; قصة العدد.. نور في الأفق المظلم «الجزء الأول» | مجلة المجتمع

العنوان قصة العدد.. نور في الأفق المظلم «الجزء الأول»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

مشاهدات 84

نشر في العدد 422

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 05-ديسمبر-1978

أفق مظلم ذلك الذي نشرته الأنظمة الجاهلية لتطمس بوادر الخير والحق والحرية التي أشتعلت أوارها الحركات الإسلامية بشبابها المؤمن بربه المعتز بدينه، لكن ذلك الأفق المظلم لم يستطيع بكل ما توفرت إليه من أدوات الإرهاب الفكري والجسدي والنفسي أن يطمس نور الإسلام الذي يزداد يومًا بعد يوم قوة ووضوحًا.

«نور في الأفق المظلم»قصة واقعية رسمت أحداثها في مصر تروي لنا على حلقات طرفًا من الصراع غير المتكافىء بين تلك الأنظمة الجاهلية وبين الحركات الإسلامية، قصة شاب لم يتجاوز السابعة عشر من عمره يدخل المعتقل ليعاني «بعضًا» من ذلك الإرهاب وليس له من ذنب إلا أن يقول «ربي الله».

﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف: 8).

  - 1 -

من نومه أستيقظ فزعًا. وثب من‎ السرير عدوًا، وجسمه ينتفض رعبًا. وجد نفسه واقفًا قرب باب الحجرة. أين هو؟ أجال بصره حوله، ثم نظر إلى النائم فوق الفراش.‏ رآه على ضوء ضعيف داخل من الباب المفتوح، قادم من مصباح صغير معلق في سقف الصالة.‏

في عينبه بقية من النوم. تثاءب طويلًا، وسحب نفسًا عميقًا. نفخه لعله يهدأ قليلًا فقد بدأ الرعب يقلع عنه. عاد ينظر إلى أخيه النائم. إنه احتل الفراش، فرد ذراعه في

المكان الذي كان ينام فيه، ورمى رجله بعيدًا. ظل واقفًا كالتمثال، محدقًا نحوه حتى أتاه صوته:

-نم يا عبد المجيد

تنبه اإلى نفسه، تحرك خطوة وأحدق فيه، وأدار رأسه فجأة. من المؤكد أن شيئًا ما لوى عنقه وجعله يرمي بصره وراءه،‏ ربما كان الإحساس بالخوف.‏ حين التفت إلى

أخيه ألقاه رافعًا رأسه عن الوسادة، مرتكزًا بكوعه على الفراش. وما أن التقت نظرتهما حتي سأله بدهشة:

- ما بِك؟

- لا شيء

- أكنت تحلم؟

- نعم

- أهتز الفراش عندما نهضت بسرعة قال بصوت خائف خافت:

- أى حلم. إنه غريب يا إسماعيل.. تحول إلى كابوس ثقيل.

- رأيتك لحظة قيامك.. فجعت الفراش كله تحتي إلى أن تأتي.. أخذت أنظر إليك بطرف خفي..

- حلم لا يطمئن أبدًا.

قعد أخوه متربعًا، وقال بلهجة متحمسة مستطلعة:

-عبد المجيد.. طيرت النوم من جفوني.

دنا منه، جلس على شاطىء بذهن مشتت، وقال بصوت: يخفت

-رأيث في منامي رجلًا متجهمًا جاء يقودني الي المعتقل.. لم يجدني.. أخذك بدلًا مني‏ وفي مكان مجهول جعل يضربك بسوط وبقسوة.. وكنت تصرخ وتستغيث..‏ وأنا أراك من بعيد..‏ ولكني لا أستطيع أن أنقذك.. كأن حبلًا جاثمًا على صدري.. حاولت أن أزحزحه ونهضت أجري..‏ فرأيت نفسي واقفًا هنا ألهث وأبحث عنك.

التصق إسماعيل به قائلًا:

-صحتي لا تصمد أمام ضربة واحدة بالسوط

-لذلك أفكر في إلغاء سفري إلى الأسكندرية.

وجلسا معًا في جوف الحجرة يفكران بصمت وحيرة.

  _ 2 _

فضاء بلدة «عزبة النخل» يردد صوت مؤذن الفجر. الصوت عريض يفيض بقوة إيمان ونقاء وجدان. دعاء إلى الصلاة. إنها خير من النوم، فاستجاب بعض أهل عزبة النخل وقاموا في ذلك الوقت الباكر. رفع عبد المجيد رأسه وقال لأخيه:

-نترك التفكير الأن.. قم نصلي. لكن سرعان ما استلقى إسماعيل على الفراش وتمطى بكسل، تثاءب بطريقة مصطنعة. قذف الشيطان إلى فمه هواء فاسدًا، فقال كمن

يرغب في النعاس:

-دعني.. قم أنت

 فرفع صوته محتجًا على تكاسل أخيه إسماعيل:

-مضت ساعة ونحن نفكر.. هل أسافر إلى الإسكندرية أم ألغى..

والصلاة لن نستغرق غير دقائق فتكاسل عنها.

-اخفض صوتك أنا أكبر منك

-أتمزح؟

-لا.. لا أريد أن نتشاجر

-يحزنني أننا نختلف.. وصلاة الفجر رحمة ونعمة

-أعرف ذلك

واستدار يعطي وجهه للحائط واستطرد:

-إذا صليت يتحقق الحلم.. يمسكون الأن المسلمين.

-أتخاف البشر ولا تخاف الخالق؟

أدار رأسه وصرخ :

-أنت من الإخوان.. مهدد بالاعتقال..‏ تهمة العصر هي أن تكون مسلمًا.

-لا تستسلم لوسوسة الشيطان.

-الشيطان أحسن من زبانية السجن الحربي.

-أعوذ بالله...

كاد الحوار يتحول إلى نار تلسعهما بما تحرق. لا يحب عبد المجيد أي لون من ألوان الجدل العقيم. لا فائدة من النصح، أثر الصمت. أطرق طويلًا. عندئذ أتى صوت من الصالة دل على أن الأب ذاهب إلى الحمام، قبقابه رنان. قام عبد المجيد، فقال له:

-لا تنس أن تدعو لي بالنجاة من السجن.. لو حدث ذلك.. لن أنساه لك ما حييت.. فأرجوك لا تنس الدعوات.

وقف يسمع له، ثم انصرف إلى الصالة دون أن ينبس. وأغلق إسماعيل عينيه وعقله وغرق في بحر من النوم العميق.

  _ 3 _

بعد أن ختم الصلاة، حكى لأبيه الحلم والحوار الذي دار بينه وبين أخيه، عبرت رنة صوته عن ألمه.

قال الأب يخفف عنه:

-لا تخف عليه من السجن.. ولا تغضب لأنه لم يستجب.

كان الأب جالسًا قدامه. ‎‏اعتدل في جلوسه وابتسم. منح ابتسامته الرقيقة لابنه لتكون له عزاء وعوضًا عما أصابه من جحود أخيه وجموده،

وأردف قائلًا:

- إسماعيل يصلي يومًا..‏ وينصرف عن الصلاة عامًا.. أنا نفسي فشلت معه..‏ ومن رأيي يا عبد المجيد أن تسافر في الصباح إلى الإسكندرية ولا تحرم نفسك يا ابني من الرحلة

-أخشى أن يعتقلوه.

-هذه مهمتي.. أن أخبرهم عن مكانك.. ولن يصيبه أي سوء.. توكل على الله يا عبد المجيد.

لما قام واقفًا كانت أشعة الشمس الذهبية تغزو سماء عزبة النخل، وقد توجت قمم الأشجار. ذهب إلى الشرفة المطلة على الحديقة من الناحية الشرقية. وذاب في النور. ومال عود من شجرة الليمون القريبة من السور. كان الهواء في الصباح يداعب الأشجار قبل هجوم الجو الحار، المشهور بشدته في شهر أغسطس.

لمسه العود المائل، فراح يشم رائحته. كم شجرة في الحديقة مثلها؟ إنه يحبها. هذه الشجرة هي صديقة صباه.‏ لعب حولها كثيرًا، وجنى منها الثمار، واختلف مع الصغار، هبت ذكريات قديمة، قفزت إلى خياله صور من الماضي جددت حبه للحياة. اقترب وقت السفر، فدب النشاط في الجسم المتحفز للقفز. أخذ يقفز بانتظام، إلى الخلف وإلى الأمام. هذا صباح يوم جديد، وهذا شعاع يطل من بعيد وها هو يدرب جسمه ويغسل نفسه مما علق بها في الليل. ثنى الجسم ولمس بالأصابع الأرض،كرر الحركة عدة مرات، ثم رفع قامته وملأ صدره بالهواء النقي، واستمر في تدريبه البدني اليومي.

  _ 4 _

‏حقول الطريق الطويل تجري أمام بصره، لا تكاد تظهر حتى تختفي شيئًا فشيئًا. أما الأعمدة فكانت تجري بنفس السرعة التي يطوى بها القطار قضبان السكة الحديد.

لا يمل النظر إلى بعيد، ولا يغفل لحظة عن التأمل، رغم أنه لم ينم إلا بعض الليل. تولدت الرغبة في قراءة آيات الكون. من هواة الاطلاع. رحلاته في كتب الدين والأدب والتاريخ. بدليل أنه وضع في حقيبة السفر الملابس والكتب.

سحرته تلك الحقول الممتدة على مدى البصر، بلونها الأخضر، وأعجبه ذلك الماء المتدفق في ترعة توشك أن تبدو أسفل القطار. أفاق من تأملاته على صوت صديق. انتزع بصره من بين الماء والخضرة، ورماه داخل العربة المزدحمة بالطلبة. من حُسن حظه إنه جلس عن النافذة. أنقذ نفسه من رائحة الزحام والحر. الممر ممتليء بكتل بشرية، بعد أن فاضت بها المقاعد وضاقت. خلع البعض قمصانهم،

وظهرت الصدور عارية، وفاحت رائحة العرق. لولا هواء النافذة لاختنق. أسرع يسأل صديقه عما يريد ليعود إلى الفضاء العريض، وإذ الصديق يجيب:- صادق مريض أرسل بصره إلى أعلى. من المستحيل أن يفكر في الوصول إليه على الشبكة لو غادر مكانه لأحتله غيره في الحال. سأله:

-أيشعر بشيء؟

-بصداع شديد

تذكر أنه رأى صادقًا في ساحة المحطة. وكان وجهه أصفر.‏ ظن أنه يشعر بصداع خفيف. ويبدو أن الصداع استبد به واضطره إلى الصعود على الشبكة للنوم.

‏ خلت له الشبكة من الحقائب.

‏راح يحدق في صادق. إنه أقرب الأصدقاء وأحبهم إلى نفسه. هو الوحيد بين هؤلاء الطلبة الذي يتوقع مثله الاعتقال. فهو يتعاون معه في جمع الإعانات لعائلات المعتقلين.

عدد كبير من الإخوان في السجن. مر أكثر من عام وهم رهن المعتقل. منذ عام ‎1954‏ وهم في الحبس، وأولادهم في عسر.‏ ولا تزال الحكومة تطارد الأبرياء.

  _البقية في العدد القادم_

الرابط المختصر :