العنوان قصة العنف الموجه في أوروبا ضد أبناء الجاليات الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
مشاهدات 106
نشر في العدد 641
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
- المنازع الصليبية هي المحرك لتهجير المسلمين من القارة الأوروبية
- كمال التون مواطن تركي بسيط هاجر إلى ألمانيا الغربية منذ عدة سنوات للعمل هناك وذات يوم وجد مضرجًا بدمائه قرب حائط المبنى الذي يقيم فيه، وبعد التحقيق ادعى البوليس أن المواطن التركي مات منتحرًا حيث قذف بنفسه من الدور السادس بعد محاولة البوليس الألماني اعتقاله وترحيله إلى تركيا بالقوة.
- وفي فرنسا أيضًا وفي إحدى ضواحي باريس كان «توفيق أوانيس» وهو طفل في العاشرة من عمره يحتفل مع أقرانه بنهاية شهر رمضان المبارك وفجأة يقفز توفيق الطفل الجزائري المسلم وهو يصرخ ثم يسقط على الأرض مضرجًا بدمائه، وبعد التحقيق تبين أن موته كان نتيجة إصابته برصاصة أطلقت عليه من نافذة أحد المباني المجاورة من قبل مواطن فرنسي.
هذان المثالان كانا نموذجًا لحوادث الاعتداءات والعنف الموجهة ضد وجود المسلمين في بعض
الدول الأوربية وعلى وجه الخصوص في فرنسا وألمانيا الغربية والتي تتصاعد يومًا بعد يوم.
ويلاحظ أن هذه الحملات العدائية موجهة نحو العمال المهاجرين من شمال أفريقيا وتركيا أي إنها موجهة بالتخصيص ضد الجاليات الإسلامية التي تشكل نسبة عالية في العمالة الوافدة من هذه البلاد، فما هي قصة هذه العمالة الإسلامية المتواجدة في أوروبا وعلى سبيل المثال في فرنسا وألمانيا الغربية؟
أولًا- في فرنسا:
ابتداء من أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي بدأت أعداد كبيرة من العمال المسلمين تفد علی أوروبا وبالذات فرنسا قادمين من بلدان المغرب العربي ولبنان وغيرها من البلدان التي كانت مستعمرات فرنسية، وكانت الغالبية العظمى من هؤلاء العمال تعمل في المصانع والمزارع كأيد عاملة رخيصة ومع توسع النهضة الصناعية الأوربية كان عدد هؤلاء العمال في تزايد مستمر نتيجة لتسابق رجال الأعمال الفرنسيين على استقدام هؤلاء العمال حين كان اقتصاد البلاد في بداية انطلاقه حتى وصل عددهم إلى ما يقرب من ستة ملايين نسمة.
وكانت هذه اليد العاملة المسلمة تحصل على أجور زهيدة جدًا بالقياس إلى الأجور التي يحصل عليها العامل الفرنسي، وقد ساهمت هذه العمالة المسلمة في دفع عجلة الاقتصاد الفرنسي نحو التقدم والازدهار دون أن تحصل على ما تستحق من نصيب نتيجة هذا التقدم الذي ساهمت به، ومع ذلك كانت هذه العمالة راضية قانعة نظرًا لما كانت تعانيه البلدان الإسلامية التي قدموا منها من تخلف اقتصادي نتيجة وقوعها لسنين طويلة تحت نير الاستعمار.
- ومع كل هذه التضحيات الكبيرة التي قدمها هؤلاء العمال للمجتمع الفرنسي عمد الفرنسيون مع بداية الأزمة الاقتصادية الحالية إلى وضع الخطط لطرد هذه العمالة وإعادتها إلى مواطنها والنقطة الأهم في هذه الخطط هي النظرة العنصرية التي تدعو الفرنسيين إلى تفريغ أرضهم من الأجانب ويقصد بهذا طرد العمال المهاجرين، هذه النظرة العنصرية كانت تخفت وتظهر حسب الظروف والحوافز ولكنها أخيرًا بدأت تترجم إلى معاملة سيئة أو نظرة غاضبة أو شتم وسباب وتجريح وإهانة توجه إلى العمال المسلمين بالذات، ثم يتطور الأمر إلى حد اللجوء إلى العنف وتساقط الضحايا تباعًا حتى من الأطفال الذين يلعبون في الأحياء الفقيرة التي يقطنها هؤلاء العمال، وخلال الأشهر الماضية سقط برصاص المتعصبين الفرنسيين بضعة عشر طفلًا من أبناء المهاجرين المسلمين كذلك فقد قتل أثناء الاحتفال بعيد الفطر الماضي ثلاثة أطفال جزائريين برصاص التمييز العنصري.
- هنا أخذت الحملة العصرية ضد العمال المسلمين تتصاعد حتى وصلت إلى حد استغلالها في الحملات الانتخابية ورفع المرشحون شعارات عنصرية وصلت إلى حد البذاءة، فقد أعلن مرشح مدينة تولون في شمال فرنسا على سبيل المثال أن شعار حملته الانتخابية «هو منع تحويل مدينته إلى سلة مهملات» ويقصد بذلك وجود العمال المسلمين.
- وكان قادة فرنسا ومن أعلى المستويات قد شاركوا في الهجوم على العمال المهاجرين حتى أن رئيس الوزراء اتهم هؤلاء العمال المسلمين بأنهم وراء الصعوبات التي تعيشها فرنسا وإنهم مسيرون من قبل مجموعات دينية إسلامية.
- وكانت هذه الشعارات تلقي تأييد الفرنسيين باعتبارها تعبر عن منطلقاتهم العنصرية، وقد عبرت إحدى النشرات الصحفية التي توزع في أوساط العمال المسلمين عن التخوف من هذه النظرة العنصرية وقالت «إننا خائفون مما يخفيه لنا الغد في فرنسا لأن الكل يتطلع إلينا بطرف عينه».
- ويبدي هؤلاء العمال استغرابهم من حملات العداء الموجهة إليهم واتهامهم بأنهم هم السبب في الصعوبات الاقتصادية وحالة البطالة التي تعيشها فرنسا مع أنهم يقومون بتأدية الأعمال التي لا يقبل عليها الفرنسيون من تنظيف الشوارع وممرات المترو وأعمال البناء والأعمال اليدوية البسيطة في المصانع إلى غير ذلك من المهن المتدنية والتي تتميز بأجور منخفضة ترغم هؤلاء العمال على العيش في أحياء سكنية غير مناسبة تتميز بالقذارة وعدم وجود المرافق وضعف
الخدمات..... إلخ...
- ومع استمرار الاتجاه العنصري ضد العمال العرب والمسلمين فقد اضطر محمد يزيد مدير مكتب الجامعة العربية إلى عقد مؤتمر صحفي أدان فيه الشخصيات السياسية ورجال الأعمال الفرنسيين لاتخاذهم مواقف عنصرية ضد العرب في فرنسا.
- ومن الملاحظ أن الإعلام الفرنسي استغل موجة العداء نحو العمال المسلمين للنيل من الدين الإسلامي فصحيفة اللوموند، والاكسبريس وباري ماتش تفرد صفحات عديدة للتحدث عن العمال المسلمين في فرنسا وتقول لوموند «أن المسلمين هنا يتوزعون بين ۱۲ تيارًا إسلاميًا مختلفًا أكثرها أهمية الإسلام المغربي الذي يمنح الأب حق تزويج ابنته دون مشورتها وبالرغم من إرادتها».
وتصور الاكسبريس أن الإسلام الذي يدين به العمال المسلمون في فرنسا هو إسلام الفقراء
وتدعي أن هناك إسلامًا خاصًا بالأغنياء وتقوم اللوموند بعملية تحريض مكشوفة حيث تقول «أن التخوف المتصاعد اليوم من الإسلام ليس جديدًا، إنه راسخ في الذاكرة الأوربية منذ ما قبل العصر الاستعماري حين كانت أوروبا تتعرض للغزوات الإسلامية، واليوم يأتي إلينا الهجوم العدواني الإسلامي بشكلين الأول: اقتصادي بفضل الثروة النفطية والثاني: عقائدي عن طريق المناضلين من المسلمين المتعصبين».
- إن الحملات على المسلمين في فرنسا تحولت إلى النيل من الإسلام نفسه كما يظهر لنا من هذه الفقرات المقتطفة من الصحف الفرنسية.
- وأخيرًا فإن تصاعد حملات العداء والعنف الموجهة ضد العمال المسلمين الوافدين من بلاد المغرب العربي والتغاضي عن العمال القادمين من بلاد أوربية أخرى كالبرتغال وإسبانيا وإيطاليا والذين يبلغ عددهم حوالي مليوني نسمة يدل دلالة قاطعة على أن هذه الحملات العدائية تعبر عن وجه آخر جديد للحقد الصليبي.
- ثانيًا: في ألمانيا:
وفي ألمانيا الغربية حيث العمالة الوافدة من تركيا فإن حملات العداء نحو هذه العمالة المسلمة تكاد تسير في نفس الاتجاه الذي تسير عليه حملات العداء الفرنسية، حتى أن أحد أحزاب المعارضة اتهم الحكومة الألمانية بالقيام بممارسات عنصرية ضد العمال الأتراك بالذات وكان الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم قد أعد برنامجًا انتخابيًا تعهد فيه للناخبين الألمان بالعمل على ترحيل العمال الأجانب من ألمانيا، ويقدر عدد هؤلاء بحوالي أربع ملايين نصفهم تقريبًا من العمال الأتراك وكان هؤلاء العمال قد شاركوا في بناء الاقتصاد الألماني إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية حيث كانت ألمانيا في ذلك الوقت بحاجة ماسة إلى الأيدي العاملة.
- ومع بداية توقف عجلة الازدهار الاقتصادي وتزايد نسبة البطالة بدأ التحريض العنصري يتوجه نحو العمالة التركية التي أصرت على عدم الاندماج في المجتمع الألماني والحفاظ على الشخصية الإسلامية، وبذلك بدأت حملات العداء تزداد يومًا بعد يوم وخاصة بعد إعلان الحكومة الألمانية إجراءاتها الخاصة بترحيل العمال الأجانب.
- وظهر الوجه الصليبي للإجراءات الحكومية حين أعلن أن هذه الإجراءات لن يجري تطبيقها على العمال الوافدين من الدول الأوربية وعلى إثر ذلك أرسلت مجموعة من العمال الأتراك بيان احتجاج إلى مجلة دير شبيغل الألمانية أعلنت فيه «أن الإجراءات الأخيرة موجهة ضد الأتراك فقط دون غيرهم من باقي الجنسيات وتساءلوا عن السر في تركيز الحملة عليهم دون العمال الأوربيين وأضافوا بأن الحكومة الألمانية تحاول القضاء على شخصيتهم الإسلامية أن تطالبهم بالزواج من ألمانيات كثمن لبقائهم في ألمانيا في الوقت الذي تتناسى فيه الحكومة الألمانية الخدمات التي قدمها العمال الأتراك «للاقتصاد الألماني»، مما دفع بوزير العمل التركي إلى القول بأن تركيا ترفض أن يستعمل العمال الأتراك كاحتياطيين يتم رميهم بشكل هين عندما تنتهي الحاجة إليهم، وكانت رابطة العمل التركية قد أعلنت أن الدول الأوربية تعتبر العمال الأتراك من الدرجة الثانية، وتقول بعض المصادر التركية أن فشل المحاولات لصهر العمال الأتراك المسلمين في بوتقة المجتمع الغربي وتمسكهم بعقيدتهم الإسلامية كان السبب في ازدياد حملات العداء الموجهة ضدهم.
- دوافع الاتجاهات العدائية:
من خلال ما ذكرناه عن وضع العمالة الإسلامية المهاجرة يدل على أن ما يجري على الساحة الأوربية من حملات عدائية وصلت إلى حد اللجوء إلى العنف الدموي ضد المهاجرين المسلمين ينطلق من دوافع وقناعات ثابتة في أوساط المجتمعات المسيحية ترسبت خلال عقود عديدة من الزمن، هذه القناعات يمكن ترجمتها إلى كراهية هذه المجتمعات للوطن الإسلامي وللمسلمين، وأن هذه الكراهية لا تتوقف عند المجتمعات الأوربية ولكنها تمتد لتشمل معظم مناطق العالم فمن الملاحظ أن الاضطهاد الصليبي الموجه نحو المسلمين يتعدى الجانب العقائدي الديني ليشمل الجوانب السياسية والاقتصادية ومن هنا فإن التضييق الاقتصادي ومحاولات دفع المسلمين للاندماج في المجتمعات الأوربية أو التهجير عن طريق القوة واللجوء إلى التصفيات الجسدية يؤكد على أن الحقد الصليبي المتمكن في نفوس الأوربيين هو الدافع الأساسي لما يجري على الساحة الأوربية ضد المسلمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل