العنوان قصة قصيرة: صرت يتيمة..!
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر السبت 19-سبتمبر-2009
مشاهدات 62
نشر في العدد 1870
نشر في الصفحة 44
السبت 19-سبتمبر-2009
نصوح الشاعر ينشد:
هذا العدو يكره الأشعار *** ويقتل الأطفال
والأزهار
له جبين شائه منهار *** يرهبه أن تولد
الأفكار
في رأسنا المثقل بالثمار *** يهم أن يطفئنا
ويطفئ الشرار
يهم أن يقتلنا ويقتل الأشعار *** ويدفن
الأطفال والأزهار
۱- قال الراوي: وتفعل الأقدار فعلها المحكم، فسماء غزة قد
جفّ دمعها هذا الموسم، فَحلُ الشتاء «كانون» بدا جافيًا هذه المرة، كما هو في كل
الإقليم، وكأنه ينبئ بالحدث، وعيون الغيلان التلمودية تحتل سماء غزة، وهي ترقب كل
حركة وسكنة على الأرض التي آوت إليها على مر الزمان الأبطال المودعين لأرض الشام
المباركة، ميممين أفريقيا يبتغون الفتح.. وأهل غزة «الوادعون» عيونهم تدور في
السماء، علّها تحظى بقطرات حرّى، تنهمر من مآقي أولئك الأبطال الذين تزودوا يومًا
من روح غزة لحظة الفراق، فتنبت تلك القطرات زهورا وأطفالًا تُزين رأسهم بتيجان
الغار؛ حيث تتجاوز بذلك سوء المصير، الذي وصف فيه الشاعر قلبه بقوله: ذلك الصامت
الكئيب، المتبدد، المهدد بالسقوط مثل كل المدائن العربية.
۲- وتابع الراوي فقال:
والآن دعوني أقص عليكم نبأ تلك الطفلة الغزية
الجميلة، مخضلة العينين والخدين، التي أبكت القلوب قبل العيون، حين حملتها
الإعلامية المتقنة إلى بيتها المهدم في غزة وقد كانت فوهات الغيلان قد صمتت بعد أن
أعجزها صمود الفرسان.
قال
الراوي: سوف أفسر لكم فعل الأقدار المحكمة؛ قررت «الطفلة» الخروج على المألوف،
فأعلنت نبأها: إنها فتاة أمنت بترابها أمانة من ربها، وضعها في ذمة الأهل، فكانت
تضع جهدها في دراستها، التي جعلت منها حقل جهادها المناسب لسنها ومكانها، لم تكن
تدري أن الدم صار ماءً، وأن الأقزام القريبين البعيدين رهنوا أسيافهم للعدو، لكنها
كانت وهي تصلي الفجر مع الوالدة، تشعل في قلبها شمعة تضيء الساعات المقبلة، وتحتفظ
لها بذاكرتها بتفاؤل دانية رؤاه، ترسل به رسالة ود إلى كل أطفال العالم، وتزينه
بوضوح الرجاء، كي يعملوا على تقويض الحصار بقلوبهم الصغيرة البريئة؛ إذ كانت تظن
أنهم حمّلوا لمدينتهم سفن الفتح بهدايا الانتصار.
وفي يوم من أيام الشتاء القارس، وكان يوم
جمعة، رافقت والدها إلى بيت جدتها وخالتها في زيارة ود ورحم وعرفان، وكانت وهي في
السيارة ترقب الشوارع، وتتملى بناظريها كل التفاصيل، وكأنها لم ترها من قبل، وهي
التي مرت بها عشرات المرات في زياراتها المتكررة لبيت جدتها، وفي ذهابها إلى
المدرسة وإيابها منها. وهنا تذكرت الزميلات: فاطمة، وحنان، وخالدة، تذكرت ساعات
اللهو، وساعات الجد، وتنهّدت تنهيدة طويلة، ثم ألقت برأسها على كتف والدها المشغول
بالقيادة، فما كان منه إلا أن مسح بيده على رأسها قائلًا:
- ما بك يا
بنيتي؟ هل بك مرض أو ألم؟
- لا.. لا يا
أبي، ولكن شوقًا غامضًا يدفعني إلى مزيد من ملء البصر بمشاهد مدينتنا، وكأني في
طريقي إلى مغادرتها!
ضحك
الأب ضحكة خفيفة، وربت على ظهرها بحنان ثم طمأنها بقوله: لا تخافي يا صغيرتي «كثيرًا
ما ستشاهدين غزة» مزهوة ببحرها ورجالها وأطفالها المشتاقين إليها مثلك، لا تقلقي
فهذه غزة بين يديك، وغدًا أعود إليك لنعود معًا إلى بيتنا الجميل المشتاق أبدًا
لصوتك الحنون، ترتلين آيات الله بعد صلاة الفجر.
3- واليوم
الثاني يوم آخر، قال الراوي:
كانت الطفلة على موعد مع والدها ليعود بها
إلى بيتهم وكانت ترقب صعود الشمس في كبد السماء رويدًا رويدًا، ورغم أن أربعينية
الشتاء كانت في عزها إلا أن الشمس كانت تدفئ الوجود، فيبعث دفؤها كثيرًا من
الحيوية في جسد الطفلة الجميلة التي أقلقها تأخر أبيها عن الحضور، فكانت تروح
وتغدو لتطل من النافذة.. ثم تقول:
- ها قد قاربت شمس اليوم على احتلال منتصف
السماء، وما أن مرت بخاطرها كلمة «احتلال» حتى دبّت في جسدها قشعريرة راعبة، ودون
أن تتمالك مشاعرها وجدت نفسها تردد بصوت خافت: أين أبي؟ أين أبي؟
وما إن انتهت من التلفظ بآخر حرف من حروف
الكلمة، حتى ضجّت المدينة بصوت انفجارات متتالية هائلة، اهتزت لها كل موجودات
البيت، فما كان من الفتاة إلا أن هرعت إلى جدتها وهي تصيح مذعورة: أبي.. أين أبي؟
احتضنتها جدتها محاولة طمأنتها بأن أباها سوف يحضر، ولن يتأخر.
وتتالت الأصوات المرعبة، وهربت من مخيلة
الفتاة مشاهد غزة، التي رسمتها في أثناء الطريق إلى بيت جدتها، وراحت تحل مكانها
تخيلات مخيفة، وسكنت في روعها أصوات الطائرات تتتالي، وقد شاهدت بعضها تقذف حممًا
لا تدري الطفلة أين وعلى من تقع، ولكن خاطرًا رهيبًا داهم مخيلتها يقول: لماذا
تأخر أبي؟ أتكون إحدى الحمم قد سقطت على الأهل؟ لا.. لا.. لا يمكن أن أفقد أمي،
ولكن أبي لم يحضر! أين هو؟ وحمودة أخي؟ مع من سألعب وأحفظ وأتلو وألهو؟
حاولت الفتاة محو تداعيات هذا الخاطر، ولكنها
عبثا كانت تحاول؛ فقد كان الخاطر طاغيًا، حثيث الغزو يبعث في روعها هواجس متنوعة،
تروح وتغدو، وتمارس عليها افتراسًا لتوازنها الذي كانت تعرفه في سلوكها، وتساءلت
في سرها دون أن تسمع جدتها التي تحتضنها سؤالها: ماذا حل بي؟ لماذا تراود مخيلتي
شتى الأفكار السوداء؟ فأتخيل مدرستي مهدومة وتغزوني صورة لحنان، وفاطمة، وخالدة
مضرجات بالدماء، وصورة أخرى لشوارع غزة وبيوتها، وقد هدمتها الغيلان الضارية.. وقد
اختلطت تلك الصور بحضور كلمات لمعلمتها قالتها لبنات الفصل: يهود لا يرعوون؛ إنهم
على دین «يوشع»، هدم البيوت مهمة مستمرة عندهم، فعلوها من قبل، في مدينة القنيطرة
السورية التي حولوها إلى كومة من دمار وفي مئات القرى الفلسطينية التي هدموها بدم
بارد.
- أواه.. أين أبي؟ لقد حلّ الليل ولم يحضر،
ومضى يوم ويومان وثلاثة ولم يحضر!
٤- وقال
الراوي: ولن يحضر! ففي دار الشفاء رووا لنا القصة، لقد أنذر الوالد بالخروج من
منزله قبل أن يقصف ويدمر، ولما خرج مع الزوجة وحمودة الابن قصفت سيارتهم بصاروخ
غادر، حولها ومن بداخلها إلى أشلاء.
- آه.. صرت
يتيمة؟! واغرورقت عيناها بالدموع.
قالت الطفلة ذلك للإعلامية المتقنة، التي
تبرعت بمرافقتها إلى بيتها، وكان ذلك وهمًا تسيران فوق ركام منزل العائلة
المفقودة، وراحت الفتاة تمشي أمام الإعلامية فوق الركام وتقول لها وهي تجهش
بالبكاء: انظري هذا «مريول» حمودة، كان يلبسه للمدرسة، وكانت قد أخرجته من تحت الركام،
وهنا كانت غرفتي، هذا الركام هو غرفتي؟ وانتابت الطفلة موجة حادة من البكاء، بينما
كان يخالط نشيجها بعض كلمات غامضة، تبينت الإعلامية منها: ذهب حمودة، ذهبت أمي،
ذهب أبي.. مع من سوف أذهب إلى المدرسة؟
أمسكت الإعلامية بها واحتضنتها، ومسحت الدمع عن
وجهها الذي علت تضاريسه مسحة ملائكية، وانطلق بصرها بنظرة بعيدة جادة، خُيَّل
للإعلامية من خلالها أنها تقول: مهلكم أيها البرابرة؛ فاليتيمة سوف تكبر، ولن يكون
لكم مقام في أرضنا، والأيام بيننا، ولسوف ترون كيف أننا نطيل سيوفنا بأذرعنا!!