره من الدساتير الوضعية، والدستور الإسلامي هو منهج كامل لحياة المجتمع الإسلامي، يتناول الأصول والقواعد العامة لنظام الحكم وحقوق المواطنين ونظام الاقتصاد والاجتماع والإدارة. وتنبثق منه قوانين تفصيلية لجميع نواحي الحياة التي فصلتها الشريعة الإسلامية. وعليه فإنه ينبغي أن تزول من الأذهان فكرة أن الدستور الإسلامي ما هو إلا مجموعة من العقوبات الحدية أو التعزيرية.
والدستور الإسلامي بهذا المفهوم هو القرآن الكريم، وقد ظل كذلك منذ العهد النبوي الشريف إلى انهيار الخلافة الإسلامية، وبفعل حركة التبشير والاستعمار والغزو الثقافي استبعاد الدستور الإسلامي واستبداله بدساتير وضعية في جميع بلاد المسلمين. والدستور الإسلامي بالشكل القانوني الحديث لم يُدون بعد بسبب استبعاده عن الحكم.
ويتميز الدستور الإسلامي عن غيره من الدساتير من حيث مصادره؛ ففي حين تكون مصادر الدساتير الوضعية هي العُرف والقوانين المدونة وأحكام القضاء وكلها من صنع البشر، تكون مصادر الدستور هي القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأعمال الخلفاء الراشدين ومذاهب الفقهاء المجتهدين، وهذه المصادر تتنزه عن القصور والهوى، كما أنها محددة ومكتوبة لا تحتاج إلى كثير من العناء والجهد. والحكم بالدستور الإسلامي فريضة شرعية وضرورة بشرية. ومما يسهل تدوينه وتطبيقه أن بعض القوانين المدنية والجزائية إضافة إلى قانون الأحوال الشخصية والميراث التي ظهرت حديثًا في بعض البلاد الإسلامية تستند إلى روح الشريعة الإسلامية ونصوصها. ويجب ألا يغيب عن بال المسلم أبدًا أن الدستور الإسلامي يعني باختصار الإسلام الذي يتميز عن غيره من المبادئ بالربانية والشمول والتكامل والعدل المطلق.
وهو بهذا المعنى خير علاج لأدواء البشرية المستشرية.
ولما كان الدستور الإسلامي بهذا الشمول والأهمية، يعتبر خیر دستور لحفظ حقوق وحريات الأقليات غير الإسلامية، فإن قضية تدوين الدستور وتطبيقه يجب أن تكون قضية مصيرية لكل مسلم. ويجب بهذا الصدد أن تتضافر جميع الجهود وتلتقي حول هذا الهدف المصيري؛ لأن المسلم إذ يفعل ذلك يرضي ربه أولًا ويحقق العزة في الدنيا ثانيًا، وليكن شعارنا هو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)
﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:٨٥).
ملف الدستور الإسلامي مصادر الدستور الإسلامي
لم يكن في الصدر الأول دستور يرجع إليه الخلفاء والشعب غير القرآن الكريم، والثابت من السنة وما أضيف إليها من عمل الصحابة والتابعين واجتهاداتهم مما سمي فيما بعد بالفقه، ثم ما يراه الولاة والفقهاء فيما بعد من حوادث فيبدون رأيهم فيها ويجتهدون حسب طاقتهم للوصول إلى الحق، ولا ينقض اجتهادٌ اجتهادًا، ولا يعدل إلى الاجتهاد إلا عند عدم وجود النص أو في كيفية العمل، وتفسيره وتطبيقه.
ولما كلَّت الهمم وقل الحق وكثرت الحوادث، أخذ الفقهاء والعلماء يدونون العلوم الشرعية ويعدون القواعد، ولا سيما الأصول الكلية، ويسجلون اجتهادات الخلفاء وأهل الرأي في السياسة والحكم ممن يُعمل برأيه، فاستبعدوا أهواء أصحاب البدع وادعاءات المخالفين وأهل أرباب المذاهب الانشقاقية والشاذة، وهكذا بدت في تراثنا مدونات فقهيه اجتهادية لا مثيل لها في العدالة والوضوح والدقة لأنها تعتمد على أصول صحيحة ثابتة، وتتحرك بمعايير سليمة في كل مجال يحتاجه الإنسان في حفظ حياته وعقله وماله ودينه ونسله، وهو مقصود الشارع في الأصل.
ونحن إذا حاولنا أن نكتب أو نبين دستور الدولة الإسلامية فلا بد لنا من الرجوع إلى مصادره، وهي قسمان:
١- قسم مكتوب ثابت يمثل المصدر الرئيسي للشريعة الإسلامية، وهو يشمل:
أ- القرآن الكريم: وهو كلام الله تعالى، وهو أساس الحكم الإسلامي ومصدره الرئيسي الأول، الذي لا يجوز أن يعارضه أي قول أو حكم أو اجتهاد آخر.
ب- السنة النبوية: وهي الثابت من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته، وهي تشرح القرآن الكريم وتبين أحكامه وتفصل مجمله، ولا غنى عنها للعمل بالقرآن الكريم المصدر الأول، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله.
ج- عمل الصحابة واجتهاداتهم: حيث إنهم مشهود لهم بالخيرية والفضل، وهم أقرب الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ» (صححه الترمذي).
ثم إنه -صلى الله عليه وسلم- أثنى على كل صحابي بما عرف عنه واشتهر به من الفقه والعلم؛ كعمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبي بكر وغيرهم. ومصدر معرفة آراء هؤلاء الصحابة هو كتب الفقه لدى أهل السنة.
۲- قسم اجتهادي: ويشمل:
أ- التراث الفقهي للأئمة المجتهدين من أهل السنة والجماعة، وكلهم عدول ثقات وعلى رأسهم الأئمة الأربعة. ومرجعنا في معرفة آرائهم هو كتبهم.
ب- كل اجتهاد ووسيلة اجتهادية مقبولة شرعًا للوصول إلى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، وهذا يعرف من كتب الفقه ومن المؤتمرات الإسلامية التي تضم المجتهدين والعلماء العاملين ممن يحوز شروط الاجتهاد والفقه. وهذا المصدر لا يجوز أن ينقضي في عصر من العصور، وإلا تجمد عقل الأمة وفقدت نموها. لذا لا يجوز أن يخلو عصر من قاضٍ أو مُفتٍ وعالم بالحلال والحرام والفقه بشكل واسع متخصص. ولا يشترط لهذه الفئة من المجتهدين نسب معين أو لباس أو هيئة وصور شكلية معينة، ولا يشكلون طبقة إكليروسية، وإنما هم من حازوا شروط العلماء وسلكوا مسلك السلف الصالح بفهم وعلم ويعرف الاجتهاد من قياس واستحسان واستصلاح وشروطها، وشروط العمل بالعرف، والشروط الخاصة والتقيد بها، وما إلى ذلك مما هو موضوع علم أصول الفقه.
ويمكن الاستفادة من الأمور التنظيمية والكتابية والإعلانية من تجارب الأمم الأخرى ومن الوسائل الحديثة في ذلك، على أن لا يكون في ذلك تعطيل أو إضرار بالمصالح الشرعية، ولا مصدر للدستور الإسلامي غير ما ذُكر، والله الموفق.
ملاحظة:
لا بد لنا للإحاطة بأحكام الشريعة وأصولها وإبراز دُررها وجواهرها، أن نشجع ونسعى إلى إنجاز موسوعات ينجزها أهل علم ومعرفة وتقوى في الفقه وفي الحديث وفي أصول الفقه، ولا زالت هذه المشاريع في العالم الإسلامي مفقودة أو في بدايتها، مع أنها ألزم من أي عمل آخر، وهي تمثل (الاجتهاد الجماعي) المطلوب في هذا العصر، وهو فرض كفاية.
محاولات تدوين الدستور الإسلامي وتطبيق الشريعة الإسلامية
يشهد العالم الإسلامي رجوعًا إلى الإسلام، وخاصة لتطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيم شرع، فقامت عدة محاولات في العالم الإسلامي لتدوين الدستور الإسلامي، وهذه المحاولات تمت في البلاد التالية:
في السودان:
قامت هناك محاولتان لعمل الدستور الإسلامي.
المحاولة الأولى: كانت في عام ٥٧ بعد الاستقلال، قامت بها جبهة الدستور الإسلامي التي كان يقودها الإخوان المسلمون بقيادة «عمر بخيت العوض» ولكن لم تنجح المحاولة؛ وذلك لقيام الانقلاب العسكري بقيادة الفريق عبود سنة ٥٨.
والمحاولة الثانية: في سنة ٦٦ إلى عام ٦٩م، كانت بقيادة جبهة الميثاق الإسلامي التي يقودها الإخوان المسلمون بقيادة الدكتور حسن الترابي، وقد وضعت مسودة للدستور، وقبل عرضها على الجمعية التأسيسية وقع الانقلاب العسكري في مايو ٦٩ بقيادة جعفر النميري وأعوانه من الشيوعيين. وكان الشعب متحمسًا جدًا للدستور الإسلامي حتى إنه فرض على الأحزاب التقليدية تبني الدستور الإسلامي.
في الباكستان:
جرت محاولات عدة لوضع دستور إسلامي وتغير الدساتير الوضعية السائدة في الباكستان.
وقامت الجماعة الإسلامية بقيادة أبي الأعلى المودودي بتبني هذا العمل، ولأول مرة في شهر شباط ١٩٤٨ في لاهور في كلية الحقوق على ما يلي:
١- إن الحاكمية في باكستان لله العلي الأحد، وما لحكومة باكستان من الأمر من شيء غير إنجاز أمر مالكها الحقيقي في أرضه.
٢- إن الشريعة الإسلامية هي القانون الأساسي لباكستان.
٣- إن كل ما يعارض الشريعة الإسلامية من قوانين البلاد الجارية يلغى ويبطل، وأنه لا ينفذ بعد ذلك قانون يخالف الشريعة.
٤- إن حكومة باكستان لا تتصرف في شؤون الملك إلا ضمن الحدود التي رسمتها الشريعة.
وفي أواخر عام ١٩٤٨ قبض على السيد أبي الأعلى المودودي وأودع السجن، ولفقت ضده بعض التهم وبقِي في السجن حتى عام ١٩٥٠م، كما عطلت جرائد وحملات الجماعة.
وبقيت المطالبة بإسلام الدولة، حتى اضطرت الدولة إلى إعلان إسلامها في ١٢ آذار ١٩٤٩ تحت ضغط الشعب.
•١٩٤٨ في ١١ أيلول مات محمد على جناح وتولى «الخوجا نظام الدين» رئاسة الدولة، بينما بقي «ليقات علي خان» رئيس الوزراء.
•١٩٥١ افتتح ليقات على خان المؤتمر الإسلامي في شباط واغتيل في تشرين الأول، ونزل الخوجا نظام الدين إلى رئاسة الوزارة وأصبح غلام محمد حاكمًا لباكستان.
•١٩٥٣ أقيل الخوجا نظام الدين من رئاسة الوزارة واستلمها محمد على بوغرا. وبقيت باكستان دون دستور كل هذه المدة.
•١٩٥٥ تكونت جمعية تأسيسية مهمتها وضع الدستور، وكان أكبر عمل لها أن وحدت باكستان الربية بعد أن كانت عددًا من المطعات.
•١٩٥ انتهى النظام القديم، الذي كانت فيه باكستان جمهورية دستورية وفق الدستور الأول. ونص الدستور على قيام أشاد فدرالي تكون فيه الوحدات متقلة في حدودها ضمن السلطات الخولة لها. ونص على أن الدولة تمي إلى توطيد المبادئ الإسلامية وخاصة العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجميع ويجب دعاة تعاليم الإسلام.
وأصبح «إسكندر میرزا» رئيسًا للجمهورية «وشودري محمد» رئيسًا للوزارة، وقامت أحزاب عديدة معارضة لحزب الرابطة الإسلامية واضطربت الأمور واختلت الحالة الاقتصادية.
•١٩٥٨ ألغى إسكندر میرزا الدستور وحل البرلمان وفرض الأحكام العرفية، وعين أيوب خان القائد العام للجيش والقوات المسلحة حاكمًا عامًا، وبعد عشرة أيام غادر إسكندر میرزا البلاد واستلمها الجنرال أيوب خان.
•١٩٦٢ أصدر دستورًا جديدًا للبلاد.
•١٩٦٤ صدرت أوامر بحل الجماعة الإسلامية ومصادرة أموالها، وكانت قبل شهر قد صادرت الحكومة مجلة ترجمان القرآن التي يصدرها أبو الأعلى المودودي -رحمه الله- وزج به مع أعضاء بارزين في السجون.
•۱۹۷۰ اضطر أيوب خان إلى الاستقالة، واستلم يحيى خان مقاليد السلطة ووعد بإجراء انتخابات.
•۱۹۷۳ تمت الموافقة على دستور باكستان الجديد -في عهد بوتو- في شهر أبريل، وقد جرى العمل به اعتبارًا من ٧٣/٨/١٤م معلنًا باکستان جمهورية ديمقراطية إسلامية اتحادية. وقد لاقى ترحيبًا حارًّا داخل البلاد وخارجها كحدث عظيم في تاريخ باكستان السياسي. وأهم مظهر لهذا الدستور هو الإعلان الواضح بأن الإسلام دين دولة باكستان.
ولكن هذا لم يستمر؛ فلم يكن يسمح بوتو بتشكيل الأحزاب المعارضة والإعلان عن نفسها اللهم إلا ما يخدم مصالحه من تكتلات مشبوهة، وقد أعدم من رجالات الجماعة الإسلامية عددًا تجاوز الألف شهيد في فترة حكمه، والعدد الذي قام بسجنه قد ضرب رقمًا قياسيًّا عالميًّا، فقد تجاوز عدد الذين سجنهم المائة ألف سجين!
•أقصى «ضياء الحق» بوتو عن الحكم بعد أن قامت ثورة شعبية حاولت وسائل الإعلام طمسها ونسيانها، وسبب هذه الثورة المباشرة هو تزوير «بوتو» للانتخابات، وغيرها من الأسباب الأخرى. ثم حوكم وأُعدم.
•استلم ضياء الحق مقاليد الأمور عام ١٩٧٩ وعاد بالبلاد إلى الإسلام، حيث وجد أن باكستان على حافة حرب أهلية ستؤدي إلى انقسام رهيب إلى ثلاثة أقسام: «الهند وبلوستنسان ومنطقة قبائل الباتان»، وشكل وزارة اشتركت فيها الجماعة الإسلامية واتخذت الخطوات اللازمة لتنفيذ مبادئ الإسلام على جميع المستويات، وقد أعلن وزير الإعلام الباكستاني «محمود أعظم الفاروقي» ذلك فقال: «إن الغاية الرئيسة التي تستهدف الحكومة الحالية تحقيقها هي توطيد دعائم مجتمع إسلامي في باكستان، وهذا لا يتم إلا بتعديل القوانين الوضعية بالقوانين الإسلامية».
في مصر:
إن دستور سنة ١٩٢٣م هو أول دستور في مصر بعد أن تحللت من الحكم العثماني وأصبحت في قبضة الاستعمار الأجنبي، ولم تمض إلا سنوات معدودة حتى جاءت وزارة صدقي باشا فألغت هذا الدستور، ثم أعيد مرة أخرى بعد انتهاء عهد صدقي باشا. وهذا الدستور وضعي، تضمنت المادة الأولى منه أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، وهي مادة شكلية لا تغني من الحق شيئًا.
•وبعد الانقلاب العسكري سنة ١٩٥٢ أُلغِي هذا الدستور، وظهر بعده أكثر من دستور حتى اليوم.
ولكنها جميعًا سارت على منوال الدستور المنقرض. لكن آخر الدساتير أُضيف إلى المادة الثانية منه عبارة: الشريعة الإسلامية مصدر أساس، «بالرغم من أن الاستفتاء الشعبي الذي أُجري عام ۱۹۷۱ بشأن الشريعة الإسلامية كان على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للقوانين»، وقد وافق على ذلك أكثر من ٩٥٪ باعتراف الجهات الرسمية. ولكن واضعي الدستور خضوعًا لتوجيهات السياسة العليا تخلصوا من «أل»، وحذف «أل» تؤدي إلى فرق شاسع بين العبارتين؛ لأن عبارة: «مصدر أساسي أو رئيسي» تعني مزاحمة المصادر غير الإسلامية لمصدر الشريعة، بينما عبارة: «المصدر الرئيسي» تعني ألا مزاحم للشريعة الإسلامية.
•ولقضية تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر قصة هي أشبه ما تكون بالمهزلة التي هي جديرة بالسخرية منها؛ ففي أوائل عهد السادات أثر هلاك عبد الناصر في
28/9/ ۱۹۷0م وقضية الشريعة مطروحة، وعلى الأخص بعد الاستفتاء عليها عام ١٩٧١م.
وكان واضحًا أن إثارة القضية كان لمجرد الدعاية والاستهلاك المحلي لا أكثر، وللحقيقة التاريخية وحدها.
لم تكن فكرة تطبيق الشريعة واردة لدى الشعب المصري، حتى كانت دعوة «الإخوان المسلمون»، وإليها يرجع الفضل -بعد الله- في إثارة القضية وإشغال الأذهان بها. وكان هذا من العوامل الرئيسة التي أدت إلى البطش بهذه الحركة الإسلامية ثلاث مرات في بضعة عشر عامًا. وفي عهد السادات ازدهرت الفكرة دعاية وإعلانًا للاستهلاك المحلي، وكان ازدهارها مرتبطًا بالأزمات التي يتعرض لها نظام السادات. وبالرغم من الدعاية والإعلان، إلا أن الفكرة لم تتقدم خطوة واحدة نحو التنفيذ.
وكل ما يقال: إن هناك لجانًا من علماء الأزهر ورجالات القانون قد شُكلت لتقنين الشريعة. ومنذ شهور صرح الدكتور صوفي عبد الله رئيس مجلس الشعب بأن اللجان أنجزت أكثر من ٧٥% من مهمة التقنين.
•إن محنة الشريعة الإسلامية في مصر مع أنها كانت في عهد عبد الناصر ولاية روسية وفي عهد السادات ولاية أمريكية، وكلتا الدولتين الكبريين ترفض بإصرار تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر. بل إن عهد السادات تميز بتدليل الطائفة المسيحية المصرية من أجل أعين أمريكا، وهذه الطائفة اليوم تمثل مركز قوة له خطورته إلى درجة أنها تعارض جهارًا وفي وقاحة وفي جريدتها الرسمية «وطني» مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر. وقد سبق منذ عامين لرئيس مجلس الشعب المصري السابق صهر السادات «المهندس سيد مرعي» أن همس في آذان أعضاء مجلس الشعب المتحمسين لتطبيق الشريعة بأن الرئيس «المؤمن» آسف لتطرفهم في هذه المسألة التي قد تؤدي إلى فتنة طائفية في مصر شبيهة بالفتنة الطائفية القائمة في لبنان.
•إن هناك بارقة أمل في الجماعات الطلابية الإسلامية في الجامعات، التي تنادي بإصرار بتحكيم شريعة الله. وعلى الرغم من أساليب الإرهاب التي تباشرها أجهزة السافاك الساداتية إزاء هذه الجماعات، إلا أنها سائرة في طريقها بإصرار وتشبث.
كان الله في عونها وعون شعب مصر المسلم.
الإسلام وحكومة رجال الدين أو «الثيوقراطية»
•ليس في الإسلام (رجال دين) أو كهنة أو (إكليروس)، بل (علماء) وهم ليسوا وقفًا على نسب معين أو زمن خاص.
•رسالة الإسلام عامة، وهي عمل بأحكام القرآن والسنة وليست عملًا بآراء الناس وأهوائهم.
•العلماء المجتهدون ليس لهم سلطات أو صفات غير بشرية، وليس لهم صلاحية التحليل والتحريم والمغفرة وبيع الجنة، ولا يخرج أحد من البشر مهما كان صالحًا عن صفات البشرية وحدودها.
يطلق اصطلاح (الحكومة الدينية) على ذلك الشكل من الحكومة التي يكون أعضاؤها من الكهنة ورجال الدين، الذين لهم حق وضع الشرائع الدينية وتفسيرها ويمارسون من خلال مناصبهم السلطة الزمنية والدينية ويتمتعون بـ (حق إلهي مقدس) في الحكم، وبذلك فهم معصومون من الخطأ في نظر أتباعهم، الذين ينتمون إلى ملتهم ويطيعونهم طاعة عمياء.
ولقد عرف هذا الشكل من الحكومات في كثير من الشعوب البدائية التي كانت تمنح زعمائها وحكامها منزلة (المشرع) والإله ومن له حق الحكم دون مناقشة أو معارضة لأنه (معصوم). وتعود أقدم أشكال هذه الحكومات إلى اليهود بعد أن حرفوا التوراة وخالفوا أنبياءهم واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
وبدأ الكهنة يحللون ويحرمون ويغيرون في الديانة الأصلية كما يصور لهم الهوى والحاجة، كإباحة الربا مع غير اليهود وتحريمه فيما بينهم. ولقد أفاضت آيات القرآن الكريم في بيان تزويرات اليهود وتحريفات كهنتهم للكتاب وسيطرتهم على عقول أتباعهم بتسلط خبيث.
وعرفت هذه الحكومات أيضًا في العصور الوسطى الأوروبية عندما كانت سلطة الكنيسة تسيطر على الملوك والأمراء وتفرض عليهم الإتاوات وتمنحهم البركة وصكوك الغفران، وحيث كان لرجال الدين سلطة إلهية في منح البركة وشفاء المرضى وعقد الزواج وقبول الاعتراف ومنح المغفرة وسلطة التحليل والتحريم. ولقد مارست هذه السلطة أعتى تصلبها في فرض الحروب الصليبية والدعوة إليها، وفي محاربة العلم والمنطق، حتى كان شعارها: (أطفئ سراج عقلك وأتبعني)، وفي إنزال أشد العقوبة بالمخالفين كما في محاكم التفتيش والحروب الدينية العاتية في أوروبا.
موقف الإسلام:
من هذه المقدمة نرى أن (الثيوقراطية) أو ما يسمى بحكومة رجال الدين ليس من الإسلام ولا علاقة له بها، وطالما حاول أعداء الإسلام والمتجنون عليه أن يصموا حكم المسلمين بمثل هذا الشكل من الحكومات التي يقولون (إنه عفا عليها الزمن)لأن أوروبا تركتها بعد الثورة الفرنسية، ونرى بعض مدعي الإسلام، وهم منافقون في الواقع يعارضون حكم الإسلام والدستور الإسلامي بحجة أنه يعني (حكم المشايخ أو وزارة الأوقاف)وهم بذلك يفضحون جهلهم بالإسلام وغربتهم عنه أولًا، وثانيًا يفضحون مقدار عمالتهم الفكرية حيث يريدون تطبيق المفاهيم اليهودية أو المسيحية على الإسلام، ولا يخفى ما في ذلك من تعسف في القياس وإيغال الوهم.
ولإيضاح الموضوع نشير إلى النقاط التالية:
أولًا- ليس في الإسلام شيء اسمه (رجال الدين) بالمعنى الأوروبي المعروف، وليس في الإسلام (إكليروس) يحرمون ويحللون وفق أهوائهم، ولهم مراتب معينة وألبسة خاصة وهم واسطة بين الحق والخلق، ولا يفهم حقيقة الدين أحد غيرهم.
فالإسلام يعتمد في حكمه على مصدر رئيسي أساسي هو القرآن الكريم الذي هو كلام الله تعالى، وهو مصدر ثابت واضح مفهوم بينه النبي -صلى الله عليه وسلم- وشرحه وأوضح تعاليمه في كل المجالات من عقيدة ومعاملات وحقوق وواجبات، فكانت شروحه وبيانه المصدر الثاني (الحديث أو السنة)، وعمل به الصحابة والتابعون والخلفاء، وكان بعضهم أعلم وأحفظ من البعض الآخر، فسمي هؤلاء العالمون بالفقهاء، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». ومن هنا تصدر هؤلاء الفقهاء في كل عصر ومكان لتعليم الناس أمور دينهم وإرشادهم إلى الحلال والحرام، وكانوا دعاة للهدى والخير الذي جاء به الكتاب والسنة (المصادر الأصلية الرئيسية)، ولكنهم وجدوا فيما بعد أمورًا جديدة وقضايا لم تكن معروفة من قبل فاستعملوا (القياس)؛ وهو إلحاق أمر غير منصوص عليه بآخر منصوص عليه في الحكم لاتحادهما بالعلة، وما لم يمكن قياسه على أمر منصوص عليه اجتمعوا لدراسته وبيان الحكم فيه، فعُرف (الإجماع)، وهو ما اتفق عليه علماء المسلمين، وهو مصدر تشريعي فرعي، وهكذا نشأ الفقه وعرفت أصول الاجتهاد ووضعت أحكام مستندة إلى الضرورات الشرعية لتحديد شروط الإفتاء والاجتهاد والرواية كالتقوى والعدالة والضبط وإتقان العربية، وهذه الأمور لا تنحصر بجماعة معينة أو نسب معين أو طائفة لها (حق إلهي مقدس موروث)، بل من حاز شروط العلم فهو عالم، وليس هنالك شروط نسبية أو شكلية للإمام أو القاضي أو الخليفة غير ما ذكرنا من العدالة والعلم والأهلية الشرعية. وبناء على ذلك فليس في الإسلام طبقة (رجال دين) بمعنى الكهان، وحتى اللباس المعروف حاليًا للمشايخ (من الجبة والعمة والقفطان) لم يكن خاصًّا بهم من قبل، بل هو لباس كافة الناس وليسوا معصومين عن الخطأ أو يستطيعون مخالفة النصوص الثابتة أو التحليل والتحريم حسب هواهم، فلو صدرت فتوى مخالفة للقرآن أو السنة عن أحد ولو كان في أرقى المناصب، لا تقبل وترد عليه ولا يلزم أحد اتباعها.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي هو رسول الله يقول له الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ﴾ (سورة الكهف: ١١٠).
فإذا كان الرسول بشرًا وهو بلا شك أكمل البشر، إلا أنه لم يخرج عن نطاق البشرية، فليس له شيء من صفات الألوهية ولم يدَّعِ شيئًا من ذلك صلى الله عليه وسلم، كمعرفة الغيب والرزق ومغفرة الذنوب، ولم يقل عن نفسه أنه (ظل الله على الأرض)، ولم يأت بحكم وراثي لأهل بيته أو جماعته، ولم يفضل أحدًا على أحد إلا بالتقوى، وهو يخاطب أقرب الناس إليه فيقول من حديث طويل: «يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا». فإذا كان هذا شأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكيف يكون لأحد بعده أفضلية عليه! هذا ما لا يكون أبدًا. وهكذا فليس في الإسلام (كهنوت)، وإنما علماء ويؤمهم في الصلاة أكبرهم سنًّا إذا كان أفضلهم علمًا وحفظًا للقرآن ويعرف أحكام الصلاة، ومثل ذلك في باقي الأعمال وفي الفتوى والقضاء والاجتهاد، يقدم لها العالم العادل، وحتى الصلاة لا تقتصر على المسجد، بل تجوز في كل مكان.
ثانيًا- التشريع في الإسلام هو من اختصاص الله تعالى فهو الذي شرع لنا الدين والأحكام، والرسول -صلى الله عليه وسلم- مُبلغ ومبين ومطبق وداع، وكذلك ورثته من العلماء، فالحكم بالإسلام ليس (حكومة مشايخ أو وزارة أوقاف)، بل هو حكم الله تعالى، والعلماء والشيوخ وأهل الحل والعقد وأولو الأمر كلهم يخضعون لحكم الله تعالى ويطالبون بتنفيذه وبيانه، وليس لهم ذلك دون معرفة تامة بأحكام الله تعالى وآياته وأدلة الأحكام وفروعها، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ثالثًا- إذا كانت بعض المذاهب التي انشقت عن الإسلام وخرجت عليه جعلت فهم الدين والدعوة إليه تابعة لنسب معين أو رجال خاصين ولهم مراتب وصفات كهنوتية، ولا يجوز مناقشتهم ويعلمون الغيب ويعرف أحدهم ما صار وما يصير ومتى يموتون. كما قال الشاعر الفاسق ابن هانئ الأندلسي يخاطب المعز الفاطمي فقال له: (ما شئت لا ما شاءت الأقدار.. فاحكم فأنت الواحد القهار) فجعله إلهًا.
فهؤلاء ليسوا حجة على الإسلام لأنهم خرجوا من دائرته.
رابعًا- إن الشريعة الإسلامية ليست من صنع البشر وليست خاصة بزمان أو مكان معينين، لذا فإنها ليست مرتبطة بهوى إنسان أو طبيعة أرض أو حدود قبيلة، بل هي رسالة الله إلى البشر كافة وأفضل الناس من فقهها ودعا إليها وعمل بها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة فصلت: ٣٣).
ولم يسم القرآن لهذه (الأحسنية) نسبًا معينًا أو رتبة أو امتيازًا يجعله فوق البشر أو يتحكم بهم وفق هواه، بل ترك الباب مفتوحًا لكل من ترفعه همته وعمله إلى هذه المرتبة، وهكذا فلا يوصف الإسلام بأنه دين (طبقة خاصة) يمارسون سلطتهم على الآخرين.
وبعد، فإن تطبيق الإسلام والعمل به هو واجب عيني على كل مسلم، يجب عليه فيه فهمه والعمل به وعلم ما يلزمه من أحكام وعبادات ومعاملات. ولا يعلق مسؤوليته بغيره فيكون تابعًا أعمى كما هو حال غير المسلمين في شؤونهم الدينية، وكما هو حال جهلة المسلمين الذين لا يعرف أحدهم حلالًا ولا حرامًا ويستورد علومه ومعرفة حقوقه وواجباته دون فهم أو تمحيص.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل