العنوان قصة جديدة .. يوم الوشاح
الكاتب محمد المجذوب
تاريخ النشر الثلاثاء 04-أبريل-1972
مشاهدات 72
نشر في العدد 94
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 04-أبريل-1972
قصة جديدة
يوم الوشاح
وما هي إلا أن سمعت أوليات الحقائق عن ذلك الخير، حتى انشرح صدرها له وأحسَّت ملء قلبها أنها وجدت نفسها لأول مرّة وعرفت طريقها إلى الوجود الذي كانت روحها في أحرِّ الأشواق إليه.
بقلم: الأستاذ محمد المجذوب
كانت أَمَةً سوداء لحَيٍّ من العرب، ولكن أحدًا لم يذكر لنا اسمها، ولا هُوِّيَّةَ مواليها، ولا مكان حلولهم.. فهي إذن مجهولة الاسم، ومجهول الأصل، إذ لا ندري من أين جيء بها إلى ذلك الحي، ولكنا عرفنا عنها جوانب أخرى لم يذكرها الرواة مباشرة، بل أشاروا إليها من حيث يعلمون أو لا يعلمون.. ومن ذلك أن منازل القوم الذين كانت في ملكهم غير بعيدة عن المدينة كثيرًا، وأنها كانت مثلهم على ملة الجاهلية من عبادة الأوثان والانحراف عن سبيل الهداية، إلا أنها مع ذلك أقل اهتمامًا بتلك الآلهة الكثيرة الذي كانت موضع اهتمام الجاهليين من حولها.. ولعل أصح ما توصف به من هذه الناحية أنها مخلوقة فطرية، كل ما تستوعبه من هذا الوجود هو أن ثمّة خالقًا عظيمًا رحيمًا، هو الذي أبدع هذه الكُثْبان، ونَسَّقَ ذَرَّاتها، وأفرغ عليها ألوانها، وهو الذي ألف هذه السحب التي تغاديهم بالماء العذب بين الحين والحين، فتحرك مَوَاتَ الأرض وتوقظ ما همد من ذلك النبات المختلف الأصباغ، فيُمسك بذلك على مواليها وعلى أنعامهم نعمة الحياة والصحة.. وهو الذي كَوَّنَ بقدرته الخارقة تلك الكواكب التي تضيء لهم ما حولهم، وتحدد لهم سبلهم، فيتخذون من الذرائع ما يدفع عنهم الأذى، وما يبعث في قلوبهم جمال الأمل.. وبسببٍ من صفاء فطرتها كانت أكثر انتباهًا إلى هذه الروائع الكونية، تلاحظها في السماء والأرض، والنبات والماء، وفي نفسها وفي حركات الأنعام التي كثيرًا ما تخرج معها إلى مساقط الغيث ومنابت الكلأ، فتمتلئ سرورًا، وتحس من جمال الحياة بأشياء لا تستطيع لها وصفًا، بل لا تعرف كيف تشير إليها.. وكان لهذا الصفاء الطبعي الذي صقله ذلك التأمل، فامتازت به على سائر من حولها، أثر عميق في صدور مواليها ومعارفها، إذ باتت موضع ثقتهم ومحل تقديرهم، توقر كبيرهم، وترعى صغيرهم، وتحفظ مالهم، وتشكر محسنهم وتَغُضُّ عن مُسيئهم.. وقد رفع من قدرها في أعين الجميع قِصَرُ لسانها، حتى لا تكاد تتكلم إلا إذا سُئلت، وغنى نفسها حتى لا تكاد تُكلِّف أحدًا شيئًا، فهي كالظل في ظهيرة البادية، ترتاح إليها نفوس الجميع ولا يضيق بها أحد.. ولعل هذه الصفات مجتمعةً هي التي صيرتها إلى الحرية أخيرًا، إذ أجمع أهل البيت الذي يملك رقبتها، أن مثلها لا يُباع ولا يورث، فأعتقوها في نَذْرٍ عن مريض عزيز كتب الله له الشفاء، فأصبحت منذ ذلك اليوم كأي فرد من أحرار الحي، لا تكلف عملًا إلا أن تتطوع له، غير أن خلقها المطبوع على الوفاء قد أبى عليها إلا أن تستمر على نشاطها في خدمة الأسرة التي نمت في ظلها حتى أدركتها الكهولة.
ويا لهول المحنة التي نزلت بهذه السوداء! لقد كانت الوحيدة من نوعها منذ فتحت عينيها على الدنيا! وأية محنة على مثلها أكبر من أن توصم بالسرقة.. وممن؟
من القوم الذين أحسنوا إليها وأخلصت لهم، فلم تقصّر في خدمتهم مملوكة وحرة، ولم يقصّروا في التلطف بها والركون إليها في كل ما لديهم من أشياء وأسرار.
ولكن هذا كله قد خسرته اليوم جملةً، إذ انحصر فيها وحدها ظن السوء ولا شيء يمكن أن يبرئها في أعين القوم.
لقد قضت ضحى ذلك النهار كلَّه في صحبة العروس الجديدة لمياء، تلك التي وهبت لها الكثير من جهودها المخلصة، فرَعَتها طفلة، وخدمتها كاعِبًا، وما زالت مَعنيَّةً بها حتى خُطبَت وزُوجَت.. وهي التي تولت معظم العبء يوم زفافها، فجلّتها وزيّنتها، وكستها ما جاءها من حلل جديدة نفيسة.. وما كان أسعدها بذلك الوشاح الأنيق الذي حمله الخطيب بنفسه إلى خطيبته، خشية أن تمتد إليه يد غير أمينة ولا حريصة فتذهب ببعض لآلئه، أو وَدَعِه، أو تلطّخ جلوده الناعمة ذات اللون القرمزي بما يشوّه جماله، وما أكثر ما قلبته مأخوذةً بروعته، وهي تهنئ مولاتها بهذه التحفة، التي قلّما يُرى مثلها على عروس في رحاب هذه البادية كلها!
ولا بد من أن دهشتها تلك بالوشاح هي التي ركزت عليها إبصار القوم منذ فقدته العروس فلا يجدون مقنعًا ببراءتها، ولا يصرفهم عن اتهامها به أي صارف!
لقد كان الوشاح على لمياء طول تلك الضحوة، ولم ترفعه عن عاتقها إلا قبيل قليل، حين وضعته لتدخل مُغتسَلَها...
فلمّا خرجتْ لم تجِد له أثرًا، ولم تجد للجارية من أثر هناك، وكان الظن أول الأمر أن هذه قد احتفظت به صيانةً له من الأيدي ريثما تغادر المُغتَسل ولكن ما إن سُئلَت عنهُ حتى فَغَرَت فاها حيرةً وأسفًا، وأكّدت لها أنها لم تره منذ فارقتها مولاتها للاستحمام.. ثم مضت تفتّش عنه هنا وهناك لعلها واقعة عليه فمعيدة به إلى مولاتها ما فقدته من الارتياح والبشاشة.. ولكن.. مسكينة! إن كل ذلك لم يزدها في نظرهم إلا انغماسًا في مستنقع الريب، ولم يبق ثمة داع لكتمانهم ظنونهم فأعلنوا تُهَمَتَهم إياها، وأنذروها بوجوب إعادة الوشاح دون تردد، وإلا فعليها أن تستعد لكل ألوان العقوبات!
وعجزت المتهمة حتى عن الدفاع، إذ لم يكن هناك من وسيلة إليه، بل إن كل القرائن مؤيدة لما أجمعوا عليه.. وقد زاد موقفَها حرجًا خُلُوُّ المنزل أثناء إذٍ من أهله، بحيث لم يبق هناك سوى العروس وأمها وهذه السوداء، وبعض الصغار الذين انطلقوا يلعبون بعيدًا...
وعندما أقبل الرجال من أعمالهم واطلعوا على واقع الأمر لم يجدوا بُدًّا من استعمال الشدة، ولعلها المرة الأولى التي تعرفت بها مثل هذه الصفعات واللكمات تنزل عليها من بعضهم، حتى الذين كانوا لها بمثابة الإخوة! ولم يكتفوا بذلك حتى ذهبوا يخلعون ثيابها رجاء أن يعثروا خلالها أو تحتها بضالتهم النفيسة، أو ببعض آثارها! ولم يدعوا عليها شيئًا إلا فتّشوه وقلّبوه، إلى أن انتهوا إلى سراويلها،
فتركوا للنسوة أن يستطلعن خبره، وأبى هؤلاء أن يدعن مكانًا مستورًا من جسدها دون تنقيب! ثم لم يكن في وسعها أن تفعل شيئًا سوى البكاء!
وأخذ الإعياء من المتهمة مأخذه.. وسقطت على وجهها لا تكاد تستطيع حَرَاكًا.. ولما استعادت بعض الوعي رفعت عينيها نحو السماء، وفي انكسار وجيع جعلت تتمتم «ربّاه... أنت العليم بكل خفيٍّ، فأدركني برحمتك، وأثبت براءتي بقدرتك». وشعر كل من حولها بشيء غريب في تلك الضراعة، هز أعماقهم، وأوشك أن يثير عطفهم، لولا تلك القرائن التي لا تفسح أي مجالٍ لاستبعاد التهمة عنها، وجعل بعضهم ينظر إلى بعضٍ في صمتٍ مثيرٍ.. وقد غرقت الطبيعة كلها في غمرةٍ من مثله، إذ كانت الشمس قد تكبَّدت وسط السماء وتقلّص ظل كل شيء حتى تجمع في أسفله، وخلا جو السماء من أية قذعة، فبدت عميقة بعيدة الغَور لاهبة الحر، لا يكدر صفاءها أي جسم عابر أو طائر.
وبغتة التفت الجميع إلى ما فوق رؤوسهم ليستطلعوا نبأ حركة مفاجئة، أعقبها صياح حدأة تنصب من عل، وقد تدلّى من مَنسِرِها المعقوف شيء، لم يستطيعوا تحديده حتى ألقته بينهم... فإذا هو الوشاح.. الوشاح المفقود نفسه!
ومنذ ذلك اليوم ضاقت تلك البادية بحياة الوليدة السوداء، حتى لم تعد قادرةً على تصورها ولم يعد في قلبها أي رغبة في مجاورة هؤلاء القوم الذين في لحظة قصيرة نسوا كل ما خبروه من أمانتها في خدمتهم طَوَال خمسين سنة!
ومرت بها قافلةٌ من المسلمين يقصدون المدينة، التي سمعت الكثير عن عهدها الجديد، وعن تلك الدعوة التي غيرت معالم الحياة من حول هذا الحي الذي ظلمها... فلم تتمالك أن انطلقت معهم مستسلمةً إلى باعث لم تعرف له تفسيرًا، ولم تستطع له دفعًا.
وكانت المسافة -على قصرها- كافيةً لأن تُعلمها ما لم تكنْ لتعلمه من أمر ذلك الدين العجيب، الذي جعل من هؤلاء الذين ترافقهم طرازًا لا عهد لها بمثله معاملةً وإحسانًا ورحمة... وما هي إلا أن سمعت أوليات الحقائق عن ذلك الخير حتى انشرح صدرها له، وأحسّت ملء قلبها أنها وجدت نفسها لأول مرة... وعرفت طريقها إلى الوجود، الذي كانت روحها في أحر الأشواق إليه.
وفي مسجد الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- اتخذت مستقرها، فأقامت لنفسها حفشًا -خباء- صغيرًا في زاوية منه، لتكون على مقربة من الينبوع السماوي الذي ساقتها إليه رحمة الله، ولتقف ما بقي من طاقتها على خدمة ذلك البيت المطهر، الذي منه تنطلق أشعة الوحي لتضيء طريق الضائعين، وتنقذ أنفس المعذبين.
وكانت إقامتها في المسجد الحبيب مناسبة صالحة للاتصال ببيوت النبي والقرب من أمهات المؤمنين، اللواتي أذهب الله عنهن الرجس وطهرهن تطهيرًا. وأكثرُ ما كان تَرَدُّدُها على بيت عائشة، التي تروي خبرها قائلةً: «فكانت تأتيني فتتحدث فلا تجلس عندي مجلسًا إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا إلا أنه من بلدة الكفر أنجاني».
*اقتُبست أصولُ هذه القصة من صحيح البخاري.. انظر فتح الباري ج ١ ص ٥٣٣ و٥٣٤ كتاب الصلاة – ط السلفية وهي من مجموعة جديدة تعد للنشر بعنوان «قصصٌ لا تُنسى».